المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : {حصاد العنف : قراءة في التجربة الجزائرية


اليقظان
07-09-2003, 10:05 PM
إعداد : محمد سليمان

09/07/2003


" الحركة الإسلامية في الجزائر دعوة لمراجعة الرصيد وتقويم المسيرة " لمؤلفه خالد حسن ، إصدار التجمع الإسلامي في أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة الأمريكية ،ان اربر)، ط 1، 2001. يقع الكتاب في 72 صفحة من الحجم المتوسط ويتناول بالتقويم والمراجعة مسيرة العمل الاسلامي في الجزائر، حيث يلتزم المؤلف بما تعهد به في بداية الكتاب من تجنب السرد الممل والخوض في التفصيلات غير الضرورية، حيث ينقل الكاتب القاريء في الفصل الأول بطريقة منسابة متناسقة من بدايات العمل الإسلامي الى انقلاب عام 1992، ثم تورط عدد من الحركات الإسلامية في اختيار العنف دون قراءة صحيحة لمعادلات الواقع، ودون التزام بالأصول والضوابط الشرعية في تقرير الأحكام واتخاذ القرارات، ويحلل الكاتب تداعيات هذه التطورات على مجمل العمل الإسلامي في الجزائر، بل وعلى "حالة السلم الاجتماعي" بأسرها، ويرصد الباحث بعد ذلك مؤشرات مهمة وعلامات صحة بدت على طبيعة العمل الإسلامي مما يشير بدرجة معينة إلى تجاوز الأزمة وتدارك الأخطاء السابقة .. ، أمّا الفصل الثاني من الكتاب فيسلمه الكاتب الى معالجة بعض الأفات التي ابتلي بها العمل الإسلامي في الفترة السابقة بطريقة تربوية تذكّرنا بأسلوب المفكر والداعية المعروف الشيخ محمد أحمد الراشد في الكتابة لأبناء الصحوة الإسلامية ، فإلى الكتاب ..

- 1-

ما قبل انقلاب عام 1992

" أن يا قوم توبوا إلى رشدكم ، فإنّ البديل عن الجبهة هو أن تجدوا أنفسكم وجها لوجه مع الشعب بكل فئاته ، فمن لم يرض برحمة أبي بكر يبتلى بشدة أبي بصير ، وفي كلّ خير ، ولكل مقام رجال ، والجميع يد للحق على من سواهم من أهل الباطل " .

[نداء من محمد السعيد أحد القيادات الإسلامية البارزة ، من أحد مساجد العاصمة إلى السلطات الرسمية في 5/7/1991 ، بعد قتل العشرات واعتقال القيادات من جبهة الإنقاذ]

يشير الكاتب على عجل إلى دور الشيخ عبد الحميد بن باديس وجمعية العلماء المسلمين ، والمفكر الكبير مالك بن نبي في بعث إشعاعات الصحوة الإسلامية في الجزائر، ثم يشير إلى ازدهار ونشاط العمل الإسلامي في السبعينات مما أدّى إلى تشكل جيل "رسالي" يؤمن بضرورة بعث الحياة الإسلامية من جديد على أسس إسلامية في مواجهة الفكر التغريبي الذي كانت تتبناه الفئة الحاكمة المدعومة من الجيش، والتي ألغت أي دور للشعب وأجهضت محاولات تبني أي خيار اجتماعي وسياسي حر.

ويذكر المؤلف بعض مسائل الخلاف بين طوائف العمل الإسلامي في الجزائر في فترة السبعينات إلاّ أنّه يقرر أنّ هذا الخلاف بقي هامشيا مع إصرار هذه الطوائف على تجاوزه حرصا على التمكين، وقد اختارت بعض الحركات الإسلامية خيار المواجهة المباشرة مع الحكم كما فعل محفوظ النحناح –رحمه الله- الذي أسس عام 1976 جماعة الموحدين ، وبعث برسالة شديدة اللهجة إلى بومدين بعنوان " إلى أين يا بومدين ؟ "، اقتيد إلى السجن على أثرها، وقبل ذلك أسس الشيخ البشير الإبراهيمي جمعية القيم إلاّ أنّ السلطة أغلقتها ووضعت المؤسس تحت الإقامة الجبرية حتى توفي.

شهد العمل الإسلامي في بدايات الثمانينات دفعا حيويا وازديادا ملحوظا، واحتضنت الجامعة المركزية بالعاصمة عام 1982، اجتماعا لعدد كبير من الدعاة المعروفين وجهوا من خلاله رسالة إلى الرئيس الجزائري بن جديد، أدّت بعدد كبير منهم إلى غياهب السجن، أفرزت تلك السياسات السلطوية بروز منهجية العمل المسلّح، ويمثّل مصطفى بوعلي أحد نماذجه حيث قام بعمليات مسلحة إلى أن قتل في كمين عام 1987.

بيد أنّ العمل الإسلامي انتقل إلى مرحلة جديدة مختلفة في طبيعتها مع ظهور إرهاصات الانتخابات النيابية بعد وصول النظام إلى طريق مسدود من خلال السياسات التي كان يتبنّاها وأوصلت البلاد إلى أزمات اقتصادية وسياسية خانقة، هذه الإرهاصات والتحولات السياسية ومناهج التعامل معها أنتجت عدة حركات إسلامية تباينت في تقرير كيفية ووجهة التعامل مع الواقع الجديد، إذ ظهرت جمعية الإرشاد والإصلاح الواجهة لجماعة الأخوان المسلمون عام 1989، وكذلك الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ في نفس العام، وتمّ الإعلان عن تأسيس رابطة الدعوة الإسلاميّة بقيادة أحمد سحنون إلاّ أنّ المشاكل الداخلية قادتها إلى قيام حركتين منفصلتين: حركة المجتمع المسلم بقيادة النحناح ، وحركة النهضة الإسلامية بقيادة عبدالله جاب الله.

استطاعت الجبهة الإسلامية للإنقاذ اجتياح الانتخابات البلدية، تلا ذلك نقاش موسع بينها وبين السلطة عام 1990 حول قانون الانتخابات الذي أعدته السلطة لتفادي فوز متوقع للجبهة بمقاعد البرلمان، وقامت قوات الأمن بمهاجمة اعتصام عام 1991ضمّ عددا كبيرا بينهم قيادات الجبهة مما أدى إلى مقتل عشرات الأشخاص واعتقالات طالت القيادات، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع الجبهة من الفوز الكاسح بانتخابات الدور الأول وظهور مؤشرات على نتائج مشابهة في الدور الثاني، الأمر الذي أدى إلى تدخل الجيش عام 1992، وإلغاء الانتخابات، واعتقال قيادات الجبهة والعودة إلى خيار العسكر في الحكم والتسلط ، مما قاد إلى دوّامة العنف الرهيب فيما بعد ..

- 2 -

دوّامة العنف ، وطريق الضياع

" وعلى غرار جمال زيتوني لا يعرف لعنتر زوابري تأصيل في الشرع ولا سابقة في المجال الدعوي ، غير كونه من التيار التكفيري المنطوي على نفسه، والذي يعد أكثر عناصره من الجيل الجديد الذي ركب موجة الصحوة الإسلامية، وقفز على مراحل الدعوة بل ومن المشتبه في عدد منهم .. "

[المؤلف في نقده لقيادة الجماعة الإسلامية المسلحة]

اختارت حركة حماس (حركة مجتمع السلم "حمس" لاحقا ، الواجهة السياسية للأخوان) بقيادة النحناح تعزيز مواقعها داخل المؤسسات الانتقالية أثر الانقلاب، بينما بقيت حركة النهضة بقيادة جاب الله مترددة بين المضي في المعارضة و مغامرة المشاركة في مؤسسات السلطة الانتقالية، توج خط المعارضة بتشكيل مجموعة العقد الوطني عام 1995، وانقسمت الحركة إلى تيارين الأول بقيادة جاب الله ويتبنى خيار المعارضة وهو "حركة الإصلاح الوطني "، والثاني بقيادة نائبه الحبيب أدمي الذي يتبنى المشاركة.

=== يتبع ===

اليقظان
07-09-2003, 11:22 PM
بينما كانت الجبهة تفكر بالعمل السري ردا على اعتقال قياداتها والعنف الكبير المستخدم من النظام ضدها، يرصد الكاتب معلومات في تلك الفترة عن تجهيز معتقلات في الصحراء لتستقبل ألاف الشباب المتدين في إشارة واضحة للنية المبيتة للنظام، اتسمت عمليات الجبهة في البداية بالمحدودية، وفاجأت العمليات المسلحة التي كانت في البداية - من قبل مجموعات مسلحة محلية - الجميع بحجمها وقوتها ، وبدأت نشاطات الجماعة الإسلامية المسلّحة ( التي اشتهرت فيما بعد باسم الجيا ) وقد تشكلت بداية من مجموعات منظمة محليا في ضواحي العاصمة لتتحول فيما بعد الى تنظيم كبير ، قام بسلوكيات خطيرة، و أصبحت في طبيعة تكوينها ونشاطاتها اللاّشرعيّة لغزا حقيقيا ، وهنا يشير الكاتب إلى الثالوث الخطير - إن أحسنت فهمه - المشكّل من الجيا، والإعلام الفرنسي الذي لمّعها وسلّط الضوء على بياناتها وتجاهل الطوائف الأخرى، و قيادات الجيش التي كانت تمعن في الاستفزاز وتتجاهل محاولات الحوار سعيا لإيجاد التبريرات لضرب الحركات الإسلامية واقتلاعها من جذورها، فهذه الأطراف الثلاث ساهمت في إغراق البلاد والعباد في حمامات من الدماء وحالة من البؤس العام.

ويقدم الكاتب تحليلا لتطور الأوضاع خلال مرحلة العنف، وعملية توحد الجبهة الإسلامية للإنقاذ تحت لواء الجماعة الإسلامية المسلحة و ظروف ذلك، ثمّ تطور الأوضاع داخل الجيا تحت قيادة جمال زيتوني والذي قاد الجماعة إلى ارتكاب مجازر دموية بحق الأبرياء بل وتصفية قيادات جبهة الإنقاذ وفي مقدمتهم محمد السعيد وعبد الرزاق رجام ومن قبلهما محمد أبو سليماني (رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح)، حيث بدأت الجماعة تتخذ خطا استعراضيا بعد ظهور جيش الإنقاذ بانفصال جبهة الإنقاذ عن الجيا، ولم يخلف زيتوني إلاّ من هو أكثر دموية منه عنتر زوابري الذي تمسك بأخر قرار أصدره زيتوني وهو قتل جميع الشباب الجزائري الذي يتراوح سنّه بين 21 إلى 35 سنة ، ولم يلتحق بصفوف الجيا.

كما يشير الكاتب إلى تقريب جمال زيتوني لعناصر مشبوهة وتمكينها من الوصول إلى مراكز قيادية ، وكذلك عناصر محسوبة على تيار التكفير "ويغلب عليها طابع الجهل والأميّة الشرعيّة والفكرية ، وبعضها الأخر لا يعرف أصل و لا سابقة"، بينما دعت جماعات إسلامية إلى وقف القتال مثل مدني مزراق ( أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ ) ، فإنّ الملاحظ أنّ عمليات الجيش الجزائري في المطاردة تركزت عليها ولم تتركز ضد الجيا .

ويتطرق الكاتب إلى موضوع الهدنة بين مدني مزراق ( أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ ) وقيادات الجيش، وما نتج عنها من الإفراج عن قيادة الإنقاذ عبد القادر حشاني والذي اغتيل بظروف غامضة ، وعباس مدني والأخر سرعان ما وضع تحت الإقامة، بينما بقي علي بلحاج داخل السجن. فلم تفرز الهدنة المعقودة أية نتائج سياسية حقيقية ولا ما كان يشاع عن برنامج سياسي إصلاحي، وخيبت أمال أبناء الجبهة الذين لم يستفيدوا من الهدنة إلاّ عملية العفو العام، وما يسمى ببرنامج تأهيل اجتماعي لم تكن حيثياته أقل بؤسا من الواقع الجزائري المتدهور. ثم يطرح الباحث مجموعة من التساؤلات مرتبطة بالجدال الدائر بين الإسلاميين حول الهدنة المعقودة ..

- 3 -

نحو الاستدراك والمراجعة ومواجهة الأفات

" إنّ عناصر إسلامية تورطت في أنواع القتل بالشبهة والتشهي واستهدفت أبرياء عزّلا، وليس من الإنصاف ولا العدل إنكار التجاوزات أو التنكر لها، صحيح أنها لا تقارن بحجم التعدي والسطو والوحشية التي مارستها وتمارسها الجماعة المسلحة ( الجيا ) أو المنشقين عنها ( ممن لم يلتزموا بالهدنة ) إلاّ أنها لم تسلم من بعض العمليات المشبوهة "

[المؤلف]

يتطرق الكاتب فيما بعد إلى ضرورة المراجعة والتقويم، والاستدراك على الخطايا السابقة التي ارتكبت وجرّت البلاد إلى هذه الحالة الرهيبة، بل ويذهب الكاتب إلى اكثر من ذلك عندما يدعو الجماعات الإسلامية التي تورطت في أعمال قتل إلى الاعتذار للشعب والاعتراف بالخطأ، وبشير إلى وجود مجموعة من القيادات الدعوية اليوم في الجزائر تعلمت من السابق، وتسعى إلى تجاوز أخطاء المرحلة السابقة، وتأسيس خطاب إسلامي أكثر توازنا ومبتعدا عن التقديس للأطر الحزبية والتنظيمية، والالتفاف حول المباديء والأفكار لا حول المشايخ والزعامات، والانتقال من دائرة الخطاب الفئوي الضيق إلى مخاطبة الأمة والقيام بالوظيفة الحضارية الإسلامية من الدعوة والإصلاح .

ويستأنف الكاتب في الفصل الثاني من الدراسة بأسلوب شيّق الحديث عن الأمراض السابقة والدعوة إلى التصحيح ، مستخدما منهج تربوي يستند إلى قواعد إسلامية راسخة مأخوذة من هدي الرسول ( صلى الله عليه وسلّم ) ومن مناهج وسير السلف الصالح ، ويركز المؤلف في فترات طويلة من حديثة على ظاهرة تقديس المشايخ ، ورفض النقد ، والتشكيك بالمخالف ، والانقاص من قدرة القواعد على التفكير والمشاركة في صنع القرار ، كما و يدعو إلى التجديد في ميدان العمل ونبذ الجمود ، ثم ينهي الفصل بحديث عن حصاد التجربة الإسلامية في الجزائر يلخّص ما سبق.

- 4 -

وبعد،

" إنّ الحركة الإسلامية في حاجة إلى بعث روح جديدة ، وفكر جديد ، وأخلاقيات جديدة ، وعلى أكثر من صعيد ، وصحيح أنّ هناك فروقات معينة بين كل فصيل وآخر ، إلاّ أنّ جوهر الداء ستجده عند الجميع بدرجات مختلفة، بحكم أنّ المناخ العام الذي نعيشه والخبرات التي أسسنا عليها حركيتنا - هو من المشترك العام بيننا ، وأملنا أن تكون الانتكاسات المتتالية التي مرت بها الحركة ، والهشاشة العجيبة في محصلة جهدها في المجتمع على مدار أجيال طويلة - أملنا أن يكون هذا كله دافعا وحافزا يضطرها لفتح أبوابها أمام هذه الروح الجديدة .. "

[جمال سلطان ، الحركة الإسلامية هموم وأمال ، مجلة المنار الجديد ،يوليو 1999 ، ص7]

إنّ كتاب خالد حسن يمتاز بجرأة مطلوبة في طرح رؤية إصلاحية، أخذت طابعا نقديا تجاوزيا في قراءة المرحلة السابقة من تجربة العمل الإسلامي الحركي في الجزائر، ولا يكتفي المؤلف بمراجعة المسيرة بل ويقدم رؤية مقترحة لتجاوز الأزمة والاستدراك على الأخطاء، ومن الجدير بالذكر أنّ مؤلف الكتاب أحد الدعاة العاملين في حقل العمل الإسلامي في الجزائر، ومن المتمرسين في العمل الإعلامي الإسلامي، وشتان شتان بين النقد عندما يأتي من الداخل ومن المتوجع المشفق وبين النقد عندما يقصد به أن يكون سوطا للجلد والذم.

وإذا كان الكتاب قد خصص للتجربة الجزائرية فمن الممكن أن تستفيد منه التجارب الإسلامية الأخرى خاصة التي دخلت معمعة العمل المسلح دون وجود الموازنات الشرعية والموضوعية، و لا تخلو كثير من الحركات الإسلامية من الأمراض والأفات التي ذكرها الكاتب بالنقد والمعالجة، ومن هنا فإنّ فائدة الكتاب عامة وليست خاصة يمكن للدعاة الاستفادة منها في أماكن مختلفة.

http://www.alasr.ws/index.cfm?fuseaction=content&contentid=4297&categoryID=32 (http://)

أبو مصعب المكي
07-10-2003, 12:45 AM
نعم العنف لا يأتي ولن يأتي بحل للمشكلة ...


فالجزائر خاضت تجربة فريدة نتعلم منها الكثير ..


ومن الحلول للمشكلات ...

أولاً / إزالات المسببات فليس هناك مشكلة ليس لها سبب.

ثانياً /ربط الناس بالعلماء الربانيين .

ثالثاً /إيجاد محاضن تربوية شرعية يتربى الناس فيها على العلم الشرعي الصحيح...



شكر الله لك أخي الغالي هذا النقل والمشاركة الهادفة:)