عبدالله المحتسب
08-19-2003, 01:26 PM
التطبيقات الدعوية والتربوية للقواعد الفقهية
د. عبد الرحمن بن أحمد الجرعي
هناك اتجاه أصيل في الكتابة الدعوية مفاده ربط المباحث الدعوية والتربوية بالقواعد الفقهية والأصولية ، وهو تجاه أملته الحاجة إلى التأصيل الشرعي لكثير من قضايا الدعوة ، خاصة بعد ظهور اجتهادات غريبة عن الحس الإسلامي في بعض أوساط الدعاة ، فالاستنارة بهذه القواعد يسهم في ضبط الاجتهادات الدعوية ،كما أن هذه القواعد توفر مادة خصبة للدعاة ليفيدوا منها في الاستدلال والتقعيد والتنظير.
إن كتابة المباحث الدعوية في ظل هذه القواعد الفقهية أو الأصولية يسهم في ربط الاجتهادات الدعوية برباط شرعي متين منضبط ، ويعطي للدعاة مرجعية موثوق بها خاصة أن القواعد الفقهية الكبرى تحظى باتفاق الغالبية من الفقهاء ، كما أنها تبين عوار التصرفات الشاذة ، التي تمارس في غفلة من الوعي ، وغلبة الهوى أو الجهل .
وهذا الاتجاه في الكتابة –على حسب علمي – حديث نسبيا ، وإن لم يغفل بالكلية ، وأنا هنا أشير إلى كتابات المعاصرين ، أما السلف فإن حديثهم عن المباحث الدعوية يأتي ضمن فنون متعددة ، ولعل الحاجة إلى إفراد المباحث الدعوية في تصانيف مستقلة – كما هو الحال الآن - قد أملاه التوسع في التخصصات .
ومن الكتابات التي رأيتها في هذا المجال ما كتبه الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني في كتابه القيم (القواعد الشرعية ودورها في ترشيد العمل الإسلامي) ضمن سلسلة (كتاب الأمة) وكذلك ما كتبه الدكتور محمد القباطي ضمن كتابه (فقه الكسب/ نشر : دار الأندلس الخضراء) حيث ألمح إلى بعض التطبيقات الدعوية ، وما كتبه ناصر درويش في كتابه (قواعد فقهية لترشيد الصحوة الإسلامية)
وما أرجو أن تضيفه هذه الدراسة هو : ملامسة الواقع الدعوي كتطبيق حي لهذه القواعد ، وإن لم تخل الدراسات السابقة من هذا الأمر ، فلهم فضل التقدم والسبق
فلو قبل مبكــــاها بكيت صبابة
بسعدى شفيت النفس قبل التقدم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا
بكـــاها فقلت الفضل للمـتقدم*
وقبل الكلام عن هذه التطبيقات أشير إلى نقطتين:
الأولى : أن الدعوة إلى الله قربة وعبادة (1)، وهي ممارسة تنطلق من مشكاة الشريعة ، فلا بد من مراجعة الخطوات ليعلم هل ممارساتنا الدعوية منطلقة من قواعد الشريعة ، أم أننا وجدنا من قبلنا على سنن فنحن نتبعهم ، وما دامت الدعوة عبادة فيجب أن تكون على مقتضى ما يرضاه الشارع الحكيم .
الثانية: أن هذه التطبيقات اجتهادية ، خاضعة للمراجعة والتمحيص والإضافة والحذف ، وتخضع كذلك لمعرفة البيئة الدعوية وما يعتريها من ممارسات ، وما يكون فيها من قضايا تحتاج إلى اجتهاد في تلمس الحكم الشرعي من خلال هذه القواعد ، التي هي بمثابة المنارات الهادية في الطريق اللاحب .
معنى القاعدة : هي حكم أو أمر كلي أو قضية كلية تفهم منها أحكام الجزئيات التي تندرج تحتموضوعها وتنطبق عليها(الوجيز في القواعد الفقهية الكلية ، للبورنو ص16)
القاعدة الأولى : الأمور بمقاصدها:
ومن أدلة هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) أخرجه الستة.وهذا الحديث مهم حيث ذكر بعضهم أنه يدخل في سبعين بابا من أبواب العلم ، وبعضهم قال هو ثلث العلم(الأشباه والنظائر،للسيوطي ص8،9)
ومن التطبيقات الدعوية لهذه القاعدة :1
-الدعوة إلى الله عمل يتقرب به إلى الله فلا بد له من نية، فحضور الفعاليات الدعوية والمشاركة فيها ، ودعوة الغير إليها ، والحرص على ذلك كل ذلك مداره على النية والقصد .
2-الباعث على الانضمام لركب الدعاة ما هو: شهرة أم مكاسب مادية، أم قضاء وقت الفراغ وطرد الملل والسأم ، أم الاستزادة من الثقافة والمعرفة . أم هو القيام بالواجب الشرعي . ولكل نية حسابها ، والنية الحسنة درجات بحسب أثرها ، ونفعها لصاحبها ، وللمجتمع .
3-العناية بأصحاب المواهب والقدرات المتميزة ما دافعه ؟ أهو عاطفة شخصية ؟أم هو عراك أقران ؟ أم هو كحرص أبي حنيفة على أبي يوسف حين ظل ينفق عليه عشر سنين حتى شدا في العلم ، وأصبح من أعظم قضاة الأرض وفقهائها
4-قد يسئ لك الشخص وأنت الداعية إلى الله أو المربي وهو غير قاصد للإساءة ، ولم يظن أنها تبلغ ما بلغت ، فحكمه يختلف عن حكم من تقصد الإساءة ، وكان يعلم بمآلات الأمور ، فاعتبار القصد هنا لازم . وإن كان الأصل أن الداعية إلى الله يجعل الكلام الذي لا يعطل مسيرته دبر أذنيه ، ولا يشغل نفسه بتتبع مقولة فلان وفلان . ومن ألطف ما قيل في ذلك قول الصحابي الجليل العلاء بن الحضرمي :
وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم
تحـية ذي الحسى فقد يرقع النقل
فإن دحسوا بالشـر فاعــف تكرما
وإن كتموا عنك الحـــديث فلا تسل
فـإن الذي يؤذيك منــه سمــــاعه
وإن الذي قالوا وراءك لم يقـل**
5- مما يجب الانتباه إليه الشهوة الخفية لدى الداعي بإظهار علمه وتنقص غيره بالجهل ، وهذا مسلك دقيق يجب التحرز منه وتعهد النفس دائما حتى تجتنبه . وقد نبه الغزالي – رحمه الله – إلى ذلك حيث قال :
"إن العالم –عند الدعوة – قد يرى عز نفسه بالعلم وذل غيره بالجهل، فربما يقصد الإدلال وإظهار التميز بشرف العلم وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل "(الإحياء ج2ص358) ثم قال " هذه مذلة عظيمة وغائلة هائلة وغرور للشيطان يتدلى بحبله كل إنسان إلا من عرفه الله عيوب نفسه وفتح بصيرته بنور هدايته ، فإن للاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة" (الإحياء ج2ص358) ثم بين الغزالي - رحمة الله المعيار الذي يعرف به هذا الأمر فقال " وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن المحتسب به نفسه ، وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه ، فإن كانت الحسبة شاقة عليه ثقيلة على نفسه ، وهو يود أن يكفى بغيره فليحتسب ، فإن باعثه هو الدين "(الإحياء ج2ص358)
وهو على خير ، وإن كان لا يحب ذلك لغيره من أهل العلم والدعوة فما هو إلا متبع هوى نفسه ، متوسل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة دعوته، فليتق الله تعالى فيه ، وليدع نفسه أولا(أنظر: إحياء علوم الدين ج2ص358)
وقد عقب الشيخ صالح بن حميد على قول صاحب الإحياء" أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه" فقال"هذا عندي محل نظر ، وبخاصة مع قوله صلى الله عليه وسلم : "فوا الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " (متفق عليه من حديث سهل بن سعد ) فالتنافس في هذا تنافس في الخير ، ومع قوله تعالى : " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا )(سورة فصلت ، الآية 33) ويتلمس الإخلاص وصلاح النية في غير المنافسة الشرعية"(معالم في منهج الدعوة ص 28، 29)
6-عقد الإمام النووي –رحمه الله –في كتابه (الأذكار) بابا بعنوان "الغيبة بالقلب" وفيه قال " اعلم أن سوء الظن حرام مثل القول فكما يحرم أن تحدّث غيرك بمساوئ إنسان ، يحرم أن تحدّث نفسك بذلك وتسيء الظن به "(الأذكار، ص464)(2) وقد ذكر الإمام الغزالى في إحيائه كلاما قريبا من هذا(3)وإذا وقع في قلبك ظن السوء فهو من وسوسة الشيطان يلقيه إليك ، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق ، وقد قال تعالى ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين )( الحجرات ، آية 7) فلا يجوز تصديق إبليس ، فإن كان هناك قرينة تدل على فساد واحتمال خلافه ، فتنفر منه ، وتستثقله وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيئته فإن الشيطان قد يقرب إلى القلب بأدنى خيال مساوئ الناس ، ويلقي إليه أن هذا من فطنتك وذكائك وسرعة تنبهك ، وإن المؤمن ينظر بنور الله ، وإنما هو على التحقيق ناطق بغرور الشيطان وظلمته .... ومهما خطر لك سوء في مسلم فزد في مراعاته وإكرامه ؛ فإن ذلك يغيض الشيطان ويدفعه عنك فلا يلقي إليك مثله خيفة اشتغالك بالدعاء له(4).
وهذا معنى لطيف أتمنى أن يفطن إليه الدعاة والمربون ، وأن يغرسوه في نفوسهم ، وفي نفوس أبنائهم ، بدلا من طغيان نفسية الكراهية التي تجتاح بعض النفوس وتشعل حرائق البغضاء في أرجائها
7- النصيحة إحسان متمحض للمنصوح يصدر عن شفقة ورحمة ، ويجب أن يكون مراد الناصح بها وجه الله عز وجل ، ولا يكاد يفرق بين النصيحة والتعيير إلا النية والباعث والحرص على الستر ، وشتان بين من قصده النصيحة ومن قصده الفضيحة ، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى(انظر: معالم في منهج الدعوة ص44، 45)
د. عبد الرحمن بن أحمد الجرعي
هناك اتجاه أصيل في الكتابة الدعوية مفاده ربط المباحث الدعوية والتربوية بالقواعد الفقهية والأصولية ، وهو تجاه أملته الحاجة إلى التأصيل الشرعي لكثير من قضايا الدعوة ، خاصة بعد ظهور اجتهادات غريبة عن الحس الإسلامي في بعض أوساط الدعاة ، فالاستنارة بهذه القواعد يسهم في ضبط الاجتهادات الدعوية ،كما أن هذه القواعد توفر مادة خصبة للدعاة ليفيدوا منها في الاستدلال والتقعيد والتنظير.
إن كتابة المباحث الدعوية في ظل هذه القواعد الفقهية أو الأصولية يسهم في ربط الاجتهادات الدعوية برباط شرعي متين منضبط ، ويعطي للدعاة مرجعية موثوق بها خاصة أن القواعد الفقهية الكبرى تحظى باتفاق الغالبية من الفقهاء ، كما أنها تبين عوار التصرفات الشاذة ، التي تمارس في غفلة من الوعي ، وغلبة الهوى أو الجهل .
وهذا الاتجاه في الكتابة –على حسب علمي – حديث نسبيا ، وإن لم يغفل بالكلية ، وأنا هنا أشير إلى كتابات المعاصرين ، أما السلف فإن حديثهم عن المباحث الدعوية يأتي ضمن فنون متعددة ، ولعل الحاجة إلى إفراد المباحث الدعوية في تصانيف مستقلة – كما هو الحال الآن - قد أملاه التوسع في التخصصات .
ومن الكتابات التي رأيتها في هذا المجال ما كتبه الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني في كتابه القيم (القواعد الشرعية ودورها في ترشيد العمل الإسلامي) ضمن سلسلة (كتاب الأمة) وكذلك ما كتبه الدكتور محمد القباطي ضمن كتابه (فقه الكسب/ نشر : دار الأندلس الخضراء) حيث ألمح إلى بعض التطبيقات الدعوية ، وما كتبه ناصر درويش في كتابه (قواعد فقهية لترشيد الصحوة الإسلامية)
وما أرجو أن تضيفه هذه الدراسة هو : ملامسة الواقع الدعوي كتطبيق حي لهذه القواعد ، وإن لم تخل الدراسات السابقة من هذا الأمر ، فلهم فضل التقدم والسبق
فلو قبل مبكــــاها بكيت صبابة
بسعدى شفيت النفس قبل التقدم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا
بكـــاها فقلت الفضل للمـتقدم*
وقبل الكلام عن هذه التطبيقات أشير إلى نقطتين:
الأولى : أن الدعوة إلى الله قربة وعبادة (1)، وهي ممارسة تنطلق من مشكاة الشريعة ، فلا بد من مراجعة الخطوات ليعلم هل ممارساتنا الدعوية منطلقة من قواعد الشريعة ، أم أننا وجدنا من قبلنا على سنن فنحن نتبعهم ، وما دامت الدعوة عبادة فيجب أن تكون على مقتضى ما يرضاه الشارع الحكيم .
الثانية: أن هذه التطبيقات اجتهادية ، خاضعة للمراجعة والتمحيص والإضافة والحذف ، وتخضع كذلك لمعرفة البيئة الدعوية وما يعتريها من ممارسات ، وما يكون فيها من قضايا تحتاج إلى اجتهاد في تلمس الحكم الشرعي من خلال هذه القواعد ، التي هي بمثابة المنارات الهادية في الطريق اللاحب .
معنى القاعدة : هي حكم أو أمر كلي أو قضية كلية تفهم منها أحكام الجزئيات التي تندرج تحتموضوعها وتنطبق عليها(الوجيز في القواعد الفقهية الكلية ، للبورنو ص16)
القاعدة الأولى : الأمور بمقاصدها:
ومن أدلة هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) أخرجه الستة.وهذا الحديث مهم حيث ذكر بعضهم أنه يدخل في سبعين بابا من أبواب العلم ، وبعضهم قال هو ثلث العلم(الأشباه والنظائر،للسيوطي ص8،9)
ومن التطبيقات الدعوية لهذه القاعدة :1
-الدعوة إلى الله عمل يتقرب به إلى الله فلا بد له من نية، فحضور الفعاليات الدعوية والمشاركة فيها ، ودعوة الغير إليها ، والحرص على ذلك كل ذلك مداره على النية والقصد .
2-الباعث على الانضمام لركب الدعاة ما هو: شهرة أم مكاسب مادية، أم قضاء وقت الفراغ وطرد الملل والسأم ، أم الاستزادة من الثقافة والمعرفة . أم هو القيام بالواجب الشرعي . ولكل نية حسابها ، والنية الحسنة درجات بحسب أثرها ، ونفعها لصاحبها ، وللمجتمع .
3-العناية بأصحاب المواهب والقدرات المتميزة ما دافعه ؟ أهو عاطفة شخصية ؟أم هو عراك أقران ؟ أم هو كحرص أبي حنيفة على أبي يوسف حين ظل ينفق عليه عشر سنين حتى شدا في العلم ، وأصبح من أعظم قضاة الأرض وفقهائها
4-قد يسئ لك الشخص وأنت الداعية إلى الله أو المربي وهو غير قاصد للإساءة ، ولم يظن أنها تبلغ ما بلغت ، فحكمه يختلف عن حكم من تقصد الإساءة ، وكان يعلم بمآلات الأمور ، فاعتبار القصد هنا لازم . وإن كان الأصل أن الداعية إلى الله يجعل الكلام الذي لا يعطل مسيرته دبر أذنيه ، ولا يشغل نفسه بتتبع مقولة فلان وفلان . ومن ألطف ما قيل في ذلك قول الصحابي الجليل العلاء بن الحضرمي :
وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم
تحـية ذي الحسى فقد يرقع النقل
فإن دحسوا بالشـر فاعــف تكرما
وإن كتموا عنك الحـــديث فلا تسل
فـإن الذي يؤذيك منــه سمــــاعه
وإن الذي قالوا وراءك لم يقـل**
5- مما يجب الانتباه إليه الشهوة الخفية لدى الداعي بإظهار علمه وتنقص غيره بالجهل ، وهذا مسلك دقيق يجب التحرز منه وتعهد النفس دائما حتى تجتنبه . وقد نبه الغزالي – رحمه الله – إلى ذلك حيث قال :
"إن العالم –عند الدعوة – قد يرى عز نفسه بالعلم وذل غيره بالجهل، فربما يقصد الإدلال وإظهار التميز بشرف العلم وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل "(الإحياء ج2ص358) ثم قال " هذه مذلة عظيمة وغائلة هائلة وغرور للشيطان يتدلى بحبله كل إنسان إلا من عرفه الله عيوب نفسه وفتح بصيرته بنور هدايته ، فإن للاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة" (الإحياء ج2ص358) ثم بين الغزالي - رحمة الله المعيار الذي يعرف به هذا الأمر فقال " وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن المحتسب به نفسه ، وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه ، فإن كانت الحسبة شاقة عليه ثقيلة على نفسه ، وهو يود أن يكفى بغيره فليحتسب ، فإن باعثه هو الدين "(الإحياء ج2ص358)
وهو على خير ، وإن كان لا يحب ذلك لغيره من أهل العلم والدعوة فما هو إلا متبع هوى نفسه ، متوسل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة دعوته، فليتق الله تعالى فيه ، وليدع نفسه أولا(أنظر: إحياء علوم الدين ج2ص358)
وقد عقب الشيخ صالح بن حميد على قول صاحب الإحياء" أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه" فقال"هذا عندي محل نظر ، وبخاصة مع قوله صلى الله عليه وسلم : "فوا الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " (متفق عليه من حديث سهل بن سعد ) فالتنافس في هذا تنافس في الخير ، ومع قوله تعالى : " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا )(سورة فصلت ، الآية 33) ويتلمس الإخلاص وصلاح النية في غير المنافسة الشرعية"(معالم في منهج الدعوة ص 28، 29)
6-عقد الإمام النووي –رحمه الله –في كتابه (الأذكار) بابا بعنوان "الغيبة بالقلب" وفيه قال " اعلم أن سوء الظن حرام مثل القول فكما يحرم أن تحدّث غيرك بمساوئ إنسان ، يحرم أن تحدّث نفسك بذلك وتسيء الظن به "(الأذكار، ص464)(2) وقد ذكر الإمام الغزالى في إحيائه كلاما قريبا من هذا(3)وإذا وقع في قلبك ظن السوء فهو من وسوسة الشيطان يلقيه إليك ، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق ، وقد قال تعالى ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين )( الحجرات ، آية 7) فلا يجوز تصديق إبليس ، فإن كان هناك قرينة تدل على فساد واحتمال خلافه ، فتنفر منه ، وتستثقله وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيئته فإن الشيطان قد يقرب إلى القلب بأدنى خيال مساوئ الناس ، ويلقي إليه أن هذا من فطنتك وذكائك وسرعة تنبهك ، وإن المؤمن ينظر بنور الله ، وإنما هو على التحقيق ناطق بغرور الشيطان وظلمته .... ومهما خطر لك سوء في مسلم فزد في مراعاته وإكرامه ؛ فإن ذلك يغيض الشيطان ويدفعه عنك فلا يلقي إليك مثله خيفة اشتغالك بالدعاء له(4).
وهذا معنى لطيف أتمنى أن يفطن إليه الدعاة والمربون ، وأن يغرسوه في نفوسهم ، وفي نفوس أبنائهم ، بدلا من طغيان نفسية الكراهية التي تجتاح بعض النفوس وتشعل حرائق البغضاء في أرجائها
7- النصيحة إحسان متمحض للمنصوح يصدر عن شفقة ورحمة ، ويجب أن يكون مراد الناصح بها وجه الله عز وجل ، ولا يكاد يفرق بين النصيحة والتعيير إلا النية والباعث والحرص على الستر ، وشتان بين من قصده النصيحة ومن قصده الفضيحة ، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى(انظر: معالم في منهج الدعوة ص44، 45)