الرائـــــد
04-08-2003, 08:50 PM
للشيخ / عبد العزيز الجليل .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد:-
فعملاً بواجب النصح لله عز وجل ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ أتوجه ببعض الوصايا إلى المسلمين في كل مكان . والدافع إلى توجيهها ما تمر به الأمة الإسلامية اليوم من محنة عصيبة وخطر داهم من قبل أعداء الملة والمسلمين بقيادة طاغوت العصر المتغطرس أمريكا وحلفاءها، والذين رموا الأمة المسلمة عن قوس واحدة يريدون بها الشر ومزيداً من التفتت والتفرق والنيل من دينها ودعاتها وثرواتها وتغريبها وإقصاء ما بقي فيها من شرائع الدين وشعائره، وهذا تأويل قوله صلى الله عليه وسلم : (يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا : أمن قلة نحن يومئذ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت).
معاشر المسلمين :
لقد اقتضت حكمت الله ـ عز وجل ـ أن يوجد الصراع بين الحق والباطل على هذه الأرض منذ أن أُهبط آدم عليه السلام وإبليس اللعين إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة . وقد جعل الله ـ عز وجل ـ لهذا الصراع والمدافعة سنناً ثابتة لا تتغير ولا تتبدل }فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا {[فاطر:43] . ولا تظهر هذه السنن إلا لمن تدبر كتاب الله عز وجل واهتدى بنوره وهداه )كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)[ص:29]، ومن سنن الله عز وجل في إهلاكه للأمم أو نجاتهم في هذا الصراع؛ ما قصه الله تعالى علينا في كتابه الكريم من إهلاكه للأمم الكافرة وانجائه لأنبيائه وأوليائه الصالحين حيث يلفت الله عز وجل أنظار المؤمنين إلى سننه عز وجل في الإهلاك والإنجاء، بقوله تعالى : } قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين { [آل عمران : 137] . ومن ذلك قوله تعالى بعد أن قص علينا قصص بعض أنبيائه في سورة هود : } فلو لا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم، واتبع الذين ظلموا ما اترفوا فيه وكانوا مجرمين . وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون { ] هود: 116, 117 [وقوله عز وجل : } ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن الله سميع عليم { ]الأنفال : 53 [ .
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى : ( يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه ) ا.هـ . ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أيضا عند هذه الآية : ( فأخبر الله تعالى أنه لا يغير النعمة التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه فيغير طاعة الله بمعصيته, وشكره بكفره وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غَيّر غُّير عليه جزاءً وفاقاً, وما ربك بظلام للعبيد, فإن غيـّر المعصية بالطاعة غيـّر الله العقوبة بالعافية , والذل بالعز وقال تعالى: } إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال { ] الرعد : 11 [ .
... فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، وما حلت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة) . وقد قال تعالى: }وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير{ ] الشورى : 30 [ ) ا.هـ الجواب الكافي ص 105 .
وقال في موطن آخر : ( ومن عقوباتها – أي المعاصي – أنها تزيل النعم الحاضرة , وتقطع النعم الواصلة, فتزيل الحاصل وتمنع الواصل، فإن نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته، ولا استجلب مفقدوها بمثل طاعته , فإن ما عنده لا ينال إلا بطاعته, وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سبباً وآفة, سبباً يجلبه, وآفة تبطله, فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته, وآفتها المانعة منها معصيته، فإذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها, وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها .
ومن العجيب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره, وسماعاً لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه, وهو مقيم على معصية الله, كأنه مستثنى من هذه الجملة أو مخصوص من هذا العموم, وكأن هذا الأمر جار على الناس لا عليه, وواصل إلى الخلق لا إليه . فأي جهل أبلغ من هذا ؟ وأي ظلم للنفس فوق هذا فالحكم لله العلي الكبير) ا.هـ الجواب الكافي ص:145
أيها المسلمون :
إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب إلا طاعته، وسننه سبحانه في المعرضين عن طاعته معروفة ومطردة، قال تعالى : } ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدّكر { القمر : 51، وقال سبحانه : } أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر { القمر : 43، فما أهون الخلق على الله عز وجل إذا بارزوه بالمعصية . عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال : لما فتحت قبرص فٌرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض . فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي، فقلت : يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله ؟ فقال : ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره : بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى .
أيها المسلمون :
إن الأمة تمر بنازلة عظيمة وأيام عصيبة, فهي على ضعفها وذلها ومهانتها، قد سلط الله سبحانه عليها أعدائها من اليهود والصليبيين والمنافقين وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم وطائراتهم وأساطيلهم . فهم من كل حدب ينسلون، وأحاطوا بها إحاطة السوار بالمعصم يريدونها في دينها وثرواتها وتمزيق ما بقي من وحدتها }والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون{ ]يوسف21[ } وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون { ] آل عمران : 117[ .
وإن الناظر إلى هذه الأحداث الجسيمة والنوازل العظيمة التي أحاطت بالمسلمين اليوم لا يستغرب حدوثها ولا يفاجأ بها حينما يعتصم بكتاب الله عز وجل وينطلق من توجيهاته في ضوء سنن الله عز وجل التي لا تتبدل؛ والتي أشرنا إلى بعضها فيما سبق . ويكفي أن ننظر إلى أحوالنا ومدى قربها وبعدها عن الله عز وجل لندرك أن سنة الله عز وجل في من أعرض عن طاعته وأمره قد انعقدت أسبابها علينا، إلا أن يرحمنا الله عز وجل، ويرزقنا التوبة والإنابة والإستكانة والتضرع إليه سبحانه .
يا معشر المسلمين :
إن الخطب جد خطير، وإن عقاب الله عز وجل لا يستدفع إلا بتوبة وإنابة، فالبدار البدار، فإن أسباب العقوبة قد انعقدت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . ولقد رفع الله عز وجل العذاب عن أمة رأت بوادره بتوبتها وإيمانها ورجوعها إلى طاعة الله عز وجل قال الله تعالى: }فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين{ ] يونس: 98 [ .
إن أحوال الأمة وما حل فيه من معاصي الله تعالى ومساخطه لتنذر بالخطر . فلقد ضل كثير من الناس عن أصل هذا الدين وأساسه المتين ألا وهو التوحيد والموالاة والمعاداة فيه، وأصبح الكفرة المحاربون يجوسون خلال الديار وتقدم لهم المعونات والتسهيلات لحرب المسلمين . وضرب الشرك الأكبر من دعاء الأموات والسحر والشعوذة بأطنابه في أكثر بلاد المسلمين، وأبعد شرع الله تعالى وحكمت قوانين البشر, وتساهل كثير من الناس بشأن الصلاة والزكاة وهما أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ووقع بعض المسلمين في عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام، وظلم العباد وفشى الربا الخبيث في معاملات كثيرة بين المسلمين، ووقع بعض المسلمين في تعاطي المسكرات والمخدرات، وكثر الغش في المعاملات، ووجد بين المسؤولين من يتعاطى الرشوة والتي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعي فيها ودافعها وآخذها _ وكثر الفجور في الخصومات والزور في الشهادات، وبعض النساء يتساهلن بالحجاب، ويتبرجن بزينة الثياب، وانتشر الزنا والخبث وكثرة وسائله الخبيثة الماكرة من قنوات ومجلات خليعة تدعوا إلى الفاحشة وتحببها في النفوس وتزينها, وامتلأت بيوت المسلمين من الفضائيات التي تنشر العفن والفساد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . ولما سألت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نعم إذا كثر الخبث ) رواه البخاري، وما أصدق ما قاله ابن القيم رحمه الله تعالى على واقعنا اليوم وهو يصف زمانه، فكيف لو رأى زماننا ؟!! . قال رحمه الله تعالى : (لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربى عليها الصغير، وهرم عليها الكبير . فلم يروها منكراً، فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى والمنكر مقام المعروف والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل، فصارت الغلبة لهذه الأمور . اقشعرت الأرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح . وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه، فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح . وكأنكم بالباب وقد اغلق، وبالرهن وقد غلق، وبالجناح وقد علق (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) الشعراء 227 [الفوائد ص 49 ] .
يتبع >>>>
الإسلام اليوم (http://www.islamtoday.net/questions/show_articles_content.cfm?catid=26&artid=2049)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد:-
فعملاً بواجب النصح لله عز وجل ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ أتوجه ببعض الوصايا إلى المسلمين في كل مكان . والدافع إلى توجيهها ما تمر به الأمة الإسلامية اليوم من محنة عصيبة وخطر داهم من قبل أعداء الملة والمسلمين بقيادة طاغوت العصر المتغطرس أمريكا وحلفاءها، والذين رموا الأمة المسلمة عن قوس واحدة يريدون بها الشر ومزيداً من التفتت والتفرق والنيل من دينها ودعاتها وثرواتها وتغريبها وإقصاء ما بقي فيها من شرائع الدين وشعائره، وهذا تأويل قوله صلى الله عليه وسلم : (يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا : أمن قلة نحن يومئذ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت).
معاشر المسلمين :
لقد اقتضت حكمت الله ـ عز وجل ـ أن يوجد الصراع بين الحق والباطل على هذه الأرض منذ أن أُهبط آدم عليه السلام وإبليس اللعين إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة . وقد جعل الله ـ عز وجل ـ لهذا الصراع والمدافعة سنناً ثابتة لا تتغير ولا تتبدل }فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا {[فاطر:43] . ولا تظهر هذه السنن إلا لمن تدبر كتاب الله عز وجل واهتدى بنوره وهداه )كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)[ص:29]، ومن سنن الله عز وجل في إهلاكه للأمم أو نجاتهم في هذا الصراع؛ ما قصه الله تعالى علينا في كتابه الكريم من إهلاكه للأمم الكافرة وانجائه لأنبيائه وأوليائه الصالحين حيث يلفت الله عز وجل أنظار المؤمنين إلى سننه عز وجل في الإهلاك والإنجاء، بقوله تعالى : } قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين { [آل عمران : 137] . ومن ذلك قوله تعالى بعد أن قص علينا قصص بعض أنبيائه في سورة هود : } فلو لا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم، واتبع الذين ظلموا ما اترفوا فيه وكانوا مجرمين . وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون { ] هود: 116, 117 [وقوله عز وجل : } ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن الله سميع عليم { ]الأنفال : 53 [ .
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى : ( يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه ) ا.هـ . ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أيضا عند هذه الآية : ( فأخبر الله تعالى أنه لا يغير النعمة التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه فيغير طاعة الله بمعصيته, وشكره بكفره وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غَيّر غُّير عليه جزاءً وفاقاً, وما ربك بظلام للعبيد, فإن غيـّر المعصية بالطاعة غيـّر الله العقوبة بالعافية , والذل بالعز وقال تعالى: } إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال { ] الرعد : 11 [ .
... فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، وما حلت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة) . وقد قال تعالى: }وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير{ ] الشورى : 30 [ ) ا.هـ الجواب الكافي ص 105 .
وقال في موطن آخر : ( ومن عقوباتها – أي المعاصي – أنها تزيل النعم الحاضرة , وتقطع النعم الواصلة, فتزيل الحاصل وتمنع الواصل، فإن نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته، ولا استجلب مفقدوها بمثل طاعته , فإن ما عنده لا ينال إلا بطاعته, وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سبباً وآفة, سبباً يجلبه, وآفة تبطله, فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته, وآفتها المانعة منها معصيته، فإذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها, وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها .
ومن العجيب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره, وسماعاً لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه, وهو مقيم على معصية الله, كأنه مستثنى من هذه الجملة أو مخصوص من هذا العموم, وكأن هذا الأمر جار على الناس لا عليه, وواصل إلى الخلق لا إليه . فأي جهل أبلغ من هذا ؟ وأي ظلم للنفس فوق هذا فالحكم لله العلي الكبير) ا.هـ الجواب الكافي ص:145
أيها المسلمون :
إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب إلا طاعته، وسننه سبحانه في المعرضين عن طاعته معروفة ومطردة، قال تعالى : } ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدّكر { القمر : 51، وقال سبحانه : } أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر { القمر : 43، فما أهون الخلق على الله عز وجل إذا بارزوه بالمعصية . عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال : لما فتحت قبرص فٌرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض . فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي، فقلت : يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله ؟ فقال : ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره : بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى .
أيها المسلمون :
إن الأمة تمر بنازلة عظيمة وأيام عصيبة, فهي على ضعفها وذلها ومهانتها، قد سلط الله سبحانه عليها أعدائها من اليهود والصليبيين والمنافقين وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم وطائراتهم وأساطيلهم . فهم من كل حدب ينسلون، وأحاطوا بها إحاطة السوار بالمعصم يريدونها في دينها وثرواتها وتمزيق ما بقي من وحدتها }والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون{ ]يوسف21[ } وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون { ] آل عمران : 117[ .
وإن الناظر إلى هذه الأحداث الجسيمة والنوازل العظيمة التي أحاطت بالمسلمين اليوم لا يستغرب حدوثها ولا يفاجأ بها حينما يعتصم بكتاب الله عز وجل وينطلق من توجيهاته في ضوء سنن الله عز وجل التي لا تتبدل؛ والتي أشرنا إلى بعضها فيما سبق . ويكفي أن ننظر إلى أحوالنا ومدى قربها وبعدها عن الله عز وجل لندرك أن سنة الله عز وجل في من أعرض عن طاعته وأمره قد انعقدت أسبابها علينا، إلا أن يرحمنا الله عز وجل، ويرزقنا التوبة والإنابة والإستكانة والتضرع إليه سبحانه .
يا معشر المسلمين :
إن الخطب جد خطير، وإن عقاب الله عز وجل لا يستدفع إلا بتوبة وإنابة، فالبدار البدار، فإن أسباب العقوبة قد انعقدت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . ولقد رفع الله عز وجل العذاب عن أمة رأت بوادره بتوبتها وإيمانها ورجوعها إلى طاعة الله عز وجل قال الله تعالى: }فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين{ ] يونس: 98 [ .
إن أحوال الأمة وما حل فيه من معاصي الله تعالى ومساخطه لتنذر بالخطر . فلقد ضل كثير من الناس عن أصل هذا الدين وأساسه المتين ألا وهو التوحيد والموالاة والمعاداة فيه، وأصبح الكفرة المحاربون يجوسون خلال الديار وتقدم لهم المعونات والتسهيلات لحرب المسلمين . وضرب الشرك الأكبر من دعاء الأموات والسحر والشعوذة بأطنابه في أكثر بلاد المسلمين، وأبعد شرع الله تعالى وحكمت قوانين البشر, وتساهل كثير من الناس بشأن الصلاة والزكاة وهما أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ووقع بعض المسلمين في عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام، وظلم العباد وفشى الربا الخبيث في معاملات كثيرة بين المسلمين، ووقع بعض المسلمين في تعاطي المسكرات والمخدرات، وكثر الغش في المعاملات، ووجد بين المسؤولين من يتعاطى الرشوة والتي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعي فيها ودافعها وآخذها _ وكثر الفجور في الخصومات والزور في الشهادات، وبعض النساء يتساهلن بالحجاب، ويتبرجن بزينة الثياب، وانتشر الزنا والخبث وكثرة وسائله الخبيثة الماكرة من قنوات ومجلات خليعة تدعوا إلى الفاحشة وتحببها في النفوس وتزينها, وامتلأت بيوت المسلمين من الفضائيات التي تنشر العفن والفساد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . ولما سألت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نعم إذا كثر الخبث ) رواه البخاري، وما أصدق ما قاله ابن القيم رحمه الله تعالى على واقعنا اليوم وهو يصف زمانه، فكيف لو رأى زماننا ؟!! . قال رحمه الله تعالى : (لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربى عليها الصغير، وهرم عليها الكبير . فلم يروها منكراً، فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى والمنكر مقام المعروف والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل، فصارت الغلبة لهذه الأمور . اقشعرت الأرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح . وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه، فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح . وكأنكم بالباب وقد اغلق، وبالرهن وقد غلق، وبالجناح وقد علق (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) الشعراء 227 [الفوائد ص 49 ] .
يتبع >>>>
الإسلام اليوم (http://www.islamtoday.net/questions/show_articles_content.cfm?catid=26&artid=2049)