أم المثنى
07-14-2006, 10:26 AM
غزَّة وابن تيمية .. والنشيد الوطني الصهيوني !
بقلم د. سعد بن مطر العتيبي
"...ثم رأى العالم بالصوت والصورة كيف يُجلب قوت الشعب للشعب تهريبا ، عبر منفذ بري حدودي وحيد بين غزة ومصر ، في معاطف وزراءَ في حكومة شرعية !..."
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ومن والاه .. أما بعد .
1) فقبل ثمانية قرون تقريبا ، مرّ العلامة المحقق أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رحمه الله بغزّة ، وعقد في جامعها (لعله العمري) مجلسا علميا كبيرا ، فتعلق أهل غزّة به ، وسأله أميرها المنصوري أن يضع له برنامج عمل سياسي إسلامي ، فأجابه ابن تيمية رحمه الله إلى ذلك ، وحرّر له مشروعا متكاملا في هذا الشأن ، كتبه في ليلة واحدة ، وقدمه له صلاة الفجر ، واشتهر وانتشر تحت مسمى : (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) ، وهو الكتاب القيم المعروف المشهور ، الذي لا تخلو منه مكتبة طالب علم .
تذكرت هذا العالِم وقصته ، وأنا أفكِّر في ذلك الثغر الذي يحمل رقما قياسيا في الكثافة السكانية على مستوى العالم مع صغر مساحته ، وقلَّة موارده ، ومحاصرة أهله .
2) وغزة تاريخ إسلامي عريق دونه الشيخ عثمان الطباع في : (إتحاف الأعزة في تاريخ غزة) ، .. وغزّة هي غزّة التي عرفناها من قبل في فتوحات الفاروق رضي الله عنه ، ومرت بنا في ترجمة الإمام محمد بن إدريس الشافعي الغزي ، أحد أئمة الفقه الأربعة ، تلميذ الإمام مالك ، وشيخ الإمام أحمد رحمهم الله .
وإنِّي لأتذكر غزّة بل فلسطين المحتلة كلّها ، كلّما قرأت أو سمعت أو تذكرت آخر سورة آل عمران ، لأنَّها جمعت خصالاً نراها رأي العين في الأسرة الفلسطينية الصابرة ، المصابرة ، المرابطة ، رجلا وطفلا وامرأة وعجوزا ... غزّة التي تكاد تتجاوز حدود المعقول في صمودها واستبسال أهلها وتضحياتهم ، بل تجاوزت حدود المألوف وقاربت تجاوز حدود المعقول ، حين نعلم أنَّ حوامل غزّة يساهمن في المقاومة بتبرعهن بنوع من الأحماض البولية الخاصة بالحوامل ، لأنها توفر لمصانع الأسلحة المحلية للمرابطين مواد أولية ليدافعوا بها عنهن !!
3) تذكرت غزّة وماضيها ، و تذكرت جميع الأراضي المحتلة في فلسطين والجولان ومزارع شبعا وغيرها ، ثم تذكرت دعوات التطبيع وما يصاحبها من جهد مأزور فيما يشبه التمهيد لتطبيع المسلم عقديا من خلال القدح الجائر والاعتداء السافر على مسلمات العقيدة الإسلامية ، ودلائل النصوص القرآنية القطعية ... تذكرت تلك الجهود الخاسرة التي يتبنّاها كتّاب الخَوَر المهين في عالمنا العربي ، ما بين قاصد و جاهل ومستغفَل ، للنيل من عقيدة الولاء للمؤمنين وكأنّما هو جهد في تذليل الصعوبات العقدية أمام الغزاة المحتلين والصهاينة الغاصبين ، بوعي أو دون وعي لحقيقة المعركة ، التي يجسدها علناً النشيدُ الوطني للكيان الصهيوني :
"طالما في القلب تكمن .. نفس يهودية تتوق .. وللأمام نحو الشرق .. عين تنظر إلى صهيون .. أملنا لم يضع بعد .. حلم عمره ألفا سنة .. أن نكون أمّة حرّة على أرضنا .. أرض صهيون والقدس .." .
أقول هذا ، لأنَّنا وجدنا من الكتاب العرب من يتعاطف مع جندي أسره مقاومون شرعيون على أرضهم - وهو الحق الذي تكفله قواعد القانون الدولي - تحت دعاوى الحرص على الفلسطينيين ، في حين أنني سمعت بعضهم من قبل يردد جملة : "إخواننا في فلسطين !! إخواننا في فلسطين !!" على سبيل السخرية .. مستهجنا تعاطفنا مع إخواننا المسلمين ، داعيا إلى التقوقع في ظل العولمة ونبذ الأممية زَعَم ، وعدم التدخل فيما وراء الحدود . فيا ترى هل يظن هؤلاء أنَّ الجندي اليهودي المأسور ، دون الحدود أو يعلمون أنه وراءها ؟
4) لقد كانت صناديق الاقتراع التي نادى بها دعاة الديمقراطية امتحانا صعبا لهم ، فبعد عدد من النتائج غير المرضية لهم في عدد من البلدان ، حاولوا تدجين الأمة إعلاميا ثم طالبوا بوضع الصناديق لها مرّة بعد مرّة ، وكان مكان اختبارهم الأخير للأمة ، هو أقسى مواقع معاناتها ، فتمَّت : انتخابات المجلس التشريعي في السلطة الفلسطينية ؛ وما إن ظهرت النتائج الأولية حتى تهامس الظلمة من الإفرنج ، فلم نلبث أن سمعنا صراخ (الشرعية الدولية وحقوق الإنسان) - التي طالما يطالبون خصومهم برعايتها ، في مثل حالة الصين وكوريا الشمالية - سمعناها تصرخ في فلسطين تحت أقدام واضعيها ، وتنتهك دون قدرتهم على تبرير منطقي لما يجري منهم تجاهها ، فحوصر الشعب الفلسطيني الذي كانوا يقدّمون صورة الحرص عليه في قالب (الديمقراطية) ، وبلغ الأمر بأدعياء الديمقراطية ، والمتباكين عل حقوق الإنسان ، أن يتآمروا على الشعب الفلسطيني في مناطق السلطة بمنعه من استلام أجرة عَرَق الجبين ، التي يشتري بها - وليس منها - حليب المولود ، وغذاء الطفل ، وقوت الإنسان .
لقد أزالت هذه الانتخابات ، بقايا أوراق التوت عن سوءات دعاة الشرق الأوسط الكبير ، وبصقت في وجوه المبشرين برغده وعدالته وتفوق حقوق الإنسان فيه . لم لا ؟ ألم ير الناس كيف حوصرت حكومةٌ منتخبة في انتخابات لم يشكك أحد في نزاهتها ، مع محاولاتٍ جرت لتدارك النتيجة ولو في اللحظة الأخيرة .
لقد شهد العالم كيف خلت - ولم تكن من قبل كذلك - خزينة المالية الفلسطينية قبيل تسليمها للحكومة المنتخبة بفواق ناقة ، وكأنَّ أموال الأمة وأرزاق الناس ، ومستحقات اليتامى محلّ عبث سياسي ... والإمعان في الحصار بمنع البنوك من التعامل مع الحكومة المنتخبة - التي حصلت على أصوات لم يحصل على مثلها المرشحون في أعرق الأحزاب السياسية الغربية - بعيد إعلان النتائج .
ثم رأى العالم بالصوت والصورة كيف يُجلب قوت الشعب للشعب تهريبا ، عبر منفذ بري حدودي وحيد بين غزة ومصر ، في معاطف وزراءَ في حكومة شرعية ! إنَّ هذا الظلم والجور والتعامل غير الحضاري - ذاته - ذكرني رسالة أبي العباس ابن تيمة رحمه الله إلى ملك قبرص التي يطالبه فيها بإطلاق سراح أسرى المسلمين ، ويحذره فيها من عقوبة الظلم وسنة الله في الظالمين دولا وأفرادا .
5) ظنّ الخصوم أنّ الأمة هزمت واستسلمت ، ولكن الوهم تبدّد ، ولنا في التاريخ معتبر ، فلقد تيقنوا فيما بعد أنَّهالم تمت وإنَّما كانت مسترخية ، وربما كان منها من أخذته سِنة من النوم ، تحت شعارات القومية العربية الزائفة ، والشعارات الثورية الفارغة ، في ظاهرة صوتية لخصتها للجيل الذي لم يشهدها ، تصريحات وزير الإعلام العراقي الذي غطّى غبارُ القصف آثار أقدامه قبل أن يغادر بغداد هاربا وهو يتحدّث عن الصدّ والصمود إلى آخر نطفة دم ... لقد رُكِلَت الأمة عام النكسة ، فاستيقظت وصحت ، واكتشفت سرّ هزيمتها الحديثة ثم سرّ نصرها القديم الذي قامت عليه دولتها الأولى وما تلاها من دول الإسلام ، وحتى هذه الأحقاب المتأخرة التي تحالف فيها الإمامان محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله ، في دليل مادي ملموس على سبب النصر الإلهي ؛ ولعلّ هذا سرَّ التضايق من الصحوة ، ومن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ومن قبلهما ابن تيمة إيَّاه - رحمهم الله - وكأنَّ ظَلَمَة الإفرنج ومساندي المغتصب ، يستشرفون آثار تراث هؤلاء القادة وتجربتهم في مستقبل القضية .
إنَّ ظلمة الإفرنج ومن خُدِع بهم أو وافقهم من بني جلدتنا ، يريدون من الأمة أن تموت لا أن تغرق في النوم فقط ؛ ليسرحوا ويمرحوا خارج وحي الله ، في ليبرالية مخزية ، لا تعرف دينا ولو كان الإسلام ، ولا ثابتا ولو كان عقيدة التوحيد ، ولا أصلاً يقينياً منصوصا ولو كان الولاء في أواسط الحجرات والبراء في أواخر المجادِلة . وما علم هؤلاء أنَّ من النّوم نوماً كهفياً يصحو فيه المضطهدون على زغاريد النصر ومباهج الاحتفاء .
6) إنَّ من المؤسف أن نرى التطبيع الإعلامي في إعلام العرب والمسلمين يسابق التطبيع السياسي في ظل أجواء لا تسمح لذي حياء أن يتكلم . ولكن يا ترى ماذا يستطيع أن يقول دعاة التطبيع (الصلح الدائم الذي يتم بمقتضاه الدخول في جملة من الاتفاقات متنوعة الجوانب بما في ذلك الجانب الثقافي والاقتصادي والأمني وغيرها) مع هذا الكيان الصهيوني الغاصب المحتل ، الذي لم يحترم شيخا ولم يرحم طفلا ، ولم يقدر - ولو إنسانيا - وضع امرأة حامل ! ليضعها وجنينها في عنابر قذرة ، خلف قضبان ظالمة ، ومعاملة جائرة .. ما الذي يمكنهم قوله ، ولِمَ صَمَت بعضهم عن الحديث في الحدث ، وانكفأ بعضهم على إثارة قضايا داخلية محسومة شرعا ونظاما ، وفعل بعضهم الأسوأ بما تقدم ذكره .
يتبع..............>>>
بقلم د. سعد بن مطر العتيبي
"...ثم رأى العالم بالصوت والصورة كيف يُجلب قوت الشعب للشعب تهريبا ، عبر منفذ بري حدودي وحيد بين غزة ومصر ، في معاطف وزراءَ في حكومة شرعية !..."
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ومن والاه .. أما بعد .
1) فقبل ثمانية قرون تقريبا ، مرّ العلامة المحقق أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رحمه الله بغزّة ، وعقد في جامعها (لعله العمري) مجلسا علميا كبيرا ، فتعلق أهل غزّة به ، وسأله أميرها المنصوري أن يضع له برنامج عمل سياسي إسلامي ، فأجابه ابن تيمية رحمه الله إلى ذلك ، وحرّر له مشروعا متكاملا في هذا الشأن ، كتبه في ليلة واحدة ، وقدمه له صلاة الفجر ، واشتهر وانتشر تحت مسمى : (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) ، وهو الكتاب القيم المعروف المشهور ، الذي لا تخلو منه مكتبة طالب علم .
تذكرت هذا العالِم وقصته ، وأنا أفكِّر في ذلك الثغر الذي يحمل رقما قياسيا في الكثافة السكانية على مستوى العالم مع صغر مساحته ، وقلَّة موارده ، ومحاصرة أهله .
2) وغزة تاريخ إسلامي عريق دونه الشيخ عثمان الطباع في : (إتحاف الأعزة في تاريخ غزة) ، .. وغزّة هي غزّة التي عرفناها من قبل في فتوحات الفاروق رضي الله عنه ، ومرت بنا في ترجمة الإمام محمد بن إدريس الشافعي الغزي ، أحد أئمة الفقه الأربعة ، تلميذ الإمام مالك ، وشيخ الإمام أحمد رحمهم الله .
وإنِّي لأتذكر غزّة بل فلسطين المحتلة كلّها ، كلّما قرأت أو سمعت أو تذكرت آخر سورة آل عمران ، لأنَّها جمعت خصالاً نراها رأي العين في الأسرة الفلسطينية الصابرة ، المصابرة ، المرابطة ، رجلا وطفلا وامرأة وعجوزا ... غزّة التي تكاد تتجاوز حدود المعقول في صمودها واستبسال أهلها وتضحياتهم ، بل تجاوزت حدود المألوف وقاربت تجاوز حدود المعقول ، حين نعلم أنَّ حوامل غزّة يساهمن في المقاومة بتبرعهن بنوع من الأحماض البولية الخاصة بالحوامل ، لأنها توفر لمصانع الأسلحة المحلية للمرابطين مواد أولية ليدافعوا بها عنهن !!
3) تذكرت غزّة وماضيها ، و تذكرت جميع الأراضي المحتلة في فلسطين والجولان ومزارع شبعا وغيرها ، ثم تذكرت دعوات التطبيع وما يصاحبها من جهد مأزور فيما يشبه التمهيد لتطبيع المسلم عقديا من خلال القدح الجائر والاعتداء السافر على مسلمات العقيدة الإسلامية ، ودلائل النصوص القرآنية القطعية ... تذكرت تلك الجهود الخاسرة التي يتبنّاها كتّاب الخَوَر المهين في عالمنا العربي ، ما بين قاصد و جاهل ومستغفَل ، للنيل من عقيدة الولاء للمؤمنين وكأنّما هو جهد في تذليل الصعوبات العقدية أمام الغزاة المحتلين والصهاينة الغاصبين ، بوعي أو دون وعي لحقيقة المعركة ، التي يجسدها علناً النشيدُ الوطني للكيان الصهيوني :
"طالما في القلب تكمن .. نفس يهودية تتوق .. وللأمام نحو الشرق .. عين تنظر إلى صهيون .. أملنا لم يضع بعد .. حلم عمره ألفا سنة .. أن نكون أمّة حرّة على أرضنا .. أرض صهيون والقدس .." .
أقول هذا ، لأنَّنا وجدنا من الكتاب العرب من يتعاطف مع جندي أسره مقاومون شرعيون على أرضهم - وهو الحق الذي تكفله قواعد القانون الدولي - تحت دعاوى الحرص على الفلسطينيين ، في حين أنني سمعت بعضهم من قبل يردد جملة : "إخواننا في فلسطين !! إخواننا في فلسطين !!" على سبيل السخرية .. مستهجنا تعاطفنا مع إخواننا المسلمين ، داعيا إلى التقوقع في ظل العولمة ونبذ الأممية زَعَم ، وعدم التدخل فيما وراء الحدود . فيا ترى هل يظن هؤلاء أنَّ الجندي اليهودي المأسور ، دون الحدود أو يعلمون أنه وراءها ؟
4) لقد كانت صناديق الاقتراع التي نادى بها دعاة الديمقراطية امتحانا صعبا لهم ، فبعد عدد من النتائج غير المرضية لهم في عدد من البلدان ، حاولوا تدجين الأمة إعلاميا ثم طالبوا بوضع الصناديق لها مرّة بعد مرّة ، وكان مكان اختبارهم الأخير للأمة ، هو أقسى مواقع معاناتها ، فتمَّت : انتخابات المجلس التشريعي في السلطة الفلسطينية ؛ وما إن ظهرت النتائج الأولية حتى تهامس الظلمة من الإفرنج ، فلم نلبث أن سمعنا صراخ (الشرعية الدولية وحقوق الإنسان) - التي طالما يطالبون خصومهم برعايتها ، في مثل حالة الصين وكوريا الشمالية - سمعناها تصرخ في فلسطين تحت أقدام واضعيها ، وتنتهك دون قدرتهم على تبرير منطقي لما يجري منهم تجاهها ، فحوصر الشعب الفلسطيني الذي كانوا يقدّمون صورة الحرص عليه في قالب (الديمقراطية) ، وبلغ الأمر بأدعياء الديمقراطية ، والمتباكين عل حقوق الإنسان ، أن يتآمروا على الشعب الفلسطيني في مناطق السلطة بمنعه من استلام أجرة عَرَق الجبين ، التي يشتري بها - وليس منها - حليب المولود ، وغذاء الطفل ، وقوت الإنسان .
لقد أزالت هذه الانتخابات ، بقايا أوراق التوت عن سوءات دعاة الشرق الأوسط الكبير ، وبصقت في وجوه المبشرين برغده وعدالته وتفوق حقوق الإنسان فيه . لم لا ؟ ألم ير الناس كيف حوصرت حكومةٌ منتخبة في انتخابات لم يشكك أحد في نزاهتها ، مع محاولاتٍ جرت لتدارك النتيجة ولو في اللحظة الأخيرة .
لقد شهد العالم كيف خلت - ولم تكن من قبل كذلك - خزينة المالية الفلسطينية قبيل تسليمها للحكومة المنتخبة بفواق ناقة ، وكأنَّ أموال الأمة وأرزاق الناس ، ومستحقات اليتامى محلّ عبث سياسي ... والإمعان في الحصار بمنع البنوك من التعامل مع الحكومة المنتخبة - التي حصلت على أصوات لم يحصل على مثلها المرشحون في أعرق الأحزاب السياسية الغربية - بعيد إعلان النتائج .
ثم رأى العالم بالصوت والصورة كيف يُجلب قوت الشعب للشعب تهريبا ، عبر منفذ بري حدودي وحيد بين غزة ومصر ، في معاطف وزراءَ في حكومة شرعية ! إنَّ هذا الظلم والجور والتعامل غير الحضاري - ذاته - ذكرني رسالة أبي العباس ابن تيمة رحمه الله إلى ملك قبرص التي يطالبه فيها بإطلاق سراح أسرى المسلمين ، ويحذره فيها من عقوبة الظلم وسنة الله في الظالمين دولا وأفرادا .
5) ظنّ الخصوم أنّ الأمة هزمت واستسلمت ، ولكن الوهم تبدّد ، ولنا في التاريخ معتبر ، فلقد تيقنوا فيما بعد أنَّهالم تمت وإنَّما كانت مسترخية ، وربما كان منها من أخذته سِنة من النوم ، تحت شعارات القومية العربية الزائفة ، والشعارات الثورية الفارغة ، في ظاهرة صوتية لخصتها للجيل الذي لم يشهدها ، تصريحات وزير الإعلام العراقي الذي غطّى غبارُ القصف آثار أقدامه قبل أن يغادر بغداد هاربا وهو يتحدّث عن الصدّ والصمود إلى آخر نطفة دم ... لقد رُكِلَت الأمة عام النكسة ، فاستيقظت وصحت ، واكتشفت سرّ هزيمتها الحديثة ثم سرّ نصرها القديم الذي قامت عليه دولتها الأولى وما تلاها من دول الإسلام ، وحتى هذه الأحقاب المتأخرة التي تحالف فيها الإمامان محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله ، في دليل مادي ملموس على سبب النصر الإلهي ؛ ولعلّ هذا سرَّ التضايق من الصحوة ، ومن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ومن قبلهما ابن تيمة إيَّاه - رحمهم الله - وكأنَّ ظَلَمَة الإفرنج ومساندي المغتصب ، يستشرفون آثار تراث هؤلاء القادة وتجربتهم في مستقبل القضية .
إنَّ ظلمة الإفرنج ومن خُدِع بهم أو وافقهم من بني جلدتنا ، يريدون من الأمة أن تموت لا أن تغرق في النوم فقط ؛ ليسرحوا ويمرحوا خارج وحي الله ، في ليبرالية مخزية ، لا تعرف دينا ولو كان الإسلام ، ولا ثابتا ولو كان عقيدة التوحيد ، ولا أصلاً يقينياً منصوصا ولو كان الولاء في أواسط الحجرات والبراء في أواخر المجادِلة . وما علم هؤلاء أنَّ من النّوم نوماً كهفياً يصحو فيه المضطهدون على زغاريد النصر ومباهج الاحتفاء .
6) إنَّ من المؤسف أن نرى التطبيع الإعلامي في إعلام العرب والمسلمين يسابق التطبيع السياسي في ظل أجواء لا تسمح لذي حياء أن يتكلم . ولكن يا ترى ماذا يستطيع أن يقول دعاة التطبيع (الصلح الدائم الذي يتم بمقتضاه الدخول في جملة من الاتفاقات متنوعة الجوانب بما في ذلك الجانب الثقافي والاقتصادي والأمني وغيرها) مع هذا الكيان الصهيوني الغاصب المحتل ، الذي لم يحترم شيخا ولم يرحم طفلا ، ولم يقدر - ولو إنسانيا - وضع امرأة حامل ! ليضعها وجنينها في عنابر قذرة ، خلف قضبان ظالمة ، ومعاملة جائرة .. ما الذي يمكنهم قوله ، ولِمَ صَمَت بعضهم عن الحديث في الحدث ، وانكفأ بعضهم على إثارة قضايا داخلية محسومة شرعا ونظاما ، وفعل بعضهم الأسوأ بما تقدم ذكره .
يتبع..............>>>