اليقظان
04-09-2003, 12:41 AM
الغلو في العلماء
17/2/2001
أزمة العلماء (الجزء ما قبل الأخير)
محمد الأحمري
هناك دوافع سياسية كبيرة وراء الغلو في العلماء، فأنظمة القمع تسمح بالغلو في العلماء دائما إن كانوا في صفها، أو إن كانوا موتى دون ذكرى تزعج الحكام، لأنهم لن يغيروا رأيهم ولن يخرجوا عليها من قبورهم، وتستطيع التحكم فيما يعلن وفيما يمنع التداول من فكرهم، فتضمن عدم الإعتراض. وهي تقمعهم وتقمع من يباركهم إن كانوا في غير صفها، وإن كانوا موتى، قال عبد الملك بن مروان منكرا على من أثنى على عمر بن الخطاب: "قلّلوا من ذكره، فإنه حسرة على الأمة، طعن على الأئمة" لله ما أعجب إغواء الإستبداد وما أعظم عدل عمر يرعب كل جور في كل مكان، وتمتد قامة عدله من وراء العصور ترهب الجور في كل زمان! قد يقال أن عبد الملك عطف على الناس من الحسرة والحزن على وفاة الفاروق رضي الله عنه، ولكن الحقيقة جاءت متأخرة في الجملة التعقيبية المهمة من قوله: "طعن على الأئمة" إنه ذكي ويدرك أن ذكر عمر تشكيك في شرعية عبد الملك.
وقد يسر جائرا أن يغلوا الناس في شيخ، ويقدسوه ثم يزكي هذا الشيخ السلطة الجائرة ويلهج بمدحها ويضع الشعب في جيب الحاكم؟ فيطغى الجائر ويفسد فوق ما هو فيه حجته أن "الموقعين عن رب العالمين" يؤيدون حكمه، وأن النصارى واليهود لا ينتقدونه وأن المنافقين يتملقونه، فمن هذا الذي يطيق الإعتراض؟ ومن الذي يتهمه؟ ومن ينتقد عصمته ودينه؟ وقد سخر الجميع لمدحه لا بد أن يكون الناقد متطرفا مريض العقل متشدد السلوك؟ فأي حاكم موهوب هذا الذي تجتمع عنده الخصوم!
فمن يعترض عن طريق الدين أو بسببه فعليه رد المشايخ، ومن يعترض بسبب السياسة فلدى الحاكم رد القوى الكبرى؟ ومن اعترص باسم الجماهير فهنا طاقم النفاق جاهز، وهكذا تحكم السيطرة على جميع المنافذ ويحاصر الحق. ويؤدي الموظفون بألقاب علمية دورا مضرا بالأمة.ويصادرون مصلحتها، ويقوون أعداءها، ويصنع منهم أصناما مرجعية يمرر باسمهم الباطل. وما أصعب أن يكون الحق رجلا، يتجسد فيه العلم والخير والسياسة والدنيا والآخرة ويكون هذا الرجل أسيرا لدولة أو لطاغية، أو لشهوة، أو لضعف شخصية وخوف فتتمحض السلبيات للأمة، تصب فوقها باسم الدين وعلمائه، والإيجابيات تذهب للطاغية ولأعداء المسلمين المستفيدين من هذا الخليط الإستبدادي من كل المشارب. غير أنه عندما يقول تم الأمر ينغص عليه ما لا بد منه، أحد هذه المنغصات الصورة السيئة والسمة المستقذرة للإستبداد والديكتاتورية والنفاق في العالم والتي لا يملك أحد تحسينها ولو كان غلوبز وزير إعلام هتلر، ثم سؤء العاقبة على الجميع.
إعادة كتابة تاريخ العلماء
نشهد في هذه الأيام البدء في مشروع جديد ربما غير منظم، لإعادة كتابة تاريخ حياة وفكر علماء الإسلام؛ يهدف هذا المشروع إلى إظهار علماء الإسلام وهم في حال أقرب إلى أحوال المؤلفين المعاصرين وأبعد عن حال السلف، فإذا كان الكاتب تبعا للسلطان، مجاملا ومروجا ومنتفعا بدينه، فإنه يحاول أن يبحث في تاريخ العلماء والدعاة عبر العصور عن من يمكنه أن يبرر له ما هو فيه، ويلقي بحاله ومشكلاته، وضعفه ونقص توحيده على أولئك الموتى الذين لقوا الله ولم يعرف عنهم هذا الجبن والخوف ونقص التوحيد، فهم إما أن يكونوا خيرا من الحي وإلا فقد سترهم الله بموتهم، فلم نر لهم تلك العيوب. وقد اطلعت على قول لأحدهم وهو يعرّف بعالم عرف عنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحاول أن يلقي بضعفه هو وخوفه على سيرة الميت فصوره جبارا على الناس جلفا، وجعله للمستبدين من السلاطين خدوما لطيفا! وهذا من أعجب الجرأة على الميت وعلى تاريخه، فإن تركنا ما يروى عنه ممن عاصروه، فالحمد لله هذه كتاباته مطبوعة معلومة، وسيرة شجاعته وتوحيده مشكورة، فهذه السير والكتب تبين شخصيات كتابها أو المتحدثين، أكثر مما تصف الشخصيات التي تحدثوا عنها ممن أصلح وسلف.
ويغفل الطيبون البسطاء عن دور الحي وهو يعرف بالميت، أو وهو يسوق تعريفا بحدث أو شخصية فكرية، أو موقف علمي سابق، فلا يرون كاتب النص الجديد، فإذا تحدث كاتب معاصر أو كتب فعليك أن تميز بين الشخصية الحقيقية وفكرها وسلوكها وبين الكاتب أو المحاضر، فهو غالبا يستخدم العالم القديم، والعصر الحديث ليقدم فكرته هو محمولة على ظهور السابقين، لا أستثني ما أكتبه لك الآن، وإني أنير لك هذه الزاوية لتعلم أن كاتبا جبانا رعديدا لن يقدم لك شجاعة شخص قديم، بل سيبحث عن شخصه هو في الميت فيحيي هذه الجوانب وهو يعيد كتابة التاريخ، وكل من بحث في تراجم العلماء فهو يعيد كتابة التاريخ، بوعي أو بدونه.فكما أن هناك من يهدف فيما يكتب إلى إيقاظ الجانب العملي والدور الفكري الحيوي للعالم، والبحث عن استقلال العالم وحريته، فهناك من يخالفه الرأي ويريد للعالم أن يكون تابعا للمستبد، لا لأن هذا مكان العالم في الإسلام، ولا لأن العالم الماضي كان كذلك؛ ولكن لأنه هو يحيى حياة التبعية فيود لو كان العلماء كلهم عاشوا حياته تلك. وليس له مفر من أن يجعل من شخصيته إسلاما، ومن شركه توحيدا، لا بل كمال التوحيد. ولكن هذه النماذج التائهة قليلة ولله الحمد في ميزان الحق والدين لا وزن لها في التاريخ، وإن تظافرت دول على النفخ فيها، ثم إنها لا تصمد للواقع العلمي ولا العملي المحيط بها، ولكنهم وسيلة دعائية وقتية إذ لكل سلطان متعالموه وسفهاؤه وأتباعه، فلتضرب جرار الطين بعضها ببعض، فأنى لعاقل أن يقدم إعلام السلاطين على الدين؟
الانتقاء
وقد راق لبعضهم أن يجعل من كلمة رويت ولم تصح عن احمد بن حنبل رحمه الله أنه قال: لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان: فاختصروا فكر الإمام أحمد وسيرته في هذه القصة التي لم تصح عنه؛ –وقد حقق هذه المسألة أحد العلماء الكبار المعاصرين وبين عدم صحتها- وقد تركوا معارضته الشديدة وسجنه وتعذيبه والإقامة الجبرية وكأنها لم تكن!! ألا يدرك هؤلاء كم في أسلوبهم هذا من العبث والإعتساف للتاريخ، مما يسبب الشك في مصداقية ما ينقلون من معلومات أو يفتون به أو يروون من روايات. فالذي جعل من مسألة تاريخ الإمام أحمد واستفاضة سيرته مكانا للتحريف والعبث ماذا سوف يصنعون بغير تلك المرحلة؟
ولا يتعصب لإمام فذ في غير حق، بل هو أحق بأن يبين له الحق، ويبين للذين تابعوه ما يقع فيه الشيخ الفاضل من خطأ. فقد كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يسألونه هل ما يقول لهم وحي أم شيء يصنعه لهم "سياسة" فيقول لقد رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة، كما في قصة الأحزاب، وعلى فرض صحة قولهم وروايتهم عن أحمد فاستمع لكلام المقبلي: وقد أنكر على أحمد –بعد الثناء بما هو حقه- موقفه من عالم، وأنكر ثناءه على الحاكم، ثم قال فما خطأه فيها (محمد بن هارون) كمن يقعد في الخلافة خاليا عن صفتها ويعوث في المال والأموال غفر الله لأحمد"
إننا نملك من شواهد مواجهة من علماء السلف للبغي والجور والاستبداد مالا تملكه أمة، ولدينا من حقائق التاريخ وسير العلماء، ما هو كفيل بحشر هؤلاء المرتزقة في زوايا التزوير والعبث، مما يستحقون عليه الإلحاق بالجهلة والعابثين.
إن العجب لا ينتهي من عبث هؤلاء الخلوف بالموروث الإسلامي في جوانبه السياسية خاصة، وقد كان المستشرقون -وللأسف- أعف من بعضهم ألسنة و أحضر عقولا رغم كيدهم للمسلمين، ولربما كان لهم من الذكاء ما يجعل أفكارهم تنطلي على المسلمين، كالمستشرق الذي كتب عن سيرة أحمد. أما الخلوف فقد تجردوا من العقل والنقل، وأوغلوا في طريق من المنافقة بالدين حتى لم يطقهم أحد ممن نافقوه وتقربوا له. ومن المستبدين من يعلم سخف هؤلاء ومتاجرتهم بالدين ويعطيهم ثمن ذلك، ولكن جهل المستبد جعل بعضهم يصدق ما يكذب به عليه عن الدين، فليس من هؤلاء من يدرك كما أدرك الحاكم العباسي وقد دخل عليه كذاب بياع للسنة على باب السلطان فقال للحاكم متزلفا ومبررا وباحثا لطريقة يسوغ بها ويشرع أو يسعى لتأصيل عبث السلطان وقد رآه يسابق بين الحمام فقال : قال صلى الله عليه وسلم "لا سبق إلا في ثلاث خف أو حافر أو جناح" فأضاف "أو جناح" لأجل حمام الأمير فأعطاه السلطان "حلوانه" ثم ذكر السلطان للجالسين كذب هذا المرتزق بالسنة –وليس على الناس فقط ولكن –على الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحا ضمير الأمير وذبح الحمام، ولكن هل سيصحو ضمير الشيخ أم يذهب ليرتزق بحديث يكذبه لآخر!.
وينتقي المتزلفة للطغاة من الدين ما يروقهم، ويبعدون ويؤولون كل نص يخالف شهوة المستبد، وهذا نوع من التحريف الخفي للدين، ولا يعظمون من القرآن إلا: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" ويتجاهلون قول مالك وتفسيره وعقب أحدهم: "مع الغفلة عن المراد بأولي الأمر، وما تقتضيه صيغة الجمع، وما يقتضيه قيد منكم" ثم قال: "وإنما الطامة من تشويش الدين والدنيا على العامة بسبب العلماء المدلسين. ذلك أن الدين إنما يعرف بالعلم والعلم يعرف بالعلماء. " ومن كان دون قضيته أورثها ضعفا ونقصا، فكيف بمن خذلها أو باعها في سوق الغبن؟ فعلى العالم أن يرقى بنفسه ليرتقي لمسؤليته، ويتقي الله في الأمانة التي تحملها.
العصبية القبلية والجغرافية
شاعت في العصور المتأخرة ظاهرة الوطنية بين طلاب العلم والمعرفة، وتلبسوا عللا خفية من القومية والقطرية والإقليمية، وفدت عليهم من التعصب ومن الوثنية الأوروبية التي يتشربون كثيرا من سمومها ولا يعرفونها، وقد ينشأ الإنسان على مسلمات غير صحيحة يغرقه في بحرها طول السواد وقرب الوساد، كما قالت الأعرابية، عرف وتعود وتقوم عليه الولاءات والعداوات. واستمع للمقبلي يلمس قبل أربعة قرون داء شبيها بهذا الداء، " وأما إنك تشرب قلبك حب قوم وكراهة آخرين ثم تأخذ بقية عمرك في تثبيت ذلك البناء، وهو على شفا جرف هار، وتغر نفسك إنك إن أردت الله بذلك وأنت تعلم خلافه لو أنصفت، فهذه إنما هي حمية الجاهلية الأولى إلا أنها غلبت على الناس، وأعون شيء على كشف عوارها لمن غلبه هواه، وقد بقي فيه بقية أن ينظر في أحوال الصحابة رضي الله عنهم، مع أن حجة الله أوضح من أن تخفى، وهذا صراطه المستقيم على كثرة المتنكبين " وهذا الداء العصبي الإقليمي من أكبر هوادم العلم، وطرق الإستخفاف به وبأهله، عندما يكون عصبية، أو مذهبية تتعارض فتسقط حقوقا أكبر منها، فكم من حق رد بشبهة عصبية، وكم من باطل قبل بسبب عصبية.
فالتقوى والإنصاف لا تجتمعان مع عصبية جاهلية، والخصم بالتجربة لا ينصف.
وهذه العصبية مباءة الكبر والجهالة، لأن هذا الجاهل يثق بأن عصبيته ستسمه بالعلم وإن جهل، وبالمنصب يجور فيه وإن صغر عنه، ويتملق به وإن أفحش وأساء. ومنهم من يشارك الحكام في استباحة دماء الناس وحرماتهم، ثم يرون ذلك دينا؟ لأن الحكام قدموهم وهم غير أهل فأخذوا المكانة والأهلية من غيرهم. وتكبروا واعرضوا عن الحق. ألا تذكر شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين يقول: "اللهم إنك تعلم أني شريف فاغفر لي "
الكبر
وهو من العباد وذوي العلم شنيع، ومنقصة لهم، وبعضهم يروج للكبر بأنه مهابة يكسبها العلم والدين، وقد ذكر ابن الجوزي نماذج عديدة لتكبر الصالحين، وذكر غيره مشايخ لا يحضرون المساجد تكبرا أن يختلطوا بالعامة. أو "أنا فلان لا أجلس في أول المسجد وصدر المجلس حيث أجلس!" وهذا يولد في نفس فاعله شخصيتين متنافرتين، المتكبرة المتعنجهة على عامة الناس، ووجهها اللازم الآخر الشخصية الخنوعة الذليلة للسيد الحاكم الذي يبقي لها شيئا من المكانة ويعطيها الجاه.
17/2/2001
أزمة العلماء (الجزء ما قبل الأخير)
محمد الأحمري
هناك دوافع سياسية كبيرة وراء الغلو في العلماء، فأنظمة القمع تسمح بالغلو في العلماء دائما إن كانوا في صفها، أو إن كانوا موتى دون ذكرى تزعج الحكام، لأنهم لن يغيروا رأيهم ولن يخرجوا عليها من قبورهم، وتستطيع التحكم فيما يعلن وفيما يمنع التداول من فكرهم، فتضمن عدم الإعتراض. وهي تقمعهم وتقمع من يباركهم إن كانوا في غير صفها، وإن كانوا موتى، قال عبد الملك بن مروان منكرا على من أثنى على عمر بن الخطاب: "قلّلوا من ذكره، فإنه حسرة على الأمة، طعن على الأئمة" لله ما أعجب إغواء الإستبداد وما أعظم عدل عمر يرعب كل جور في كل مكان، وتمتد قامة عدله من وراء العصور ترهب الجور في كل زمان! قد يقال أن عبد الملك عطف على الناس من الحسرة والحزن على وفاة الفاروق رضي الله عنه، ولكن الحقيقة جاءت متأخرة في الجملة التعقيبية المهمة من قوله: "طعن على الأئمة" إنه ذكي ويدرك أن ذكر عمر تشكيك في شرعية عبد الملك.
وقد يسر جائرا أن يغلوا الناس في شيخ، ويقدسوه ثم يزكي هذا الشيخ السلطة الجائرة ويلهج بمدحها ويضع الشعب في جيب الحاكم؟ فيطغى الجائر ويفسد فوق ما هو فيه حجته أن "الموقعين عن رب العالمين" يؤيدون حكمه، وأن النصارى واليهود لا ينتقدونه وأن المنافقين يتملقونه، فمن هذا الذي يطيق الإعتراض؟ ومن الذي يتهمه؟ ومن ينتقد عصمته ودينه؟ وقد سخر الجميع لمدحه لا بد أن يكون الناقد متطرفا مريض العقل متشدد السلوك؟ فأي حاكم موهوب هذا الذي تجتمع عنده الخصوم!
فمن يعترض عن طريق الدين أو بسببه فعليه رد المشايخ، ومن يعترض بسبب السياسة فلدى الحاكم رد القوى الكبرى؟ ومن اعترص باسم الجماهير فهنا طاقم النفاق جاهز، وهكذا تحكم السيطرة على جميع المنافذ ويحاصر الحق. ويؤدي الموظفون بألقاب علمية دورا مضرا بالأمة.ويصادرون مصلحتها، ويقوون أعداءها، ويصنع منهم أصناما مرجعية يمرر باسمهم الباطل. وما أصعب أن يكون الحق رجلا، يتجسد فيه العلم والخير والسياسة والدنيا والآخرة ويكون هذا الرجل أسيرا لدولة أو لطاغية، أو لشهوة، أو لضعف شخصية وخوف فتتمحض السلبيات للأمة، تصب فوقها باسم الدين وعلمائه، والإيجابيات تذهب للطاغية ولأعداء المسلمين المستفيدين من هذا الخليط الإستبدادي من كل المشارب. غير أنه عندما يقول تم الأمر ينغص عليه ما لا بد منه، أحد هذه المنغصات الصورة السيئة والسمة المستقذرة للإستبداد والديكتاتورية والنفاق في العالم والتي لا يملك أحد تحسينها ولو كان غلوبز وزير إعلام هتلر، ثم سؤء العاقبة على الجميع.
إعادة كتابة تاريخ العلماء
نشهد في هذه الأيام البدء في مشروع جديد ربما غير منظم، لإعادة كتابة تاريخ حياة وفكر علماء الإسلام؛ يهدف هذا المشروع إلى إظهار علماء الإسلام وهم في حال أقرب إلى أحوال المؤلفين المعاصرين وأبعد عن حال السلف، فإذا كان الكاتب تبعا للسلطان، مجاملا ومروجا ومنتفعا بدينه، فإنه يحاول أن يبحث في تاريخ العلماء والدعاة عبر العصور عن من يمكنه أن يبرر له ما هو فيه، ويلقي بحاله ومشكلاته، وضعفه ونقص توحيده على أولئك الموتى الذين لقوا الله ولم يعرف عنهم هذا الجبن والخوف ونقص التوحيد، فهم إما أن يكونوا خيرا من الحي وإلا فقد سترهم الله بموتهم، فلم نر لهم تلك العيوب. وقد اطلعت على قول لأحدهم وهو يعرّف بعالم عرف عنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحاول أن يلقي بضعفه هو وخوفه على سيرة الميت فصوره جبارا على الناس جلفا، وجعله للمستبدين من السلاطين خدوما لطيفا! وهذا من أعجب الجرأة على الميت وعلى تاريخه، فإن تركنا ما يروى عنه ممن عاصروه، فالحمد لله هذه كتاباته مطبوعة معلومة، وسيرة شجاعته وتوحيده مشكورة، فهذه السير والكتب تبين شخصيات كتابها أو المتحدثين، أكثر مما تصف الشخصيات التي تحدثوا عنها ممن أصلح وسلف.
ويغفل الطيبون البسطاء عن دور الحي وهو يعرف بالميت، أو وهو يسوق تعريفا بحدث أو شخصية فكرية، أو موقف علمي سابق، فلا يرون كاتب النص الجديد، فإذا تحدث كاتب معاصر أو كتب فعليك أن تميز بين الشخصية الحقيقية وفكرها وسلوكها وبين الكاتب أو المحاضر، فهو غالبا يستخدم العالم القديم، والعصر الحديث ليقدم فكرته هو محمولة على ظهور السابقين، لا أستثني ما أكتبه لك الآن، وإني أنير لك هذه الزاوية لتعلم أن كاتبا جبانا رعديدا لن يقدم لك شجاعة شخص قديم، بل سيبحث عن شخصه هو في الميت فيحيي هذه الجوانب وهو يعيد كتابة التاريخ، وكل من بحث في تراجم العلماء فهو يعيد كتابة التاريخ، بوعي أو بدونه.فكما أن هناك من يهدف فيما يكتب إلى إيقاظ الجانب العملي والدور الفكري الحيوي للعالم، والبحث عن استقلال العالم وحريته، فهناك من يخالفه الرأي ويريد للعالم أن يكون تابعا للمستبد، لا لأن هذا مكان العالم في الإسلام، ولا لأن العالم الماضي كان كذلك؛ ولكن لأنه هو يحيى حياة التبعية فيود لو كان العلماء كلهم عاشوا حياته تلك. وليس له مفر من أن يجعل من شخصيته إسلاما، ومن شركه توحيدا، لا بل كمال التوحيد. ولكن هذه النماذج التائهة قليلة ولله الحمد في ميزان الحق والدين لا وزن لها في التاريخ، وإن تظافرت دول على النفخ فيها، ثم إنها لا تصمد للواقع العلمي ولا العملي المحيط بها، ولكنهم وسيلة دعائية وقتية إذ لكل سلطان متعالموه وسفهاؤه وأتباعه، فلتضرب جرار الطين بعضها ببعض، فأنى لعاقل أن يقدم إعلام السلاطين على الدين؟
الانتقاء
وقد راق لبعضهم أن يجعل من كلمة رويت ولم تصح عن احمد بن حنبل رحمه الله أنه قال: لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان: فاختصروا فكر الإمام أحمد وسيرته في هذه القصة التي لم تصح عنه؛ –وقد حقق هذه المسألة أحد العلماء الكبار المعاصرين وبين عدم صحتها- وقد تركوا معارضته الشديدة وسجنه وتعذيبه والإقامة الجبرية وكأنها لم تكن!! ألا يدرك هؤلاء كم في أسلوبهم هذا من العبث والإعتساف للتاريخ، مما يسبب الشك في مصداقية ما ينقلون من معلومات أو يفتون به أو يروون من روايات. فالذي جعل من مسألة تاريخ الإمام أحمد واستفاضة سيرته مكانا للتحريف والعبث ماذا سوف يصنعون بغير تلك المرحلة؟
ولا يتعصب لإمام فذ في غير حق، بل هو أحق بأن يبين له الحق، ويبين للذين تابعوه ما يقع فيه الشيخ الفاضل من خطأ. فقد كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يسألونه هل ما يقول لهم وحي أم شيء يصنعه لهم "سياسة" فيقول لقد رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة، كما في قصة الأحزاب، وعلى فرض صحة قولهم وروايتهم عن أحمد فاستمع لكلام المقبلي: وقد أنكر على أحمد –بعد الثناء بما هو حقه- موقفه من عالم، وأنكر ثناءه على الحاكم، ثم قال فما خطأه فيها (محمد بن هارون) كمن يقعد في الخلافة خاليا عن صفتها ويعوث في المال والأموال غفر الله لأحمد"
إننا نملك من شواهد مواجهة من علماء السلف للبغي والجور والاستبداد مالا تملكه أمة، ولدينا من حقائق التاريخ وسير العلماء، ما هو كفيل بحشر هؤلاء المرتزقة في زوايا التزوير والعبث، مما يستحقون عليه الإلحاق بالجهلة والعابثين.
إن العجب لا ينتهي من عبث هؤلاء الخلوف بالموروث الإسلامي في جوانبه السياسية خاصة، وقد كان المستشرقون -وللأسف- أعف من بعضهم ألسنة و أحضر عقولا رغم كيدهم للمسلمين، ولربما كان لهم من الذكاء ما يجعل أفكارهم تنطلي على المسلمين، كالمستشرق الذي كتب عن سيرة أحمد. أما الخلوف فقد تجردوا من العقل والنقل، وأوغلوا في طريق من المنافقة بالدين حتى لم يطقهم أحد ممن نافقوه وتقربوا له. ومن المستبدين من يعلم سخف هؤلاء ومتاجرتهم بالدين ويعطيهم ثمن ذلك، ولكن جهل المستبد جعل بعضهم يصدق ما يكذب به عليه عن الدين، فليس من هؤلاء من يدرك كما أدرك الحاكم العباسي وقد دخل عليه كذاب بياع للسنة على باب السلطان فقال للحاكم متزلفا ومبررا وباحثا لطريقة يسوغ بها ويشرع أو يسعى لتأصيل عبث السلطان وقد رآه يسابق بين الحمام فقال : قال صلى الله عليه وسلم "لا سبق إلا في ثلاث خف أو حافر أو جناح" فأضاف "أو جناح" لأجل حمام الأمير فأعطاه السلطان "حلوانه" ثم ذكر السلطان للجالسين كذب هذا المرتزق بالسنة –وليس على الناس فقط ولكن –على الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحا ضمير الأمير وذبح الحمام، ولكن هل سيصحو ضمير الشيخ أم يذهب ليرتزق بحديث يكذبه لآخر!.
وينتقي المتزلفة للطغاة من الدين ما يروقهم، ويبعدون ويؤولون كل نص يخالف شهوة المستبد، وهذا نوع من التحريف الخفي للدين، ولا يعظمون من القرآن إلا: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" ويتجاهلون قول مالك وتفسيره وعقب أحدهم: "مع الغفلة عن المراد بأولي الأمر، وما تقتضيه صيغة الجمع، وما يقتضيه قيد منكم" ثم قال: "وإنما الطامة من تشويش الدين والدنيا على العامة بسبب العلماء المدلسين. ذلك أن الدين إنما يعرف بالعلم والعلم يعرف بالعلماء. " ومن كان دون قضيته أورثها ضعفا ونقصا، فكيف بمن خذلها أو باعها في سوق الغبن؟ فعلى العالم أن يرقى بنفسه ليرتقي لمسؤليته، ويتقي الله في الأمانة التي تحملها.
العصبية القبلية والجغرافية
شاعت في العصور المتأخرة ظاهرة الوطنية بين طلاب العلم والمعرفة، وتلبسوا عللا خفية من القومية والقطرية والإقليمية، وفدت عليهم من التعصب ومن الوثنية الأوروبية التي يتشربون كثيرا من سمومها ولا يعرفونها، وقد ينشأ الإنسان على مسلمات غير صحيحة يغرقه في بحرها طول السواد وقرب الوساد، كما قالت الأعرابية، عرف وتعود وتقوم عليه الولاءات والعداوات. واستمع للمقبلي يلمس قبل أربعة قرون داء شبيها بهذا الداء، " وأما إنك تشرب قلبك حب قوم وكراهة آخرين ثم تأخذ بقية عمرك في تثبيت ذلك البناء، وهو على شفا جرف هار، وتغر نفسك إنك إن أردت الله بذلك وأنت تعلم خلافه لو أنصفت، فهذه إنما هي حمية الجاهلية الأولى إلا أنها غلبت على الناس، وأعون شيء على كشف عوارها لمن غلبه هواه، وقد بقي فيه بقية أن ينظر في أحوال الصحابة رضي الله عنهم، مع أن حجة الله أوضح من أن تخفى، وهذا صراطه المستقيم على كثرة المتنكبين " وهذا الداء العصبي الإقليمي من أكبر هوادم العلم، وطرق الإستخفاف به وبأهله، عندما يكون عصبية، أو مذهبية تتعارض فتسقط حقوقا أكبر منها، فكم من حق رد بشبهة عصبية، وكم من باطل قبل بسبب عصبية.
فالتقوى والإنصاف لا تجتمعان مع عصبية جاهلية، والخصم بالتجربة لا ينصف.
وهذه العصبية مباءة الكبر والجهالة، لأن هذا الجاهل يثق بأن عصبيته ستسمه بالعلم وإن جهل، وبالمنصب يجور فيه وإن صغر عنه، ويتملق به وإن أفحش وأساء. ومنهم من يشارك الحكام في استباحة دماء الناس وحرماتهم، ثم يرون ذلك دينا؟ لأن الحكام قدموهم وهم غير أهل فأخذوا المكانة والأهلية من غيرهم. وتكبروا واعرضوا عن الحق. ألا تذكر شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين يقول: "اللهم إنك تعلم أني شريف فاغفر لي "
الكبر
وهو من العباد وذوي العلم شنيع، ومنقصة لهم، وبعضهم يروج للكبر بأنه مهابة يكسبها العلم والدين، وقد ذكر ابن الجوزي نماذج عديدة لتكبر الصالحين، وذكر غيره مشايخ لا يحضرون المساجد تكبرا أن يختلطوا بالعامة. أو "أنا فلان لا أجلس في أول المسجد وصدر المجلس حيث أجلس!" وهذا يولد في نفس فاعله شخصيتين متنافرتين، المتكبرة المتعنجهة على عامة الناس، ووجهها اللازم الآخر الشخصية الخنوعة الذليلة للسيد الحاكم الذي يبقي لها شيئا من المكانة ويعطيها الجاه.