سمير عبد الله
10-07-2005, 02:05 PM
العلمانية.. وحكم الجاهلية
حاول أعداء الإسلام ـ من يهود صهيونيين، ونصارى صليبيين، وغيرهم ـ حاولوا القضاء على الإسلام عن طريق نشر الإلحاد.. وفشلوا.. وحاولوا صرف الناس عن الإسلام عن طريق الشيوعية.. وفشلوا.. وأحس الأعداء اليأس من هذا الدين ولكنهم، بعد التفكير والتدبير، لجأوا إلى طريقة أخبث، وحيلة أمكر..
لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع تتزيا بزي الإسلام، وتتمسح في عقيدته، ولا تنكر الدين جملة، بل تعلن إيمانها به إيماناً نظرياً، واحترامها له كعقيدة في الحنايا، وشعائر تؤدي في المساجد، أما ما وراء ذلك من شؤون الحياة فمرده ـ بزعمهم ـ إلى إرادة الأمة الحرة الطليقة التي لا تقبل سلطاناً عليها من أحد.. وكانت هذه هي خدعة "العلمانية" التي تخفى النظم اللادينية حقيقتها وراء لافتتها، لتُقْصي شريعة الله عن الحياة، وتحكم الأمة بغير ما أنزل الله، ولما كانت حقيقة هذه العلمانية تخفى على كثير من المسلمين، فإنه من واجبنا أن نفضح هذه العلمانية، عبر نظرة نلقيها على واقعها لنراها على حقيقتها ونتبين ما هي العلمانية؟ وكيف نشأت؟.. لمن حق التشريع المطلق في نظمها؟ وما هي الشريعة التي تحمل الأمة على التحاكم إليها؟
العلمانية.. التعريف والنشأة:
لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة Secularism في الإنجليزية، أو Secularite بالفرنسية، وهي كلمة لا صلة لها بلفظ العلم ومشتقاته على الإطلاق.. والترجمة الصحيحة للكلمة هي اللادينية أو الدنيوية، لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد !!.
وفي دائرة المعارف البريطانية مادة Secularism: هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها..
وهل الدينا والآخرة طريقان منفصلان؟! وهل هذه لإله وتلك لإله؟! وهل الإله الذي يحكم الدنيا، غير الإله الذي يحاسب الناس يوم القيامة؟!
ولذلك فإن المدلول الصحيح لكلمة "العلمانية" هو: فصل الدين عن الدولة.. أو هو إقامة الحياة على غير الدين، سواء بالنسبة للأمة أو للفرد، ثم تختلف الدول أو الأفراد في موقفها من الدين بمفهومه الضيق المحدود، فبعضها تسمح به، وتسمى العلمانية المعتدلة، فهي ـ بزعمهم ـ لا دينية ولكنها غير معادية للدين، وذلك في مقابل المجتمعات الأخرى المضادة للدين.. وبدهي أنه لا فرق في الإسلام بين المسميين، فكل ما ليس دينياً من المبادئ والتطبيقات فهو في حقيقته مضاد للدين، فالإسلام واللادينية نقيضان لا يجتمعان. ولا واسطة بينهما.
وإذن فالعلمانية دولة لا تقوم على الدين، بل هي دولة لا دينية، تعزل الدين عن التأثير في الدنيا، وتعمل على قيادة الدنيا في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والقانونية وغيرها بعيداً عن أوامر الدين ونواهيه.
والعلمانية دولة لا تقبل الدين إلا إذا كان علاقة خاصة بين الإنسان وخالقه بحيث لا يكون لهذه العلاقة أي تأثير في أقواله وأفعاله وشؤون حياته.
ولا شك أن المفهوم الغربي العلماني للدين، على أنه علاقة خاصة بين العبد والرب، محلها القلب، ولا علاقة لها بواقع الحياة.. جاء من مفهوم كنسي محرف، شعاره "أد ما لقيصر لقصير، ما لله لله"، ومن واقع عانته النصرانية خلال قرونها الثلاثة الأولى، حين كانت مضطهدة مطاردة من قِبل الإمبراطورية الرومانية الوثنية، فلم تتمكن من تطبيق شريعتها، واكتفت بالعقيدة والشعائر التعبدية ـ اضطراراً ـ واعتبرت ذلك هو الدين وإن كانت لم تتجه إلى استكمال الدين حين صار للبابوية سلطان قاهر على الأباطرة والملوك، فظل دينها محرفاً لا يمثل الدين السماوي المنزل. فلما جاءت العلمانية في العصر الحديث وجدت الطريق ممهداً، ولم تجد كبير العناء في فصل الدين عن الدولة، وتثبيت الدين على صورته الهزيلة التي آل إليها في الغرب..
وإذن فالعلمانية، رد فعل خاطئ لدين محرف وأوضاع خاطئة كذلك، ونبات خرج من تربة خبيثة ونتاج سيئ لظروف غير طبيعية.. فلا شك أنه لم يكن حتماً على مجتمع ابتلى بدين محرف أن يخرج عنه ليكون مجتمعاً لا دينياً بل الافتراض الصحيح هو أن يبحث عن الدين الصحيح..
فإذا وجدنا مجتمعاً آخر يختلف في ظروفه عن المجتمع الذي تحدثنا عنه، ومع ذلك يصر على أن ينتهج اللادينية ويتصور أنها حتم وضرورة فماذا تحكم عليه؟.. وكيف يكون الحكم أيضاً إذا كان المجتمع الآخر يملك الدين الصحيح.. فقط نثبت السؤال، ونترك ـ لا نقول لكل مسلم ـ بل لكل عاقل الإجابة عليه؟
أما نحن فنكرر هنا أنه لا يوجد دين جاء من عند الله هو عقيدة فقط، والدين الذي هو عقيدة فقط أو عقيدة وشعائر تعبدية، دون شريعة تحكم تصرفات الناس في هذه الأرض، هو دين جاهلي مزيف لم يتنزل من عند الله.
العلمانية.. وحق التشريع المطلق:
في مسلسل نبذ الشريعة الإسلامية، وفصل الدين عن الحياة في ديار الإسلام، كانت الحلقة الأخيرة هي النص في دساتير الدول (الإسلامية) على تقرير حق التشريع المطلق للأمة ـ الأمة في الإسلام لا تملك حق التشريع المطلق، ولكن الشرع فوض إليها ـ في حدود ضوابط معينة ـ الحق في اختيار أئمتها ليسوسوا أمورها على مقتضى الكتاب والسنة ـ ونصت بعض هذه الدساتير على اعتبار رئيس الدولة جزءاً أصيلاً من السلطة التشريعية، واكتفى بعضها الآخر بالنص على الحقوق التي يمارسها رئيس الدولة في مجال التشريع وهي حق الاقتراح، وحق الإصدار وحق الاعتراض أو التصديق.
ومن الأولى:
- دستور المملكة الأردنية الهاشمية الذي ينص في المادة 25 على أنه: تناط السلطة التشريعة بمجلس الأمة والملك.
- والدستور السوداني الذي ينص في المادة 80 على أنه: رئيس الجمهورية هو رأس الدولة ويتولى السلطة التنفيذية، ويشارك في السلطة التشريعة.
- ودستور البحرين الذي ينص في المادة 42 على أنه: لا يصدر قانون إلا إذا أقره المجلس الوطني ووافق عليه الأمير.
ومن الدول التي اكتفت على النص على الحقوق التي يمارسها رئيس الدولة في مجال التشريع.. دستور مصر المادة 109: لرئيس الجمهورية حق الاقتراح، والمادتان 112، 113: تنظمان حق رئيس الجمهورية في التصديق على القوانين والاعتراض عليها.
- والمملكة المغربية ينص دستورها على: للملك حق الإصدار.. وينص في الفصل 44: يصدر القانون عن مجلس النواب بالتصويت.
- ودستور الجزائر ينص: رئيس الجمهورية يصدر القوانين (المادة 154) وينص في المادة 5: السيادة الوطنية ملك الشعب.
- والدستور الكويتي ينص في المادة 6: نظام الحكم في الكويت ديمقراطي السيادة وللأمة مصدر السلطات جميعاً.. ويقول في المادة 51: السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة.
والمسلمون يعرفون أن: الأمة في الإسلام لا تملك أن تحل ما تشاء وتحرم ما تشاء، كما هو الحال في الفكر الغربي الذي أخذ هؤلاء عنه دساتيرهم.
- ونفس هذا التقرير ـ تقرير السيادة والتشريع للأمة أو الشعب، واعتبار رئيس الدولة جزءاً من السلطة التشريعية ـ نفس هذا التقرير منصوص عليه في الدستور السوري (المادة 110)، والدستور الليبي (المادة 18، 20)، والدستور التونسي (المادة 38، 44)، والدستور العراقي (المادة 41، 51، 44)، والدستور اليمني (المادة 92)، ودستور دولة الإمارات (المادة 110، 47، 54).
وفي كل تلك الدول تتجسد السيادة التي قررتها الدساتير للأمة أو الشعب في ثلاثة مظاهر رئيسية:
الأول: السلطة التشريعية: ودورها سن القوانين التي يتحاكم إليها في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شؤون الحياة.
الثاني: السلطة التنفيذية: ووظيفتها المحافظة على النظام العام والسهر على حماية القوانين.
الثالث: السلطة القضائية: ووظيفتها حل المنازعات والفصل في الخصومات وفقاً للقوانين الصادرة من السلطة التشريعية.
وإذن فالأنظمة العلمانية تقر بالسيادة المطلقة للأمة، وتنص في دساتيرها على أن القانون هو التعبير على إرادتها المطلقة.. فالأمة ـ بزعمهم ـ هي التي تقرر الشرائع التي تحكم بها، وحقها في ذلك بلا حدود !!.
ولا شك أن هذا في حقيقته هو الإقرار بحق التشريع المطلق للأمة لا ينازعها فيه منازع، ولا يشاركها فيها شريك.. فما تحله هو الحلال وإن اجتمعت على حرمته كافة الشرائع السماوية، وما تحرمه هو الحرام وإن اتفق على حله كل دين جاء من عند الله..
ذلك أن الأمة في الأنظمة العلمانية هي مصدر التشريع، وما يصدر عنها هو القانون.. والقانون ليس بنصيحة، ولكنه أمر، وهو ليس أمراً من أي أحد، ولكنه أمر صادر فقط ممن يدان له بالطاعة وموجه إلى من تجب عليه تلك الطاعة.
وإذا كان سلطان الأمة يتجسد في السلطة التشريعية، والتنفيذية، والقضائية فإنه لا يوجد قانون بالمعنى الصحيح إلا إذا صدر عن السلطة التشريعية في الحدود التي رسمها الدستور، وكلتا السلطتين التشريعية والقضائية بهذا الاعتبار مشتركان في الخضوع لسيد الكل.. ألا وهو الدستور.. الذي يجب أن يحنى الجميع أمامه رؤوسهم صاغرين.
وتأمل معي هذه الكلمات، وقل معي رحم الله ابن تيمية حين قال: "إن الإنسان أمام طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يختار العبودية لله.. وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله.
· - العلمانية.. وكيف تحكم؟
للقانون في ظل العلمانية مصادر مادية، ومصادر رسمية، فأما المصادر المادية فهي التي تغترف منها مادة القانون، وهي متعددة ومتنوعة، ولا تفيد هذه المصادر في معرفة ما إذا كانت هناك قاعدة قانونية أم لا، لأن القاعدة القانونية لا تعتبر إلا إذا توفر لها عنصر الإلزام الذي يضيفه عليها المصدر الرسمي.
فالمصادر الرسمية هي التي يستمد منها القانون إلزامه، وسطوته وسلطانه.. والمصادر الرسمية للقانون المصري هي:
- التشريع.
- العرف.
- مبادئ الشريعة الإسلامية.
- مبادئ القانون الطبيعي.
- قواعد العدالة.
حاول أعداء الإسلام ـ من يهود صهيونيين، ونصارى صليبيين، وغيرهم ـ حاولوا القضاء على الإسلام عن طريق نشر الإلحاد.. وفشلوا.. وحاولوا صرف الناس عن الإسلام عن طريق الشيوعية.. وفشلوا.. وأحس الأعداء اليأس من هذا الدين ولكنهم، بعد التفكير والتدبير، لجأوا إلى طريقة أخبث، وحيلة أمكر..
لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع تتزيا بزي الإسلام، وتتمسح في عقيدته، ولا تنكر الدين جملة، بل تعلن إيمانها به إيماناً نظرياً، واحترامها له كعقيدة في الحنايا، وشعائر تؤدي في المساجد، أما ما وراء ذلك من شؤون الحياة فمرده ـ بزعمهم ـ إلى إرادة الأمة الحرة الطليقة التي لا تقبل سلطاناً عليها من أحد.. وكانت هذه هي خدعة "العلمانية" التي تخفى النظم اللادينية حقيقتها وراء لافتتها، لتُقْصي شريعة الله عن الحياة، وتحكم الأمة بغير ما أنزل الله، ولما كانت حقيقة هذه العلمانية تخفى على كثير من المسلمين، فإنه من واجبنا أن نفضح هذه العلمانية، عبر نظرة نلقيها على واقعها لنراها على حقيقتها ونتبين ما هي العلمانية؟ وكيف نشأت؟.. لمن حق التشريع المطلق في نظمها؟ وما هي الشريعة التي تحمل الأمة على التحاكم إليها؟
العلمانية.. التعريف والنشأة:
لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة Secularism في الإنجليزية، أو Secularite بالفرنسية، وهي كلمة لا صلة لها بلفظ العلم ومشتقاته على الإطلاق.. والترجمة الصحيحة للكلمة هي اللادينية أو الدنيوية، لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد !!.
وفي دائرة المعارف البريطانية مادة Secularism: هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها..
وهل الدينا والآخرة طريقان منفصلان؟! وهل هذه لإله وتلك لإله؟! وهل الإله الذي يحكم الدنيا، غير الإله الذي يحاسب الناس يوم القيامة؟!
ولذلك فإن المدلول الصحيح لكلمة "العلمانية" هو: فصل الدين عن الدولة.. أو هو إقامة الحياة على غير الدين، سواء بالنسبة للأمة أو للفرد، ثم تختلف الدول أو الأفراد في موقفها من الدين بمفهومه الضيق المحدود، فبعضها تسمح به، وتسمى العلمانية المعتدلة، فهي ـ بزعمهم ـ لا دينية ولكنها غير معادية للدين، وذلك في مقابل المجتمعات الأخرى المضادة للدين.. وبدهي أنه لا فرق في الإسلام بين المسميين، فكل ما ليس دينياً من المبادئ والتطبيقات فهو في حقيقته مضاد للدين، فالإسلام واللادينية نقيضان لا يجتمعان. ولا واسطة بينهما.
وإذن فالعلمانية دولة لا تقوم على الدين، بل هي دولة لا دينية، تعزل الدين عن التأثير في الدنيا، وتعمل على قيادة الدنيا في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والقانونية وغيرها بعيداً عن أوامر الدين ونواهيه.
والعلمانية دولة لا تقبل الدين إلا إذا كان علاقة خاصة بين الإنسان وخالقه بحيث لا يكون لهذه العلاقة أي تأثير في أقواله وأفعاله وشؤون حياته.
ولا شك أن المفهوم الغربي العلماني للدين، على أنه علاقة خاصة بين العبد والرب، محلها القلب، ولا علاقة لها بواقع الحياة.. جاء من مفهوم كنسي محرف، شعاره "أد ما لقيصر لقصير، ما لله لله"، ومن واقع عانته النصرانية خلال قرونها الثلاثة الأولى، حين كانت مضطهدة مطاردة من قِبل الإمبراطورية الرومانية الوثنية، فلم تتمكن من تطبيق شريعتها، واكتفت بالعقيدة والشعائر التعبدية ـ اضطراراً ـ واعتبرت ذلك هو الدين وإن كانت لم تتجه إلى استكمال الدين حين صار للبابوية سلطان قاهر على الأباطرة والملوك، فظل دينها محرفاً لا يمثل الدين السماوي المنزل. فلما جاءت العلمانية في العصر الحديث وجدت الطريق ممهداً، ولم تجد كبير العناء في فصل الدين عن الدولة، وتثبيت الدين على صورته الهزيلة التي آل إليها في الغرب..
وإذن فالعلمانية، رد فعل خاطئ لدين محرف وأوضاع خاطئة كذلك، ونبات خرج من تربة خبيثة ونتاج سيئ لظروف غير طبيعية.. فلا شك أنه لم يكن حتماً على مجتمع ابتلى بدين محرف أن يخرج عنه ليكون مجتمعاً لا دينياً بل الافتراض الصحيح هو أن يبحث عن الدين الصحيح..
فإذا وجدنا مجتمعاً آخر يختلف في ظروفه عن المجتمع الذي تحدثنا عنه، ومع ذلك يصر على أن ينتهج اللادينية ويتصور أنها حتم وضرورة فماذا تحكم عليه؟.. وكيف يكون الحكم أيضاً إذا كان المجتمع الآخر يملك الدين الصحيح.. فقط نثبت السؤال، ونترك ـ لا نقول لكل مسلم ـ بل لكل عاقل الإجابة عليه؟
أما نحن فنكرر هنا أنه لا يوجد دين جاء من عند الله هو عقيدة فقط، والدين الذي هو عقيدة فقط أو عقيدة وشعائر تعبدية، دون شريعة تحكم تصرفات الناس في هذه الأرض، هو دين جاهلي مزيف لم يتنزل من عند الله.
العلمانية.. وحق التشريع المطلق:
في مسلسل نبذ الشريعة الإسلامية، وفصل الدين عن الحياة في ديار الإسلام، كانت الحلقة الأخيرة هي النص في دساتير الدول (الإسلامية) على تقرير حق التشريع المطلق للأمة ـ الأمة في الإسلام لا تملك حق التشريع المطلق، ولكن الشرع فوض إليها ـ في حدود ضوابط معينة ـ الحق في اختيار أئمتها ليسوسوا أمورها على مقتضى الكتاب والسنة ـ ونصت بعض هذه الدساتير على اعتبار رئيس الدولة جزءاً أصيلاً من السلطة التشريعية، واكتفى بعضها الآخر بالنص على الحقوق التي يمارسها رئيس الدولة في مجال التشريع وهي حق الاقتراح، وحق الإصدار وحق الاعتراض أو التصديق.
ومن الأولى:
- دستور المملكة الأردنية الهاشمية الذي ينص في المادة 25 على أنه: تناط السلطة التشريعة بمجلس الأمة والملك.
- والدستور السوداني الذي ينص في المادة 80 على أنه: رئيس الجمهورية هو رأس الدولة ويتولى السلطة التنفيذية، ويشارك في السلطة التشريعة.
- ودستور البحرين الذي ينص في المادة 42 على أنه: لا يصدر قانون إلا إذا أقره المجلس الوطني ووافق عليه الأمير.
ومن الدول التي اكتفت على النص على الحقوق التي يمارسها رئيس الدولة في مجال التشريع.. دستور مصر المادة 109: لرئيس الجمهورية حق الاقتراح، والمادتان 112، 113: تنظمان حق رئيس الجمهورية في التصديق على القوانين والاعتراض عليها.
- والمملكة المغربية ينص دستورها على: للملك حق الإصدار.. وينص في الفصل 44: يصدر القانون عن مجلس النواب بالتصويت.
- ودستور الجزائر ينص: رئيس الجمهورية يصدر القوانين (المادة 154) وينص في المادة 5: السيادة الوطنية ملك الشعب.
- والدستور الكويتي ينص في المادة 6: نظام الحكم في الكويت ديمقراطي السيادة وللأمة مصدر السلطات جميعاً.. ويقول في المادة 51: السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة.
والمسلمون يعرفون أن: الأمة في الإسلام لا تملك أن تحل ما تشاء وتحرم ما تشاء، كما هو الحال في الفكر الغربي الذي أخذ هؤلاء عنه دساتيرهم.
- ونفس هذا التقرير ـ تقرير السيادة والتشريع للأمة أو الشعب، واعتبار رئيس الدولة جزءاً من السلطة التشريعية ـ نفس هذا التقرير منصوص عليه في الدستور السوري (المادة 110)، والدستور الليبي (المادة 18، 20)، والدستور التونسي (المادة 38، 44)، والدستور العراقي (المادة 41، 51، 44)، والدستور اليمني (المادة 92)، ودستور دولة الإمارات (المادة 110، 47، 54).
وفي كل تلك الدول تتجسد السيادة التي قررتها الدساتير للأمة أو الشعب في ثلاثة مظاهر رئيسية:
الأول: السلطة التشريعية: ودورها سن القوانين التي يتحاكم إليها في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شؤون الحياة.
الثاني: السلطة التنفيذية: ووظيفتها المحافظة على النظام العام والسهر على حماية القوانين.
الثالث: السلطة القضائية: ووظيفتها حل المنازعات والفصل في الخصومات وفقاً للقوانين الصادرة من السلطة التشريعية.
وإذن فالأنظمة العلمانية تقر بالسيادة المطلقة للأمة، وتنص في دساتيرها على أن القانون هو التعبير على إرادتها المطلقة.. فالأمة ـ بزعمهم ـ هي التي تقرر الشرائع التي تحكم بها، وحقها في ذلك بلا حدود !!.
ولا شك أن هذا في حقيقته هو الإقرار بحق التشريع المطلق للأمة لا ينازعها فيه منازع، ولا يشاركها فيها شريك.. فما تحله هو الحلال وإن اجتمعت على حرمته كافة الشرائع السماوية، وما تحرمه هو الحرام وإن اتفق على حله كل دين جاء من عند الله..
ذلك أن الأمة في الأنظمة العلمانية هي مصدر التشريع، وما يصدر عنها هو القانون.. والقانون ليس بنصيحة، ولكنه أمر، وهو ليس أمراً من أي أحد، ولكنه أمر صادر فقط ممن يدان له بالطاعة وموجه إلى من تجب عليه تلك الطاعة.
وإذا كان سلطان الأمة يتجسد في السلطة التشريعية، والتنفيذية، والقضائية فإنه لا يوجد قانون بالمعنى الصحيح إلا إذا صدر عن السلطة التشريعية في الحدود التي رسمها الدستور، وكلتا السلطتين التشريعية والقضائية بهذا الاعتبار مشتركان في الخضوع لسيد الكل.. ألا وهو الدستور.. الذي يجب أن يحنى الجميع أمامه رؤوسهم صاغرين.
وتأمل معي هذه الكلمات، وقل معي رحم الله ابن تيمية حين قال: "إن الإنسان أمام طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يختار العبودية لله.. وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله.
· - العلمانية.. وكيف تحكم؟
للقانون في ظل العلمانية مصادر مادية، ومصادر رسمية، فأما المصادر المادية فهي التي تغترف منها مادة القانون، وهي متعددة ومتنوعة، ولا تفيد هذه المصادر في معرفة ما إذا كانت هناك قاعدة قانونية أم لا، لأن القاعدة القانونية لا تعتبر إلا إذا توفر لها عنصر الإلزام الذي يضيفه عليها المصدر الرسمي.
فالمصادر الرسمية هي التي يستمد منها القانون إلزامه، وسطوته وسلطانه.. والمصادر الرسمية للقانون المصري هي:
- التشريع.
- العرف.
- مبادئ الشريعة الإسلامية.
- مبادئ القانون الطبيعي.
- قواعد العدالة.