المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عُرْسُ المُوَحِّدِيْن


ذو المـعـالي
07-16-2003, 12:55 PM
لا يخلو أحدنا من نشوةٍ تأتي عليه فتُغْدِقَه شراباً يُطْفِيءُ ضمأةَ حزنه بعذبِ إفراحه ، و لا يخلو _ أيضاً _ من ساعةٍ يطرَبُ فيها فؤاده بلذةٍ عجلى .

هذا في أمور الحياة و ما جرْياتها ، و في أحوال عامة الناس و سائرهم ، و لا يُستثنى من أولئك أحد إلا مجنون اختل نظام العقل فيه ، فلا يعرف الحزَنَ و لا يدرك الفرح .

و تلك من أنعام الإله التي يرُبُّها علينا ، و يتخوَّلنا بها في الغدو و الآصال ، فله _ سبحانه الشكر و الحمد _ .

إلا أن أعظم الإفراح ، و أسنى الإبهاج ما يعتري باطن النفس و خَفِيَّها ، و يتعرضُ له جوف القلب و داخله ، تلك هي فرحةُ الفؤاد ، و أنسُ النفس ، و بهجة الروح .

و قد كان لله _ تعالى _ منةٌ أن أضاف إلى أحوال عباده ما يُتِمُّ لهم به فرحهم ، و يكملُ به عليهم تمام أنسهم ، فكانت أعمال و أحوال بها يصفُ القوم ما هم به من تلك اللذائذ .

فكان الأمر بين عباد الله المصطفيْن الأخيار ، و أوليائه الأبرار التنافس في درْك تِمِّ الأعمال و الطاعات ، و السباق في حلقةِ اللحاق .

لكنهم أجمعوا أمرهم ، و كلٌّ بما لديهم فرحون ، على أن خير أعراس أفئدتهم ، و أنفس أفراحهم تلك الحركات القلائل ، و الكلمات القليلات في الخلوة بالحبيب المجيب .

نعم ؛ لم يكن منهم أن يقفوا إلى ملاهم متضرعين في ظلمة ، مخبتين في جلوة ، متذللين في خلوة إلا لأن نفوسهم أنِسَتْ من مولاها ما بذاك أولاها ، فهتف بروحهم هاتف النداء الحق ( و جعلت قرة عيني ) ، فتاقت الأرواح إلى تلك حتى تجرأت فاعتدت و قالت : لو علم الملوك و أبناء الملوك .

كيف بك و أنت تقرأ في سيَرهم و أخبارهم فترى عجباً ، تجزمُ من خلاله أن الأمر خيال ، فيأتيك ميثاق الإسناد فيرفع مجزومك .

عجباً و ربي ، أكلُّ هذا و هم بالعلرس آنسون ، و بالفرح متيَّمون ؟! .

آهٍ على تلك الأنفس التي ما فتأت تخادع قلوبنا بحقائق أفعالها ، و على تلك الأرواح التي لم تلبث أن اتخذت من صنائعها سيفاً مصلتاً تقصم به أظْهَرَ مُسَلَّماتنا .

لكن ، إذا كان الأمر فرحٌ و عرسٌ فلا لوم ، فكل ذي لذة بملذوذه لاهٍ ، و بمتعته ساهٍ ، فحُقَّ لهم أن تكون حياتهم ما بين عدد من الإفراح في اليوم ، و إليك غرائبَ أفراحهم :

جمعٌ منهم عرَّسَ ( 1000 ) مرةٍ في ليلةٍ .
و منهم ( 300 ) مرة .
و منهم ما بين ذلك قلةً و كثرةً .

و هذا كله ليس من قبيل الخيال الواسع ، و لا الزيف المخادع ، و إنما هو حقيقةٌ ظاهرة لا يقبلها إلا من لحظَ حالَهم بلَحْظِ التوفيق من الله ، و عرف أن الأمر فيه سر خصَّهم الله به لما خصوه بخالصة القلب .

لكن هل ذاك العرس أُتِيَ به على نقصٍ أم على إتمام ؟

لو رأينا حرصهم على إتمام أحوالهم ، و اتصافهم بأوصاف الكاملين لعلمنا أنهم لم يأتوا بأعراسهم على وجهٍ فيه نقصٌ ، و لا على سابلةٍ فيها خلل ، و إنما الشأن كمال و إتمام .

و أخبارهم تشهد بذلك .

و بعد هذا :

أليسَ لنا من ذيَّاك العرسِ نصيبٌ ، نمتع به نفوسنا ، و نبهج أرواحنا ، و نفرح قلوبنا ؟!

بلى .

إذاً :
فكيف ذلك ؟
بأمورٍ كثيرات ، منها :

الصدق مع الله .
رجاء ما عند الله .
الشعور بالنقص في حق الله .
استشعار التقصير في العمل .
خوف سوء السابقة و سوء الخاتمة .
الخلوة بالله .

و غير ذلك كثيرٌ كثيرٌ كثيرٌ .



قال الحكيم الترمذي _ رحمه الله _ :
دعا الموحدين إلى هذه الصلوات الخمس ، رحمةً منه عليهم ، فهيَّأ لهم فيها ألوان الضيافات ، لينالَ العبدُ من كل قول و فعلٍ شيئاً من عطاياه .
فالأفعال كالأطعمة ، و الأقوال كالأشربة .
وهي :

عُرْسُ المُوَحدِيْن .

أبو مصعب المكي
07-16-2003, 04:46 PM
أليسَ لنا من ذيَّاك العرسِ نصيبٌ ، نمتع به نفوسنا ، و نبهج أرواحنا ، و نفرح قلوبنا ؟!

بلى .

إذاً :
فكيف ذلك ؟
بأمورٍ كثيرات ، منها :

الصدق مع الله .
رجاء ما عند الله .
الشعور بالنقص في حق الله .
استشعار التقصير في العمل .
خوف سوء السابقة و سوء الخاتمة .
الخلوة بالله .


بارك الله فيكم وفي علمكم ونفع الله بكم أيها الشيخ الفاضل ..

لفتة رائعة لقضية ماسه فكم نحن بحاجة إلى الإلتفات لأنفسنا وتزكيتها


جزاك ربي الجنة ولا حرمنا مشاركاتكم الجميلة



:)

التبيان . كوم
07-17-2003, 01:49 AM
عُرْسُ المُوَحدِيْن


بارك الله فيك

وفي علمك


وزادك الله علماً


جزاك الله خير

ذو المـعـالي
07-17-2003, 03:59 AM
الكريم : محب العلماء .

جزاك الله خيراً على هذه الإطلالة المباركة ، و إنها لحقٌ لفتةٌ وجهنا إليها صنيع الأسبقين ، و لكن هل لتلك اللفتة من أثرٍ في الواقع ؟! .

أترك الجوابَ لكلِ امريءٍ عن نفسه فعلاً لا أملاً .

الأخ : التبيان . كوم .

و فيك بارك ، و لك بمثل ما قلت ، و لا حرمك ربي خيراً .

المحترف
07-18-2003, 03:35 PM
فضيلة الشيخ "ذو المعالي"

ننتظر مشاركاتك وكتاباتك بفارغ الصبر

وأخيراً بهذه اللفته الفلته لا أبالغ !!!!

موضوع غاية في الاهمية وأسلوب غاية في البلاغة.

نفع الله بك وفي علمك وأدعو الجميع للدخول والاستفادة من الموضوع.

اليقظان
07-20-2003, 11:34 AM
جزاك الله كل خير وبارك فيك أخي أبو المعالي

لم أقرأ مثل هذا المقال من قبل


وبهذه العبارات والأسلوب الأدبي البليغ وبهذه الشفافية


وهي إلتفاتة عظيمة نحتاج إلى التذكر والتذكير بها بين الحين والأخر

ذو المـعـالي
07-20-2003, 12:34 PM
الأخ : المحترف .
لا حرمك الله أجر حروفك ، و لقد قصمت الظهر فاتق ربك .

الأخ : اليقظان .
ليس بشيء ما كتبته ، و إنما أنا حاكٍ لكلام أئمة سابقين .



ملحظٌ : مما شرفني أن المُعقِبِين هم المشرفون ، و لا شك أنه من أوسمة الشرف و الفخر .
فبتعليقاتهم تزين المكتوب .