المربي
08-03-2003, 02:36 AM
روح الفريق والمبادرات الذاتية
محمد محمد بدري - مجلة البيان
يشكل الأفراد العنصر الأول في بناء كل أمة، وتوفر الصلات بين هؤلاء الأفراد الشرط الأول لقيام هذه الأمة برسالتها وتقديمها لعطائها الحضاري.. فروح الفريق هي الدعامة الأساسية في حمل رسالة الأمة، والعمل الجماعي مــن أهم ضمانات النجاح وتحقيق الأهداف، ذلك أن العمل الجماعي يضيف كل فرد في الأمــة إلى غيره إضافة كيفية لا كمية، وروح الفريق توحد الأفكار والممارسات العملية من أجل تحقيق رسالة الأمة.. ومن هنا كانت الأمة التي تسير خطوات أفرادها بروح الفريق ويسود أعمالـهـم التعاون والتكامل، هي الأمة الجديرة بالريادة البشرية.
ولقد ربى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرعيل الأول من المسلمين على روح الجماعة وذكرهم بالمسؤولية الجماعية عن أمر هذا الدين، فكان وصفه -صلى الله عليه وسلم- لدين الإسلام بالسفينة السائرة في البحر، يحاول المفسدون خرقها وإغراق أهلها، وكانت وصيته للمسلمين جميعاً بأن طريق نجاتهم إنما هو الأخذ عـلــى أيـــدي المفسدين كما في صحيح البخاري، قال -صلى الله عليه وسلم- »مثل القائم على حـــدود والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فـكــان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً«(1).
وإذن فالمسؤولية عن هذا الدين هي مسؤولية »أمة« المسلمين في مواجهة »أمة« الكافرين، وكما أن الكفار لا يمارسون كفرهم وإفسادهم فرادى، وإنما يوالي بعضهم بعضاً، فكذلك يجب أن يمارس المسلمون إسلامهم مجتمعين وأن يواجهوا الكفر بـ »الأمة« المتعاونة المتناصرة، ويوقنوا أنه إذا لم تقم »أمة« الإيمان بهذا الواجب، فسوف تتولى »أمة« الكفر قــــيادة البـشـرية، وإذا حـــدث ذلك كان الفساد الكبير، في ميادين السياسة، في ميادين الاجتماع، في مـيـاديــن الأخلاق، وشيوع التحلل والفواحش.. وغير ذلك..
ومـن هـنـــا فإن المسلمين في أمس الحاجة إلى من يعيدهم إلى العمل بروح »الأمة« وقيم »الولاء« للفكرة الإســلامـية، والبعد عن العصبيات والأطر الحزبية التي هي في حقيقة أمرها »مقابر« تدفن فيها »أشلاء« الأمة الإسلامية بعد أن قتلتها الفرقة.
ولا شك أن عودة المسلمين إلى روح الأمة، وهجرهم للأطر الحزبية يحتاج إلى شجاعة في فك الارتباط القائم بين العمل الإسلامي وبين الأطر الحزبية وبالتالي تَقَبُل العمل الإسلامي للاستراتيجية الصائبة التي توصله إلى أهدافه، سواء أكانت هذه الاستراتيجية منبعثة من داخله أو من خارجه!!
ولكي يتحقق هذا الـهــدف الأكـبــر، ويـصــل العمل الإسلامي المعاصر إلى ذلك. المستوى السامق، لابد للتربية الإسلامية من تنمية الصفات التي تحقق التفاعل بين أفراد الأمة مثل صفة الأخوة، والشورى، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والعطاء المتبادل والقدرة على تكوين تجمعات حضارية يكون الولاء فيها للأمـــــة الإسلامية، قبل أن يكون للتجمع أو الحزب؟!
ولا شك أن تنمية هذه الصفات تحتاج إلى برامج تربـويــــة تركز على الائتلاف والعمل الجماعي، وتنهي العزلة عن المجتمع، وتربي الأفراد علـى أســــاس من الحرية ضمن النظام، والمبادرة مع الانضباط، والتنفيذ وليس الجدل وتفجير الطــاقـــات وليس تبرير العجز، وروح الفريق وليس روح القطيع.
إن التربية »المطلوبة لتنشئة المسلمين عموماً - فضلاً عن الجيل الذي يـقـــــع عليه عبء المواجهة الأولى مع الجاهلية، ينبغي أن توازن بين الروح الفردية والروح الجماعية عند أفراد الجماعة، فلا تحيلهم أصفاراً عن طريق تنمية الروح الجماعية على حساب الروح الفردية، ولا تنمي فيهم الفردية الجانحة فيعتز كل منهم بفكره وذاته وبتقييمه الخاص للأمور، فلا تأتلف منهم جماعة، ولا يلتئم لهم تجمع له وزن«(2).
ولكي يحقق العمل الإسلامي المعاصر ذلك التوازن بين الروح الجماعية وبـيـــن الـــروح الفردية، لابد له من توفير المناخ الذي يساعد على تنمية شخصية الأفراد مع اخـتـيـار أساليب العمل التي تتيح أقل قدر من السلطة، وأكبر قدر من المبادرات الذاتية، والحرص في ذات الوقت على ترسيخ مبدأ الشورى بين العاملين للإسلام وتبادل الأراء فيما بينهم حول الأمور التي فيها صلاح حال الأمة.
ولا شـــك أن هذا يستلزم أن يتحول العمل الإسلامي من أسلوب المركزية في اتخاذ القرار وتطبيقه ومراقبة تنفيذه!! إلى أسلوب المشاركة التي يتسع نطاقها، رغم المخاطرة بالوقوع في الخطأ؟! ذلك أن هذا الأسلوب في العمل هو الطريق إلى تنمية الطاقات، وتحرر الأفراد من التقوقع داخل أفكار وتصورات القادة، إلى الشعور بحرية التحرك والعمل، مما يزيد من حماستهم للعمل والعطاء لإحساس كل منهم أن له وظيفة مستقلة تتناسب مع كفاءاته وقدراته.
وإذا كـــــان أسلوب المشاركة الواسعة من الأفراد يحقق لهم تنمية الشخصية واستقلالية القرار، فإن الصلات التعاونية بينهم تؤدي إلى نمو روح الود، وتُيسر تقبل كل فرد منهم أراء إخوانه.. فتكون النتيجة هي ازدياد التفاعل بين أفراد الجماعة وتكامل جهودهم في سبيل حمل رسالتهم التاريخية، والخروج بأمتهم من أزمتها.
إن الجـمـاعـــة والتنظيم في الإسلام يعني »التعاون« و »العلمية«.. أي تعاون الجهود في خــطـة يضعها العلم، فجوهر الجماعة وحقيقة التنظيم إنما هو التعاون بين المسلمين، والتكامل بين نشاطاتهم في اتجاه التمكين لشريعة الله، وإقامة دولة الإسلام، وإحياء الأمة الإسلامية.
ومن هنا وجب أن يكون تخطيطنا الإسلامي »أسلوب عمل جماعي يأخذ بالأسـباب لمواجهة توقعات المستقـبـل، ويعتمد على منهاجنا الفكري العقدي الذي يؤمن بالقدر ويــتـوكل على الله، ويسعى لتحقيق هدف شرعي هو عبادة الله وحده لا شريك له.
ولأن التخطيط الإسلامي أسلوب عمل جماعي فلابد أن يستوعب جهد كل أفراد المجتمع، ويهتم بتحقـيـــق الترابط الاجتماعي بــيـن أفراده، عبر إيجاد رابطة الأخوة بين المسلمين والاهتمام بالروابـــط الأسرية وعلاقـــات الجوار«(3) بحيث تتحول علاقة المسلمين ببعضهم بعضاً إلى شعور حي يـتـفــــاعل مـــع مشاكل الآخرين وحاجاتهم، كما يتفاعل مع قضاياه الفردية.
ولأن التخطيط الإسلامي أســلـوب عمل جماعي فلابد أن يقوم على مبدأ الشورى ويصطبغ بصبغته كما أمر الله عــــز وجـــــل ((وشاورهم في الأمر))[آل عمران:159] ولابد أن تكون الشورى هي صفة الـصـــف الإسلامــــي كـمــا أخبر الله سبحانه ((وأمرهم شورى بينهم)) [الشورى:38] ولابـــد أن يتعلم الـفـرد المسلم أن يبحث دائماً عمن يستشيره من أهل العلم والخبرة، وأهــــل الإخــلاص والتقوى.. فيمزج فكره وتجربته مع ما يمكن أن يستفيده من أفكار وتجارب الآخرين، لكي يكون عمله على ضوء من رؤية مستوعبة، وبصيرة نافذة.
ولأن التخطيط الإسلامي أسلوب عمل جماعي، فلابد فيه من التأكيد على إيجاد »التشجيع المتبادل« والنهي عن »التثبيط« ذلك أن »كـلـمـة التشجيع تلعب دوراً هاماً في دفع عجلة العمل إلى الأمام، بينما تــعــــوق كلمات التثبيط العمل القائم - إن لم توقفه تماماً - ومن هنا فإن واجـب الـقـائـمـيـن على العمل الإسلامي أن يبتعدوا عن الأقوال المثبطة مثل: ماذا يفيدنا هذا؟، أو لن نستطيع أن نـعـمل شيئاً..، وأن يعملوا بروح إيجابية وهم على يقين أن هنالك دائماً ما يمكن عمله، وأن كل عمل مفيد«(4)
إن الحياة الإسلامية حياة جماعية يسودها التعاون والتكامل، ويخرج فيها الفرد من دائرة التمحور حول الذات إلى الانفتاح على الآخرين.. ومن الاتجاه إلى الهموم الفردية إلى حمل هموم الأمة.. ولذلك فإن تجمعات الأفراد الـذيــــن لا تقوم بينهم صلات الأخوة والتعاون والتكامل، لا تستحق وصف "المجتمع المسلم« و »الأمة الحية« بل إن أول صفات الأمة الميتة هي »تعطل روح الجماعة والعمل الجماعي، وتوقف تبادل الخبرات والمشورة.. وذلك يُنتج في واقع الأمة ظواهر التعصب للرأي، والعجب والكبر والتعالم وإملاء الرأي وفرضه على الآخرين ويكون من نتائج ذلك بروز مجتمع الكراهية، وفقدان الثقة وشيوع الحسد وانعدام الـتـعاون والوحدة، وتفرق الكلمة، والتستر علي الأخطاء، والعيوب، ورفض النقد الذاتي، وتـبـرير الهزائم والنكسات والأزمات، وبالجملة: تحطــم روح الجماعة والعمل الجماعي، وإغــلاق قنوات الاتصال والتفاهم فلا تحل المشكلات إلا بالخصومة والفتن والتآمر والقـتـل ولعل هذا المصير ما يشير إليه تعالى ((قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض)) [الأنعام:65].
إننا نشكو في عملنا الإسلامي من بعض الأخطاء، هذه حقيقة، ولكننا إذا بحثنا عن سـبـب هذه الأخطاء سنجد أن وزرها جميعها يرجع إلينا نـحـــن.. إلى »الجراثيم« التي نحمـلـها في كياننا فتمنع من العمل الجماعي وروح الفريق.. جراثيم الشح المطاع والهوى المتبع، والدنيا المؤثرة، واعجاب كثير منا برأيه!!
إن أخطاء عملنا الإسلامي المعاصر ستبقى طالما بقينا عاجزين عن تصفية وتجديد كياناتنا وفقاً لتوجيهات الإسلام التي تجعل التعاون والروابط القوية بين الأفراد هي أساس تحقيق الأهداف.. قال الله عز وجل ((لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم)) [الأنفال:من الآية63] فالفرد المنعزل لا يستطيع أن يرسل الخير إلى غيره، بل لابد أن يكون عمله في صورة »فريق عمل« يؤدي نشاطاً مشتركاً ويتحرك بتوازن دقيق بين الروح الفردية والروح الجماعية فيكون عمله في إطار من »الفرد للمجموع والمجموع للفرد« وتقوم استراتيجيته على أساس من »روح الفريق والمبادرات الذاتية«.
ولا تستطيع أمة من الأمم أن تحقق أقصى الفعالية في الداخل والخارج إلا إذا كان النظام الجماعي هو الذي يُسَير خطوات أفرادها، ومن هنا فإن الـواجــــب الأول لجميع فصائل العمل الإسلامي المعاصر هو بداية مسيرة التعاون من أجل بناء الأمة الإسلامية القوية التي تستطيع مواجهة كل أعدائها وحمل رسالتها الحضارية إلى كل الـبشـــرية.. تلك الرسالة التي لا يمكن أن يحملها فرد أو مجموعة أفراد، إنما تحملها مجموعات متعاونة تعمل وفق خطة تكاملية مدروسة تقوم على أساس من »روح الفريق والمبادرات الذاتية«.
الهوامش:
(1) أخرجه البخاري. كتاب الشركة ح/6، والترمذي كتاب الفتن ح/12.
(2) محمد قطب - واقعنا المعاصر ص 477.
(3) د. فرناس عبد الباسط البنا - التخطيط ص 85،93.
(4) ج. كورتوا - لمحات في فن القيادة ص 34 بتصرف.
محمد محمد بدري - مجلة البيان
يشكل الأفراد العنصر الأول في بناء كل أمة، وتوفر الصلات بين هؤلاء الأفراد الشرط الأول لقيام هذه الأمة برسالتها وتقديمها لعطائها الحضاري.. فروح الفريق هي الدعامة الأساسية في حمل رسالة الأمة، والعمل الجماعي مــن أهم ضمانات النجاح وتحقيق الأهداف، ذلك أن العمل الجماعي يضيف كل فرد في الأمــة إلى غيره إضافة كيفية لا كمية، وروح الفريق توحد الأفكار والممارسات العملية من أجل تحقيق رسالة الأمة.. ومن هنا كانت الأمة التي تسير خطوات أفرادها بروح الفريق ويسود أعمالـهـم التعاون والتكامل، هي الأمة الجديرة بالريادة البشرية.
ولقد ربى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرعيل الأول من المسلمين على روح الجماعة وذكرهم بالمسؤولية الجماعية عن أمر هذا الدين، فكان وصفه -صلى الله عليه وسلم- لدين الإسلام بالسفينة السائرة في البحر، يحاول المفسدون خرقها وإغراق أهلها، وكانت وصيته للمسلمين جميعاً بأن طريق نجاتهم إنما هو الأخذ عـلــى أيـــدي المفسدين كما في صحيح البخاري، قال -صلى الله عليه وسلم- »مثل القائم على حـــدود والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فـكــان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً«(1).
وإذن فالمسؤولية عن هذا الدين هي مسؤولية »أمة« المسلمين في مواجهة »أمة« الكافرين، وكما أن الكفار لا يمارسون كفرهم وإفسادهم فرادى، وإنما يوالي بعضهم بعضاً، فكذلك يجب أن يمارس المسلمون إسلامهم مجتمعين وأن يواجهوا الكفر بـ »الأمة« المتعاونة المتناصرة، ويوقنوا أنه إذا لم تقم »أمة« الإيمان بهذا الواجب، فسوف تتولى »أمة« الكفر قــــيادة البـشـرية، وإذا حـــدث ذلك كان الفساد الكبير، في ميادين السياسة، في ميادين الاجتماع، في مـيـاديــن الأخلاق، وشيوع التحلل والفواحش.. وغير ذلك..
ومـن هـنـــا فإن المسلمين في أمس الحاجة إلى من يعيدهم إلى العمل بروح »الأمة« وقيم »الولاء« للفكرة الإســلامـية، والبعد عن العصبيات والأطر الحزبية التي هي في حقيقة أمرها »مقابر« تدفن فيها »أشلاء« الأمة الإسلامية بعد أن قتلتها الفرقة.
ولا شك أن عودة المسلمين إلى روح الأمة، وهجرهم للأطر الحزبية يحتاج إلى شجاعة في فك الارتباط القائم بين العمل الإسلامي وبين الأطر الحزبية وبالتالي تَقَبُل العمل الإسلامي للاستراتيجية الصائبة التي توصله إلى أهدافه، سواء أكانت هذه الاستراتيجية منبعثة من داخله أو من خارجه!!
ولكي يتحقق هذا الـهــدف الأكـبــر، ويـصــل العمل الإسلامي المعاصر إلى ذلك. المستوى السامق، لابد للتربية الإسلامية من تنمية الصفات التي تحقق التفاعل بين أفراد الأمة مثل صفة الأخوة، والشورى، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والعطاء المتبادل والقدرة على تكوين تجمعات حضارية يكون الولاء فيها للأمـــــة الإسلامية، قبل أن يكون للتجمع أو الحزب؟!
ولا شك أن تنمية هذه الصفات تحتاج إلى برامج تربـويــــة تركز على الائتلاف والعمل الجماعي، وتنهي العزلة عن المجتمع، وتربي الأفراد علـى أســــاس من الحرية ضمن النظام، والمبادرة مع الانضباط، والتنفيذ وليس الجدل وتفجير الطــاقـــات وليس تبرير العجز، وروح الفريق وليس روح القطيع.
إن التربية »المطلوبة لتنشئة المسلمين عموماً - فضلاً عن الجيل الذي يـقـــــع عليه عبء المواجهة الأولى مع الجاهلية، ينبغي أن توازن بين الروح الفردية والروح الجماعية عند أفراد الجماعة، فلا تحيلهم أصفاراً عن طريق تنمية الروح الجماعية على حساب الروح الفردية، ولا تنمي فيهم الفردية الجانحة فيعتز كل منهم بفكره وذاته وبتقييمه الخاص للأمور، فلا تأتلف منهم جماعة، ولا يلتئم لهم تجمع له وزن«(2).
ولكي يحقق العمل الإسلامي المعاصر ذلك التوازن بين الروح الجماعية وبـيـــن الـــروح الفردية، لابد له من توفير المناخ الذي يساعد على تنمية شخصية الأفراد مع اخـتـيـار أساليب العمل التي تتيح أقل قدر من السلطة، وأكبر قدر من المبادرات الذاتية، والحرص في ذات الوقت على ترسيخ مبدأ الشورى بين العاملين للإسلام وتبادل الأراء فيما بينهم حول الأمور التي فيها صلاح حال الأمة.
ولا شـــك أن هذا يستلزم أن يتحول العمل الإسلامي من أسلوب المركزية في اتخاذ القرار وتطبيقه ومراقبة تنفيذه!! إلى أسلوب المشاركة التي يتسع نطاقها، رغم المخاطرة بالوقوع في الخطأ؟! ذلك أن هذا الأسلوب في العمل هو الطريق إلى تنمية الطاقات، وتحرر الأفراد من التقوقع داخل أفكار وتصورات القادة، إلى الشعور بحرية التحرك والعمل، مما يزيد من حماستهم للعمل والعطاء لإحساس كل منهم أن له وظيفة مستقلة تتناسب مع كفاءاته وقدراته.
وإذا كـــــان أسلوب المشاركة الواسعة من الأفراد يحقق لهم تنمية الشخصية واستقلالية القرار، فإن الصلات التعاونية بينهم تؤدي إلى نمو روح الود، وتُيسر تقبل كل فرد منهم أراء إخوانه.. فتكون النتيجة هي ازدياد التفاعل بين أفراد الجماعة وتكامل جهودهم في سبيل حمل رسالتهم التاريخية، والخروج بأمتهم من أزمتها.
إن الجـمـاعـــة والتنظيم في الإسلام يعني »التعاون« و »العلمية«.. أي تعاون الجهود في خــطـة يضعها العلم، فجوهر الجماعة وحقيقة التنظيم إنما هو التعاون بين المسلمين، والتكامل بين نشاطاتهم في اتجاه التمكين لشريعة الله، وإقامة دولة الإسلام، وإحياء الأمة الإسلامية.
ومن هنا وجب أن يكون تخطيطنا الإسلامي »أسلوب عمل جماعي يأخذ بالأسـباب لمواجهة توقعات المستقـبـل، ويعتمد على منهاجنا الفكري العقدي الذي يؤمن بالقدر ويــتـوكل على الله، ويسعى لتحقيق هدف شرعي هو عبادة الله وحده لا شريك له.
ولأن التخطيط الإسلامي أسلوب عمل جماعي فلابد أن يستوعب جهد كل أفراد المجتمع، ويهتم بتحقـيـــق الترابط الاجتماعي بــيـن أفراده، عبر إيجاد رابطة الأخوة بين المسلمين والاهتمام بالروابـــط الأسرية وعلاقـــات الجوار«(3) بحيث تتحول علاقة المسلمين ببعضهم بعضاً إلى شعور حي يـتـفــــاعل مـــع مشاكل الآخرين وحاجاتهم، كما يتفاعل مع قضاياه الفردية.
ولأن التخطيط الإسلامي أســلـوب عمل جماعي فلابد أن يقوم على مبدأ الشورى ويصطبغ بصبغته كما أمر الله عــــز وجـــــل ((وشاورهم في الأمر))[آل عمران:159] ولابد أن تكون الشورى هي صفة الـصـــف الإسلامــــي كـمــا أخبر الله سبحانه ((وأمرهم شورى بينهم)) [الشورى:38] ولابـــد أن يتعلم الـفـرد المسلم أن يبحث دائماً عمن يستشيره من أهل العلم والخبرة، وأهــــل الإخــلاص والتقوى.. فيمزج فكره وتجربته مع ما يمكن أن يستفيده من أفكار وتجارب الآخرين، لكي يكون عمله على ضوء من رؤية مستوعبة، وبصيرة نافذة.
ولأن التخطيط الإسلامي أسلوب عمل جماعي، فلابد فيه من التأكيد على إيجاد »التشجيع المتبادل« والنهي عن »التثبيط« ذلك أن »كـلـمـة التشجيع تلعب دوراً هاماً في دفع عجلة العمل إلى الأمام، بينما تــعــــوق كلمات التثبيط العمل القائم - إن لم توقفه تماماً - ومن هنا فإن واجـب الـقـائـمـيـن على العمل الإسلامي أن يبتعدوا عن الأقوال المثبطة مثل: ماذا يفيدنا هذا؟، أو لن نستطيع أن نـعـمل شيئاً..، وأن يعملوا بروح إيجابية وهم على يقين أن هنالك دائماً ما يمكن عمله، وأن كل عمل مفيد«(4)
إن الحياة الإسلامية حياة جماعية يسودها التعاون والتكامل، ويخرج فيها الفرد من دائرة التمحور حول الذات إلى الانفتاح على الآخرين.. ومن الاتجاه إلى الهموم الفردية إلى حمل هموم الأمة.. ولذلك فإن تجمعات الأفراد الـذيــــن لا تقوم بينهم صلات الأخوة والتعاون والتكامل، لا تستحق وصف "المجتمع المسلم« و »الأمة الحية« بل إن أول صفات الأمة الميتة هي »تعطل روح الجماعة والعمل الجماعي، وتوقف تبادل الخبرات والمشورة.. وذلك يُنتج في واقع الأمة ظواهر التعصب للرأي، والعجب والكبر والتعالم وإملاء الرأي وفرضه على الآخرين ويكون من نتائج ذلك بروز مجتمع الكراهية، وفقدان الثقة وشيوع الحسد وانعدام الـتـعاون والوحدة، وتفرق الكلمة، والتستر علي الأخطاء، والعيوب، ورفض النقد الذاتي، وتـبـرير الهزائم والنكسات والأزمات، وبالجملة: تحطــم روح الجماعة والعمل الجماعي، وإغــلاق قنوات الاتصال والتفاهم فلا تحل المشكلات إلا بالخصومة والفتن والتآمر والقـتـل ولعل هذا المصير ما يشير إليه تعالى ((قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض)) [الأنعام:65].
إننا نشكو في عملنا الإسلامي من بعض الأخطاء، هذه حقيقة، ولكننا إذا بحثنا عن سـبـب هذه الأخطاء سنجد أن وزرها جميعها يرجع إلينا نـحـــن.. إلى »الجراثيم« التي نحمـلـها في كياننا فتمنع من العمل الجماعي وروح الفريق.. جراثيم الشح المطاع والهوى المتبع، والدنيا المؤثرة، واعجاب كثير منا برأيه!!
إن أخطاء عملنا الإسلامي المعاصر ستبقى طالما بقينا عاجزين عن تصفية وتجديد كياناتنا وفقاً لتوجيهات الإسلام التي تجعل التعاون والروابط القوية بين الأفراد هي أساس تحقيق الأهداف.. قال الله عز وجل ((لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم)) [الأنفال:من الآية63] فالفرد المنعزل لا يستطيع أن يرسل الخير إلى غيره، بل لابد أن يكون عمله في صورة »فريق عمل« يؤدي نشاطاً مشتركاً ويتحرك بتوازن دقيق بين الروح الفردية والروح الجماعية فيكون عمله في إطار من »الفرد للمجموع والمجموع للفرد« وتقوم استراتيجيته على أساس من »روح الفريق والمبادرات الذاتية«.
ولا تستطيع أمة من الأمم أن تحقق أقصى الفعالية في الداخل والخارج إلا إذا كان النظام الجماعي هو الذي يُسَير خطوات أفرادها، ومن هنا فإن الـواجــــب الأول لجميع فصائل العمل الإسلامي المعاصر هو بداية مسيرة التعاون من أجل بناء الأمة الإسلامية القوية التي تستطيع مواجهة كل أعدائها وحمل رسالتها الحضارية إلى كل الـبشـــرية.. تلك الرسالة التي لا يمكن أن يحملها فرد أو مجموعة أفراد، إنما تحملها مجموعات متعاونة تعمل وفق خطة تكاملية مدروسة تقوم على أساس من »روح الفريق والمبادرات الذاتية«.
الهوامش:
(1) أخرجه البخاري. كتاب الشركة ح/6، والترمذي كتاب الفتن ح/12.
(2) محمد قطب - واقعنا المعاصر ص 477.
(3) د. فرناس عبد الباسط البنا - التخطيط ص 85،93.
(4) ج. كورتوا - لمحات في فن القيادة ص 34 بتصرف.