المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التربية والمتابعة وأثرهما في ثبات المتربي


د. خالد القرشي
07-23-2003, 06:59 AM
التربية والمتابعة وأثرهما في ثبات المتربي

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: :"تعالوا, بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً, ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف, فمن وفى منكم فأجره على الله, ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له, ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله, إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه. قال: فبايعناه على ذلك".

وبعد أن تمت البيعة وانتهى الموسم, أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء المبايعين أول سفير في الإسلام إلى المدينة ليعلم المسلمين فيها شرائع الإسلام, ويفقههم في الدين, وليقوم بنشر الإسلام بين الذين لم يدخلوا فيه, واختار لهذه السفارة شاباً من شباب الإسلام, ومن السابقين في الإسلام, ذلكم هو مصعب بن عمير العبدي رضي الله عنه.

ونز ل مصعب على أسعد بن زرارة, وأخذا ينشران الإسلام في أهل المدينة بجد وحماس, حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون, إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل, كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر, وكانوا يطيعونه فوقف بهم عن الإسلام, حتى كان عام الخندق سنة خمس من الهجرة.

وقبل حلول موسم الحج التالي- أي حج السنة الثالثة عشرة – عاد مصعب بن عمير إلى مكة يحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشائر الفوز والنصر, ويقص عليه خبر أهل المدينة وما فيها من مواهب ا لخير, وما لها من قوة ومنعه, فواضح من هذا الحديث أن الداعية الأول عليه صلوات الله وسلامه, بدأ مبايعته للأنصار بدعوتهم إلى الله تعالى وعدم الإشراك به والالتزام بطاعته, وترك معصيته, ورباهم على ذلك حتى تأسس الاعتقاد الصحيح في نفوسهم, قبل أن يطلب منهم الحماية والنصرة لنفسه.

فقرأ عليهم القرآن وعرض عليهم الإسلام, فآمنوا به, وأذعنوا لما عرضه عليهم, والتزموا بما أخذه عليهم من طاعة الله وترك معاصيه, ثم أرسل عليهم شابا من السابقين إلى الإسلام, وممن تربى على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم, ذلكم هو مصعب بن عمير الذي انغرس الإيمان في قلبه وتأسست معالمه في نفسه وفكره وتحول من ذلك الشاب المترف البذخ إلى ذلك الشاب المؤمن المجاهد الذي باع نفسه لله ورسوله يبتغي بذلك الجنة وما فيها من نعيم مقيم.

فكان رضي الله عنه قدوة صالحة لمن أرسل إليهم ومعهم, فتابع من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة, بتعليمهم شرائع الإسلام, وتفقيههم أمور هذا الدين, فرباهم كما تربى رضي الله عنه نجح في ذلك بسبب تأسّيه بالنبي صلى الله عليه وسلم في التربية والتعليم.

وبذلك انغرس الاعتقاد الصحيح في نفوس المؤمنين وارتبطت قلوبهم بالله الواحد الأحد لا شريك له واشتاقوا إلى لقاء رسول الله صلى اله عليه وسلم لينصروه ويعزروه ويوقروه حتى يبلغ ما أنزل إليه من ربه, وبعد أن أنهى مهمته رضي الله عنه جاء يزف البشرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما وفقه الله من عمل جاد مثمر, وإنه ما من دار من دور الأنصار إلا وقد دخلها الإسلام, وارتفع فيها ذكر الله تعالى.

ومن هنا يتضح لي أهمية التربية والمتابعة, فقد اهتم المربي العظيم محمد بن عبد الله عليه أفضل السلام وأتم التسليم, بتربية أصحابه ومتابعتهم حتى ظهر أثر هذه التربية وهذه المتابعة في تصرف أصحابه رضوان الله عليهم, ومن بينهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه, الذي كان الساعد الأيمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله تعالى والتربة على ذلك.

ودخل بدعوته أناس كثير في دين الله تعالى, بسبب ما اكتسبها من أخلاق عالية اقتبسها من مربيه ومعلمه صلى الله عليه وسلم.
وكذلك مصعب بن عمير رضي الله عنه, فقد كان له أثر واضح في أهل المدينة, فقد نشر الإسلام وربى عليه كثيراً من أبناء الأنصار وعلمهم معالم التوحيد ومبادئ الإسلام وأصوله وقواعده.

وما ذلك إلا بما اتسم به هؤلاء الدعاة الأخيار من أخلاق عالية وحلم وشفقة وسعة صدر على الآخرين, وتحبيب الإيمان في النفوس عن طريق الإقناع والمحاورة وإقامة الحجة والبرهان على ما يدعون إليه, وهذا ما اقتبسوه من مربيهم ومعلمهم صلى الله عليه وسلم, عن طريق القدوة المباركة الصادقة التي تمثل بها صلى الله عليه وسلم, وعن طريق التوجيه المباشر والتعليم لهم وتربيتهم على ذلك, وصبره وحلمه صلى الله عليه وسلم عليهم, ومتابعته لما غرسه في نفوسهم من تعالم قرآنية وأحاديث نبوية, وسيرة عطرة من سلوكه صلى الله عليه وسلم.

ومن هذا النص يظهر لي أيضا أثر الصحبة أياً كان نوعها فصحبة الأخيار لها أثر قوي في النفوس من حيث الإقبال على الخير وتعاليمه, والبعد عن الشر ومفاسده, وبهذه الصحبة الخيرة تتربى النفوس وتزكوا, وترتفع عن سفا سف الأمور وحقيرها, وتتعلق بمعالي الأمور وأسماها.

وهذا واضح من صحبة أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير رضي الله عنهما.
وأما صحبة الأشرار فتؤدي إلى الفساد في الخلق والدين وتصد عن الصراط المستقيم, وتحط من قدر النفوس وتؤدي إلى سفا سف الأمور وأحقرها.
وهذا واضح من صحبة قيس بن الأسلت الشاعر لدار بني أمية ب زيد وخطمة و وائل.
ويظهر لي كذلك من النص أهمية اختيار المكان المناسب لنشر الدعوة والخير, وهذا واضح من اختيار النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بعد بيعة العقبة الأولى.

المختار
07-23-2003, 01:46 PM
جزاكم الله كل خبير وبارك الله فيكم ونفع الله بكم

ووفقكم الله لكل ما يحب ويرضى

أبو مصعب المكي
07-24-2003, 09:43 PM
بارك فيك وفي وقتك أيها الشيخ الفاضل ولا حرمنا من مشاركاتك الرائعة

محبك في الله

:)