المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحركات النسوية ..إرهاب من نوع آخر


المختار
04-08-2003, 12:05 AM
الحركات النسوية ..إرهاب من نوع آخر

د. محمد يحيى *
لازال الجميع يتحدثون عن الإرهاب ويقصدون به الإرهاب الإسلامي الذي اخترعته الأنظمة ثم نقلته عنها أمريكا لكي تبرر به ما تتخذه من سياسات هي الإرهاب الحقيقي بعينه!. لكن الإرهاب الحقيقي يتخذ أشكالا عديدة تتراوح من إرهاب الصهيونية، إلى إرهاب الأمريكان إلى إرهاب الأنظمة والحكومات والإرهاب العلماني، والإرهاب الذي تمارسه وبشكل البلطجة الصريحة تلك الاتجاهات الممولة من الخارج، والتي أصبحت تعرف باسم الحركات النسوية والتي تدعي كذبا شعارات تحرير المرأة ومساواتها.. الخ
وفي آخر حركات ذلك الإرهاب النسوي وهو في حقيقته إرهاب علماني غربي؛ لأنه مدعوم ومسنود بأموال وإعلام وسياسة الدول الغربية ومعها يا للعجب بعض الكنائس الغربية، فقد كانت حركة الدفع بمشروع ما سمي بمحكمة الأسرة، والتي أبرز أسسها تعيين النساء في الوطن العربي قاضيات بتلك المحاكم بحجة أنهن أدرى بأمور الأحوال الشخصية والزواج والطلاق والحضانة والميراث التي قيل إنها سوف تعهد إلى هذه المحاكم، وهذا التلاعب الفاضح بالعدالة هو الكاشف عن الطابع البلطجي لإرهاب النسوة، لقد جعلت تلك الحركة في الفترة الأخيرة من مسألة تعيين المرأة قاضية مسألة قوية لها الأولوية القصوى، وشغلوا بها الناس وفرضوها دون سائر القضايا العربية والقومية الخطيرة باعتبارها وحدها ما يجب أن يستحق الاهتمام والنضال والحركة والفكر، صحيح أن هذه العملية كانت مدفوعة باعتبار لفت الأنظار، بعيداً عن القضايا العربية الكبرى والمشاكل والمشاغل الحقيقية، وصحيح أنه قصد بها التعمية والتعتيم على مشاكل خطيرة وكبيرة تعج في ساحة المجتمع العربي، وعن طرح هذه المسألة من خلال الإعلام والجهات السياسية، فقد وصل إلى حد أن فرضت مثلا كقضية كبرى في مؤتمرات قمة المرأة العربية، وعقدت لها الندوات، وحشدت لها الفتاوى من الشخصيات التي أصبح لا هم لها الآن سوى إثبات أن الإسلام هو الدين الذي يبيح كل شيء، وأي شيء تحت شعار التيسير والتطوير لمواكبة العصر.. طرحت على الناس إذن قضية وضع نساء على منصة القضاء بأي ثمن، وبصرف النظر عن التفاصيل على أنها القضية الوحيدة في البلاد تجاهلا لكل القضايا الأخرى، وفرضوها على الإعلام وعلى الساحة السياسية وأوحوا للناس أنها هي الحل لكل بلاء والبلسم الشافي من كل داء، وأنها الهدف الذي تستحق الشهادة والتضحية بكل غال ونفيس من أجله، وبعد هذا الطرح الإرهابي في جوهره؛ لأنه فرض على الناس فرضا، ونحيت من أجله قضاياهم الحقيقية، ولم يسمح لصوت مخالف بالنفاذ من سوره وأخذوا يعدون الوسائل لتنفيذ مخططهم في وجه معارضة الهيئات القضائية المستقلة.

تناقض مفضوح

ومن هنا اخترعوا مسألة محكمة الأسرة في بعض الدول العربية، والتي يعهد إليها بكل النزاعات المثارة في محيط الأسرة، وجعلوا أساسها يقوم على قاضيات تساعدهن خبيرات اجتماعيات، بحجة تقول إنهن الأقدر على فهم هذه المسائل من الرجال، وهذا الطرح المتناقض هو في حد ذاته نوع من الإرهاب المستمر.
إنهم بذلوا الجهد الكثير لإثبات أنه لا توجد مساواة بين الرجل والمرأة في كل شيء، وأن النساء قادرات على القيام بكل الأعمال والأفكار التي يقوم بها الرجال، ولكن ها هم وفي سبيل فرض تعيين النساء قاضيات يناقضون هذه الفكرة من أساسها، عندما يقولون بأن هناك أمورا تفهمها النساء القاضيات أفضل من الرجال القضاة، رغم أن الجميع يطبقون قانونا واحدا وفق إجراءات ولوائح وأدوات معروفة ومتاحة للجميع، ورغم أن الجميع يشاركون في الحياة الأسرية التي لا تقتصر على النساء وحدهن.. إذن الإرهاب النسوي يصل إلى نفس النتيجة التي كانوا يدعون أنهم يرفضونها عند الرجال، وهي الزعم أن الرجال يفهمون في أمور لا تفهم النساء عنها شيئا، لكن هذا التناقض وهذا الزعم مر دون أن يلاحظ أحد أو يعترض أحد؛ لأنه يصب في خانة المسألة التي حولها البعض إلى قضية قومية من الطراز الأول.

عدالة الإرهاب النسوي

والسؤال هو: ماذا يتبقى من مفهوم العدالة عندما يروج البعض ومن المسئولين في وزارات العدل العربية لمشروع إنشاء محاكم يحكم فيها قضاة من جنس بعينه، وبحجة معلنة هي أنهن الأقدر على فهم أمور الأسرة دون الرجال, وأية عدالة تنتظر من هذا الوضع الذي ينتقي فيه القاضي لا لأنه يحسن تطبيق القانون ونظر القضايا وفرز الحجج وموازنتها، ولكنه لأنه ينتمي إلى جنس معين، ولأن البعض يقول إن هذا الجنس هو الأدرى بشئون الأسرة، وكأن المسألة هنا ليست نظر قضية وبحث مشكلة وإنما دراية مزعومة بشئون الأسرة، ولست أدري لماذا لا يكون الرجل أدرى بشئون الأسرة وهو مشارك في كل خطواتها وحالاتها؟ ولماذا تكون الدراية بشئون الأسرة "وهي على أي حال ليست ضمن نقاط البحث هنا " هي المحك لتعيين قاضيات سوف ينتمين -بطبيعة أحكامهن- إلى دائرة ما يسمى بالحركة النسوية ومفاهيمها العلمانية المتغربة وسوف يملن في أحكامهن، وبحكم هذه المفاهيم إلى طرف في النزاع دون غيره، بعيدا عن أحكام الشريعة الإسلامية وحتى عن أحكام قوانين الأحوال الشخصية القائمة في كثير من بلادنا العربية، وعندئذ سوف يجري التهليل لهذه الأحكام باعتبارها إجراءات عظيمة تحقق مصلحة المرأة من وجهة النظر النسوية، فأية عدالة تلك، أليس هذا هو عين الإرهاب؟


--------------------------------------------------------------------------------
*مفكر إسلامي وأستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة.