المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البناء الإيماني


اليقظان
04-08-2003, 12:21 AM
الدكتورة / رقية المحارب
الضغوط النفسية في ازدياد لدينا وهذا أمر يحتاج منا إلى معالجة سريعة قبل أن يستفحل الأمر. نحتاج أن نعرف أولاً نسبة هذه الضغوط ومدى انتشارها، وما هي أبرز المسببات وكيف نستطيع وضع الحلول الكفيلة بالقضاء عليها. في أمريكا يصرف أكثر من مئة وخمسين بليون دولار على المصابين بالضغوط النفسية من اكتئاب , إلى قلق , إلى شعور بالتعاسة , إلى خوف غير طبيعي , إلى غير ذلك، وهناك يعاني أكثر من 80% من البالغين من تعرضهم إلى الضغوط بشكل أسبوعي. وكنتيجة لهذا الانتشار المفزع لهذه الضغوط نشأت مئات المراكز الإرشادية والعيادات المتخصصة والمجلات التي تهتم فقط بهذا الموضوع , كما صدرت مئات الكتب والأفلام، ومع كل هذا تأتي الأرقام لتثبت أن النسب في تصاعد , وأن حالات الانتحار وصلت إلى معدلات مخيفة.
ويبدو أن السبب في فشل جهودهم هو عدم معرفتهم بطبيعة النفس الإنسانية الشديدة التعقيد، ووقوعهم في مشكلة التجارب. ولا يستطيع منصف أن ينكر أن هناك وسائل جيدة ابتكرها الغرب ساهمت في علاج بعض المشكلات، ولكنها تظل وسائل تفتقر إلى شمولية في النظر إلى المشكلة النفسية. فهناك يتم التعامل مع من يعاني من الضغوط النفسية على أنه منفصل تماماً عن المجتمع الذي يعيش فيه، ولذا فإن الحلول الموضوعة لا يمكن أن تنجح إلا إذا تجاوب المجتمع بكل مؤسساته ليوفر بيئةً لا يكون فيها مكان لمن يريد تحقيق مصلحة فردية على حساب مصلحة المجتمع. وهذا بطبيعة الحال يعد مستحيلاً لأن مبدأ الحرية الشخصية الذي ينتهجه الغرب يتصادم مع هذا المطلب. فهل من المعقول أن يتخلى المجتمع الأمريكي عن نظرته إلى ثقافة العنف والجنس ومؤسساتهما؟ أم هل يستطيع أن يكبح جماح الحركات النسوية المتطرفة التي جلبت الشقاء للمرأة الأمريكية؟ أم هل يستطيع أن يعيد التوازن للأسرة الأمريكية بعد أن أصبحت المرأة رجلاً ووقعت ضحية ازدواج وظيفي تسبب في حصول الضغوط النفسية باعتراف كثير من النساء الغربيات؟
وأعود إلى موضوع الضغوط النفسية لدينا فأقول: إنه متى كان المجتمع بكل فئاته ومؤسساته منسجماً مع مبادئ صحيحة فإن هذا دليل على أن الأفراد يعيشون حياة نفسية بعيدة عن الضغوط، وعندما يكون هناك مبادئ صحيحة في الظاهر ويأتي من يحرض على انتهاكها وعدم احترامها كأن تحرض البنت على التمرد على أبويها ومجتمعها بحجة أنها مكبوتة أو أن نقول لها إن الحرية يجب أن تمنح بلا حدود فهذا مما يسبب الضغوط التي تعاني منها بعض الأسر..إنني أعتقد أن إحدى أهم الخطوات لعلاج هذه الظاهرة-أعني انتشار المشكلات النفسية- تكثيف منابر التوعية والتحصين والتوجيه الاجتماعية والنفسية والإيمانية التي توجه النداء للمربين والآباء والأمهات بضرورة العناية بأولادهم ومتابعة حياتهم وتشجيعهم على التعبير عن مشكلاتهم، وتوثيق صلتهم بالعلم الشرعي والأعمال الصالحة التي تثري القلب وتشرح الصدر. وأتمنى أن يكون في كل حي مركز يقوم بهذه المهام يتولاه بعض المتخصصين مع إمام المسجد وبعض الدعاة ويتم استخدام أفكار مبتكرة جديدة تجذب الشباب وتشعرهم بأهميتهم في المجتمع بدلاً من تركهم نهباً لبعض القنوات والمقاهي التي تزيد من معاناتهم النفسية وتجلب على أسرهم كثيراً من المتاعب والشقاء، وفي الوقت ذاته توفر هذه المراكز بديلاً صحياً يجدون فيه إلى جانب الكلمة الطيبة والعلم النافع الترفيه المعقول المنضبط.
إن موضوع الضغوط النفسية جدير بأن يحظى بعناية المختصين وأن يحاولوا إعداد الدراسات ووضع الحلول العملية قبل أن تحصل مضاعفات لا تحمد عقباها.