faqeeer
01-17-2007, 03:30 AM
نقلا عن مجلة العصر
بغداد/ عبد الله علوان البدري
لقد أتى الإعلان عن دولة العراق الإسلامية من قبل تنظيمات وأحلاف، يمكن أن تُختزل في تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، في خضم تحولات كبيرة في واقع الجماعات المسلحة وفي سياسة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في العراق.
إعلان حاول التنظيم من خلاله فرض نفسه على باقي التنظيمات المسلحة، التي نافس بعضها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وتجاوزه قوة ومكانة وحجما في العراق بعد أن تراجعت شعبيته ومكانته وبالتالي حجمه في الساحة العراقية.
ومن أهم الظروف التي سبقت الإعلان عن دولة العراق الإسلامية تراجع تنظيم القاعدة قوة ومكانة ومساحة وانتشارا وبروز فصائل أخرى كالجيش الإسلامي في العراق وكتائب ثورة العشرين وجيش الفاتحين وجيش المجاهدين وجيش الراشدين إضافة إلى جماعة أنصار السنة، المجموعة الأقرب سلوكا إلى تنظيم القاعدة في العراق، وفصائل كثيرة غيرها أصغر منها حجما.
ونحن هنا لا نسوق الأمر أو نسوّقه ضد تنظيم جهادي أيا كان. ومما لا شك فيه أن دولة الإسلام مطلب إسلامي ثابت لكل من كان الإسلام همه، ولكن الخلاف بين تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وبين الجماعات المسلحة الأخرى في العراق، في إمكانية إقامة تلك الدولة في الوقت الراهن، وفي أسباب الجهاد ومراحله، وضرورة التحلي بالحكمة والانضباط بالهدي النبوي، والسنن والاعتبار بمن سبق، لا أن نأتي بالإسلام دفعة واحدة لنقيمه في مجتمع لم تتوفر له الفرصة في التعامل التام معه، وفي بلد محتل تتكالب عليه الأمم، وفي توقيت حرج للغاية، وغلبة الشيعة على حكم البلاد وانفرادهم به، وهذا ما تتعامل على أساسه باقي عامة الجماعة المسلحة في العراق، وكلها جماعات إسلامية سنية تعلن الهدف الأسمى في تحكيم الشريعة الإسلامية، ولكن بمراحل تختلف تماما عما أراده تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وفعله.
* نبذة تأريخية:
سطع نجم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وذاع صيته بقوة، بعد إقرار زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن لأبي مصعب الزرقاوي، أميرا على التنظيم في العراق، بناء على خطاب وجهه الأخير إليه يطلب منه ذلك, ونال التنظيم اهتماما كبيرا من الإعلام الدولي لأسباب كثيرة، أبرزها اسمه الذي يربطه بالتنظيم العالمي للقاعدة، وقدراته الإعلامية الكبيرة المتفوقة المستفيدة من خبرات أعضاء قدامى في القاعدة، ولتركيز قوات الاحتلال عليه، واختياره وإلصاق كل حسن وسيء به، كون التنظيم الأصلي متهم سلفا بالإرهاب، ويمكن إلصاق تهمة الإرهاب بكل جهد مقاوم في العراق، إضافة إلى كونه التنظيم الأكبر والأقوى في بادئ الأمر، حينما كانت باقي الفصائل في بداية نشوئها تباعا.
لكن التنظيم الجديد اتخذ طريقا أكثر خصوصية مما هو معروف عن تنظيم القاعدة, فتساهل في الدماء وابتعد عن القاعدة الجماهيرية التي استمد التنظيم الدولي منها قوته في أفغانستان وغيرها، وابتعد عن الحكمة والسياسة الشرعية في التعامل مع الخطوب, إضافة إلى فرضه نفسه على الجماعات المجاهدة في العراق كزعيم للجميع.
* أسباب ضعف التنظيم:
1ـ الشدة في المعاملة والتساهل في الدماء:
لقد ميز تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين نفسه بأمور، منها الشدة في معاملة العوام والتساهل في الدماء في عمله الجهادي في العراق, الأمر الذي أثر سلبا على شعبيته.
فمن المعلوم أن الشعب العراقي لم يُحكم بالشريعة الإسلامية منذ الاحتلال البريطاني للعراق، وقد تناوبت عليه الأنظمة العلمانية، وكان آخرها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم العراق بعلمانية صريحة لم تدع مجالا للتعليم الديني قط, ولم يكن من السهل بمكان على مجتمع تعود العلمانية واعتاد الحياة المدنية، أن يتقبل التشدد في الدين في ليلة وضحاها، كما كان تعامل تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين مع الجماهير السنية, الأمر الذي أبعد التنظيم فعليا عن أطياف واسعة من جماهير العرب السنة، وهم دعامة الجهاد في العراق. إضافة إلى تساهل قيادة التنظيم، فضلا عن الأفراد غير المنضبطين في الدماء حتى كان لتصريح أمير التنظيم السابق أبي مصعب الزرقاوي، الأثر البالغ حينما صرح في كلمته المسجلة "وعاد أحفاد ابن العلقمي"، بمسؤولية تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين عن بعض التفجيرات التي تستهدف قوات الاحتلال وأعوانهم بين تجمعات المدنيين بحكم جواز قتل المتترس بهم، ولو لم يكونوا أسرى بل مدنيين في أسواقهم وشوارعهم، باعتبار العدو يتخذهم في مدنهم ترسا، فقال: "فإن الجواز يُقرر من باب أولى في الصورة المعاصرة للترس اليوم، وهو الذي يعمد فيها العدو إلى وضع أماكن تجمعاته ومنشآته المختلفة وسط المسلمين وأحيائهم السكنية ليحتمي بهم".
وختم حديثه بقوله: "ولو أن العدو مُتميزٌ ومتزيغ عن مناطق المسلمين؛ لما أجزنا لأنفسنا بحال من الأحوال التوسع في هذه العمليات؛ فالطريق يجمع الناس، ولا يمكن بحال قتال الكفار إلا بقتل بعض المسلمين، وكما قال أحد إخواننا: فلو فُرض على المجاهدين التمييز بين الكفار والمسلمين لتعطل الجهاد في كل مكان".
وبهذه الطريقة تعامل التنظيم في كل مفردة من مفردات الشريعة, وإن كان هذا منطق قيادة التنظيم، فكيف هو حال الجند، الذين ضاق بهم الناس كثيرا من تشددهم وتجاوزهم الحد في إنكار المنكر وتسفيفهم أحلام كل من يخالفهم، بل إن الأمر وصل إلى التضييق على بعض المجاهدين الذين قد لا يوافقونهم طريقتهم أحيانا, خاصة في أمر التفاوض مع قوات الاحتلال والحكومة الرافضية، عندما تسنح فرصة لجني بعض ثمار الجهاد، كل هذا لم يلق قبولا لدى عامة أهل السنة لهم، مما أثر سلبا في مكانة التنظيم واستمراريته، مقارنة بباقي الفصائل.
2 ـ الحرب الإعلامية:
لقد استعمل خصوم القاعدة من قوات احتلال وحكومات متعاقبة الحرب الإعلامية المكثفة التي ميزت هذه الجماعة دون غيرها وركزت عليها بشكل واضح مستغلة الخطابات والبيانات الشديدة والفتاوى المتشددة التي تبناها التنظيم خاصة في زمن زعيمه السابق أبي مصعب الزرقاوي، والتي ولّدت حالة من الرفض الجزئي لدى العراقيين السنة للتنظيم تم استثمارها أكثر فأكثر من قبل الإعلام الموجه, ساعد على ذلك استمرار التنظيم في طريقته تلك وإصراره على الانفراد بها بغض النظر عن نتائجها على العكس تماما من جماعات متشددة أخرى أريد بها ذات المكر، أبرزها جيش أنصار السنة الذي تسمى لاحقا بجماعة أنصار السنة التي استعملت المناورة السياسية، والابتعاد عن الضوء في فترات الشد وتخلت عن إعدام الخصوم ذبحا إلى الرمي بالرصاص، وغير ذلك من أسباب أفلتتها من المصيدة التي أحكمت الخناق على تنظيم القاعدة.
3 ـ تأسيس مجلس شورى المجاهدين:
وقد اتخذ تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين مجموعة إجراءات، كان أكثرها وضوحا تأسيسه مجلس شورى المجاهدين في 15/10/2006، الذي ضم خمس فصائل إضافة إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ثم أعلن عن انضمام فصيل واحد إلى المجلس، وهو جيش أهل السنة والجماعة في 29/10/26، وما عدى جيش الطائفة المنصورة (وهو ليس أحد الفصائل الكبيرة في العراق) وجيش أهل السنة والجماعة (وله عمليات بسيطة ومحدودة ولم تخرج عنه إلا القليل من البيانات)، فلا ذكر لباقي أربعة الفصائل إلا في بيان تشكيل مجلس شورى المجاهدين، كسرايا أنصار التوحيد وسرايا الجهاد الإسلامي وسرايا الغرباء وكتائب الأهوال تماما كجماعة البراء المجاهدة التي انضمت إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين من قبلُ في 28/11/2005 ولا ذكر لها قبل أو بعد الإعلان عن انضمامها إلى التنظيم , ولم ينضم أي فصيل بعد ذلك التأريخ إلى مجلس شورى المجاهدين ما يعني حتما عدم اقتناع باقي الفصائل في الانضمام تحت راية تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين .
4 ـ مقتل الزرقاوي:
مقتل زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين أبي مصعب الزرقاوي في 11/5/1427 هجرية الموافق 7/6/2006م، والذي له الفضل الأكبر في تكوين التنظيم بشكله الذي ظهر في العراق، بعيدا إلى درجة ما عن مواصفات تنظيم القاعدة الدولي، والذي حظي بشخصه بقبول كافة فصائل المجاهدين في العراق حتى استمر الثناء عليه والانتقام له من قبل كافة الجماعات، ومنها الجيش الإسلامي أحد أكثر الفصائل لينا مع عامة أهل السنة، وقبولا لديهم، الذي أعلن في ذات اليوم الذي قتل فيه الزرقاوي عن تدمير مجموعة من الميليشيات كانوا يحتفلون بمقتل الزرقاوي, واستمر رثاء الزرقاوي، والانتقام له في عمليات ما تكاد تنتهي حتى تتكرر من كافة الجماعات الجهادية في العراق، التي قدمت جهاده على أخطائه وفضل السبق الذي حققه على اتخاذ موقف من تشدده، فتعددت الكلمات التي أطلقتها الجماعات المسلحة في العراق كافة في نعيه، ما يؤكد أن أي بديل لن يحل محله أبدا أيا كان، فقد تأثر التنظيم كثيرا بمصرعه.
5 ـ اختيار أبي حمزة المهاجر:
وزاد من بعد التنظيم عن القاعدة الجماهيرية، إصراره على بعده العالمي، حينما أقر أبا حمزة المهاجر (مصري الجنسية) خليفة للزرقاوي في 16|5|1427هجرية الموافق 12/6/2006م، على الرغم من النصائح التي تلقاها التنظيم من ضرورة اتخاذ زعيم عراقي كما حصل في أفغانستان مع الملا محمد عمر، وكان هذا الاختيار لزعيم غير عراقي، اختيارا للاستمرار في نهج عولمة التنظيم واتخاذ لقرار صعب تأخر تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين في اتخاذه، لما له من أثر سلبي على نفوس العراقيين عرف التنظيم بها وألم بأسبابها، إلا أنه وجد أن فكره وعقيدته لن يضمن استقرارهما، لو أنه مال لحظة إلى الناس، ولو كمسألة مرحلية أو مؤقتة إلى حين.
6 ـ المعركة مع بعض العشائر:
اشتداد المعركة بين فصائل جهادية (خاصة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين) وبعض شيوخ العشائر، الذين تحالفوا مع الاحتلال والحكومة ضد المقاومة العراقية تحت ذريعة تخليص مدنهم من الإرهاب وطلب الاستقرار، حيث التقوا برئيس الوزراء نوري المالكي في بغداد، وأعلنوا عن انعقاد مؤتمر تأسيسي لشيوخ عشائر الأنبار برئاسة عبد الستار أبو ريشة، وتشكيل فصائل مقاتلة بسيطة من بعض المتواطئين مع شيوخ هذه العشائر، الذين تم تجنيدهم في الأردن، والتصعيد الكبير من جانب مجلس شورى المجاهدين مقابل ذلك، والتصريح باسم عشيرة بعينها كونها تشكل الجزء الأكبر لإحدى العصابات المتلبسة لبوس الجهاد في بيان لأبي حمزة المهاجر، جاء فيه: "فقد دخل الصليبيون مدينة القائم في حملتِهم العسكرية الأخيرة -بعد أن ذاقوا منها الويلات طوال السنوات الأربع الماضية من الجهاد المبارك في العراق- بتواطؤ مع بعض رموز العشائر الخونة من أحفادِ ابي رُغال، وبعض الفئات التي كانت تنِسبُ نفسها للجهاد، هذه المجموعة كانت تعرف سابقاً بـ"كتائب الحمزة"، والتي معظم أفرادها من عشيرة البو محل من عشائر الأنبار، حاشا الصادقين والمجاهدين منهم"، وحتما فإن هذا التصريح بعيدا كل البعد عن الحكمة الشرعية في التعامل مع العشائر والمدن والعموميات التي لا ينبغي التصريح بها بهذا الشكل، الأمر الذي أكد مزاعم الإعلام المعادي في نظر العوام، وسهل مهمة إلصاق عمليات اغتيال بعض شيوخ العشائر بالتنظيم، وإن كان بريئا منها.
يتبع
بغداد/ عبد الله علوان البدري
لقد أتى الإعلان عن دولة العراق الإسلامية من قبل تنظيمات وأحلاف، يمكن أن تُختزل في تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، في خضم تحولات كبيرة في واقع الجماعات المسلحة وفي سياسة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في العراق.
إعلان حاول التنظيم من خلاله فرض نفسه على باقي التنظيمات المسلحة، التي نافس بعضها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وتجاوزه قوة ومكانة وحجما في العراق بعد أن تراجعت شعبيته ومكانته وبالتالي حجمه في الساحة العراقية.
ومن أهم الظروف التي سبقت الإعلان عن دولة العراق الإسلامية تراجع تنظيم القاعدة قوة ومكانة ومساحة وانتشارا وبروز فصائل أخرى كالجيش الإسلامي في العراق وكتائب ثورة العشرين وجيش الفاتحين وجيش المجاهدين وجيش الراشدين إضافة إلى جماعة أنصار السنة، المجموعة الأقرب سلوكا إلى تنظيم القاعدة في العراق، وفصائل كثيرة غيرها أصغر منها حجما.
ونحن هنا لا نسوق الأمر أو نسوّقه ضد تنظيم جهادي أيا كان. ومما لا شك فيه أن دولة الإسلام مطلب إسلامي ثابت لكل من كان الإسلام همه، ولكن الخلاف بين تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وبين الجماعات المسلحة الأخرى في العراق، في إمكانية إقامة تلك الدولة في الوقت الراهن، وفي أسباب الجهاد ومراحله، وضرورة التحلي بالحكمة والانضباط بالهدي النبوي، والسنن والاعتبار بمن سبق، لا أن نأتي بالإسلام دفعة واحدة لنقيمه في مجتمع لم تتوفر له الفرصة في التعامل التام معه، وفي بلد محتل تتكالب عليه الأمم، وفي توقيت حرج للغاية، وغلبة الشيعة على حكم البلاد وانفرادهم به، وهذا ما تتعامل على أساسه باقي عامة الجماعة المسلحة في العراق، وكلها جماعات إسلامية سنية تعلن الهدف الأسمى في تحكيم الشريعة الإسلامية، ولكن بمراحل تختلف تماما عما أراده تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وفعله.
* نبذة تأريخية:
سطع نجم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وذاع صيته بقوة، بعد إقرار زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن لأبي مصعب الزرقاوي، أميرا على التنظيم في العراق، بناء على خطاب وجهه الأخير إليه يطلب منه ذلك, ونال التنظيم اهتماما كبيرا من الإعلام الدولي لأسباب كثيرة، أبرزها اسمه الذي يربطه بالتنظيم العالمي للقاعدة، وقدراته الإعلامية الكبيرة المتفوقة المستفيدة من خبرات أعضاء قدامى في القاعدة، ولتركيز قوات الاحتلال عليه، واختياره وإلصاق كل حسن وسيء به، كون التنظيم الأصلي متهم سلفا بالإرهاب، ويمكن إلصاق تهمة الإرهاب بكل جهد مقاوم في العراق، إضافة إلى كونه التنظيم الأكبر والأقوى في بادئ الأمر، حينما كانت باقي الفصائل في بداية نشوئها تباعا.
لكن التنظيم الجديد اتخذ طريقا أكثر خصوصية مما هو معروف عن تنظيم القاعدة, فتساهل في الدماء وابتعد عن القاعدة الجماهيرية التي استمد التنظيم الدولي منها قوته في أفغانستان وغيرها، وابتعد عن الحكمة والسياسة الشرعية في التعامل مع الخطوب, إضافة إلى فرضه نفسه على الجماعات المجاهدة في العراق كزعيم للجميع.
* أسباب ضعف التنظيم:
1ـ الشدة في المعاملة والتساهل في الدماء:
لقد ميز تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين نفسه بأمور، منها الشدة في معاملة العوام والتساهل في الدماء في عمله الجهادي في العراق, الأمر الذي أثر سلبا على شعبيته.
فمن المعلوم أن الشعب العراقي لم يُحكم بالشريعة الإسلامية منذ الاحتلال البريطاني للعراق، وقد تناوبت عليه الأنظمة العلمانية، وكان آخرها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم العراق بعلمانية صريحة لم تدع مجالا للتعليم الديني قط, ولم يكن من السهل بمكان على مجتمع تعود العلمانية واعتاد الحياة المدنية، أن يتقبل التشدد في الدين في ليلة وضحاها، كما كان تعامل تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين مع الجماهير السنية, الأمر الذي أبعد التنظيم فعليا عن أطياف واسعة من جماهير العرب السنة، وهم دعامة الجهاد في العراق. إضافة إلى تساهل قيادة التنظيم، فضلا عن الأفراد غير المنضبطين في الدماء حتى كان لتصريح أمير التنظيم السابق أبي مصعب الزرقاوي، الأثر البالغ حينما صرح في كلمته المسجلة "وعاد أحفاد ابن العلقمي"، بمسؤولية تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين عن بعض التفجيرات التي تستهدف قوات الاحتلال وأعوانهم بين تجمعات المدنيين بحكم جواز قتل المتترس بهم، ولو لم يكونوا أسرى بل مدنيين في أسواقهم وشوارعهم، باعتبار العدو يتخذهم في مدنهم ترسا، فقال: "فإن الجواز يُقرر من باب أولى في الصورة المعاصرة للترس اليوم، وهو الذي يعمد فيها العدو إلى وضع أماكن تجمعاته ومنشآته المختلفة وسط المسلمين وأحيائهم السكنية ليحتمي بهم".
وختم حديثه بقوله: "ولو أن العدو مُتميزٌ ومتزيغ عن مناطق المسلمين؛ لما أجزنا لأنفسنا بحال من الأحوال التوسع في هذه العمليات؛ فالطريق يجمع الناس، ولا يمكن بحال قتال الكفار إلا بقتل بعض المسلمين، وكما قال أحد إخواننا: فلو فُرض على المجاهدين التمييز بين الكفار والمسلمين لتعطل الجهاد في كل مكان".
وبهذه الطريقة تعامل التنظيم في كل مفردة من مفردات الشريعة, وإن كان هذا منطق قيادة التنظيم، فكيف هو حال الجند، الذين ضاق بهم الناس كثيرا من تشددهم وتجاوزهم الحد في إنكار المنكر وتسفيفهم أحلام كل من يخالفهم، بل إن الأمر وصل إلى التضييق على بعض المجاهدين الذين قد لا يوافقونهم طريقتهم أحيانا, خاصة في أمر التفاوض مع قوات الاحتلال والحكومة الرافضية، عندما تسنح فرصة لجني بعض ثمار الجهاد، كل هذا لم يلق قبولا لدى عامة أهل السنة لهم، مما أثر سلبا في مكانة التنظيم واستمراريته، مقارنة بباقي الفصائل.
2 ـ الحرب الإعلامية:
لقد استعمل خصوم القاعدة من قوات احتلال وحكومات متعاقبة الحرب الإعلامية المكثفة التي ميزت هذه الجماعة دون غيرها وركزت عليها بشكل واضح مستغلة الخطابات والبيانات الشديدة والفتاوى المتشددة التي تبناها التنظيم خاصة في زمن زعيمه السابق أبي مصعب الزرقاوي، والتي ولّدت حالة من الرفض الجزئي لدى العراقيين السنة للتنظيم تم استثمارها أكثر فأكثر من قبل الإعلام الموجه, ساعد على ذلك استمرار التنظيم في طريقته تلك وإصراره على الانفراد بها بغض النظر عن نتائجها على العكس تماما من جماعات متشددة أخرى أريد بها ذات المكر، أبرزها جيش أنصار السنة الذي تسمى لاحقا بجماعة أنصار السنة التي استعملت المناورة السياسية، والابتعاد عن الضوء في فترات الشد وتخلت عن إعدام الخصوم ذبحا إلى الرمي بالرصاص، وغير ذلك من أسباب أفلتتها من المصيدة التي أحكمت الخناق على تنظيم القاعدة.
3 ـ تأسيس مجلس شورى المجاهدين:
وقد اتخذ تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين مجموعة إجراءات، كان أكثرها وضوحا تأسيسه مجلس شورى المجاهدين في 15/10/2006، الذي ضم خمس فصائل إضافة إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ثم أعلن عن انضمام فصيل واحد إلى المجلس، وهو جيش أهل السنة والجماعة في 29/10/26، وما عدى جيش الطائفة المنصورة (وهو ليس أحد الفصائل الكبيرة في العراق) وجيش أهل السنة والجماعة (وله عمليات بسيطة ومحدودة ولم تخرج عنه إلا القليل من البيانات)، فلا ذكر لباقي أربعة الفصائل إلا في بيان تشكيل مجلس شورى المجاهدين، كسرايا أنصار التوحيد وسرايا الجهاد الإسلامي وسرايا الغرباء وكتائب الأهوال تماما كجماعة البراء المجاهدة التي انضمت إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين من قبلُ في 28/11/2005 ولا ذكر لها قبل أو بعد الإعلان عن انضمامها إلى التنظيم , ولم ينضم أي فصيل بعد ذلك التأريخ إلى مجلس شورى المجاهدين ما يعني حتما عدم اقتناع باقي الفصائل في الانضمام تحت راية تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين .
4 ـ مقتل الزرقاوي:
مقتل زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين أبي مصعب الزرقاوي في 11/5/1427 هجرية الموافق 7/6/2006م، والذي له الفضل الأكبر في تكوين التنظيم بشكله الذي ظهر في العراق، بعيدا إلى درجة ما عن مواصفات تنظيم القاعدة الدولي، والذي حظي بشخصه بقبول كافة فصائل المجاهدين في العراق حتى استمر الثناء عليه والانتقام له من قبل كافة الجماعات، ومنها الجيش الإسلامي أحد أكثر الفصائل لينا مع عامة أهل السنة، وقبولا لديهم، الذي أعلن في ذات اليوم الذي قتل فيه الزرقاوي عن تدمير مجموعة من الميليشيات كانوا يحتفلون بمقتل الزرقاوي, واستمر رثاء الزرقاوي، والانتقام له في عمليات ما تكاد تنتهي حتى تتكرر من كافة الجماعات الجهادية في العراق، التي قدمت جهاده على أخطائه وفضل السبق الذي حققه على اتخاذ موقف من تشدده، فتعددت الكلمات التي أطلقتها الجماعات المسلحة في العراق كافة في نعيه، ما يؤكد أن أي بديل لن يحل محله أبدا أيا كان، فقد تأثر التنظيم كثيرا بمصرعه.
5 ـ اختيار أبي حمزة المهاجر:
وزاد من بعد التنظيم عن القاعدة الجماهيرية، إصراره على بعده العالمي، حينما أقر أبا حمزة المهاجر (مصري الجنسية) خليفة للزرقاوي في 16|5|1427هجرية الموافق 12/6/2006م، على الرغم من النصائح التي تلقاها التنظيم من ضرورة اتخاذ زعيم عراقي كما حصل في أفغانستان مع الملا محمد عمر، وكان هذا الاختيار لزعيم غير عراقي، اختيارا للاستمرار في نهج عولمة التنظيم واتخاذ لقرار صعب تأخر تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين في اتخاذه، لما له من أثر سلبي على نفوس العراقيين عرف التنظيم بها وألم بأسبابها، إلا أنه وجد أن فكره وعقيدته لن يضمن استقرارهما، لو أنه مال لحظة إلى الناس، ولو كمسألة مرحلية أو مؤقتة إلى حين.
6 ـ المعركة مع بعض العشائر:
اشتداد المعركة بين فصائل جهادية (خاصة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين) وبعض شيوخ العشائر، الذين تحالفوا مع الاحتلال والحكومة ضد المقاومة العراقية تحت ذريعة تخليص مدنهم من الإرهاب وطلب الاستقرار، حيث التقوا برئيس الوزراء نوري المالكي في بغداد، وأعلنوا عن انعقاد مؤتمر تأسيسي لشيوخ عشائر الأنبار برئاسة عبد الستار أبو ريشة، وتشكيل فصائل مقاتلة بسيطة من بعض المتواطئين مع شيوخ هذه العشائر، الذين تم تجنيدهم في الأردن، والتصعيد الكبير من جانب مجلس شورى المجاهدين مقابل ذلك، والتصريح باسم عشيرة بعينها كونها تشكل الجزء الأكبر لإحدى العصابات المتلبسة لبوس الجهاد في بيان لأبي حمزة المهاجر، جاء فيه: "فقد دخل الصليبيون مدينة القائم في حملتِهم العسكرية الأخيرة -بعد أن ذاقوا منها الويلات طوال السنوات الأربع الماضية من الجهاد المبارك في العراق- بتواطؤ مع بعض رموز العشائر الخونة من أحفادِ ابي رُغال، وبعض الفئات التي كانت تنِسبُ نفسها للجهاد، هذه المجموعة كانت تعرف سابقاً بـ"كتائب الحمزة"، والتي معظم أفرادها من عشيرة البو محل من عشائر الأنبار، حاشا الصادقين والمجاهدين منهم"، وحتما فإن هذا التصريح بعيدا كل البعد عن الحكمة الشرعية في التعامل مع العشائر والمدن والعموميات التي لا ينبغي التصريح بها بهذا الشكل، الأمر الذي أكد مزاعم الإعلام المعادي في نظر العوام، وسهل مهمة إلصاق عمليات اغتيال بعض شيوخ العشائر بالتنظيم، وإن كان بريئا منها.
يتبع