المغترب
09-06-2005, 08:57 AM
يقول الإمام الغزالي:
'الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به وإليه فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة أبواه، وكل معلم له ومؤدب، وإن عُوِّد الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه'.
ويقول ابن القيم رحمه الله:
'فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارًا، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق، فقال: يا أبت إنك عققتني صغيرًا فعققتك كبيرًا، وأضعتني وليدًا فأضعتك شيخًا'.
وبر الوالدين سلوك مثله مثل أي سلوك ينقش ويغرس في نفس الطفل الطاهرة منذ نعومة أظفاره فتكون النتيجة أن يتفاعل الطفل تلقائيًا بهذا السلوك بسلاسة ويسر، بدون تكلف أو بسبب تخويف أو تهديد إن هو تعلمه منذ الصغر وتربى عليه فلن يجد بدًا من التعامل به حين يشب ويسن، بل إن هو تعلمه منذ الصغر سيجد بعد ذلك في نفسه الغيظ من كل عاق لوالديه؟ ويجد في نفسه أيضًا الاستنكار لكل موقف أو سلوك فيه عقوق للوالدين سواء كان منه عن غير قصد أو ضعف إيمان، أو كان من غيره بسبب ضياع التربية الأخلاقية والإيمانية.
وهذا أنموذج للابن البار:
انظر كيف كان بارًا بوالده واسمع إلى حواره مع أبيه ـ عمر بن العزيز ـ تجد العجب العجاب وتعلم كيف أن البر هو ثمرة التربية عليه منذ الصغر:
'رأى عمر بن عبد العزيز ولدًا له في يوم عيد، وعليه ثوب خَلق ـ أي قديم ـ فدمعت عيناه فرآه ولده، فقال: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟
قال: يا بني أخشى أن ينكسر قلبك إذا رآك الصبيان بهذا الثوب الخلق.
قال: يا أمير المؤمنين إنما ينكسر قلب من أعدمه الله رضاه، أو عق أمه وأباه، وإني لأرجو أن يكون الله تعالى راضيًا عني برضاك'.
فالطفل البار:
هو طفل ولد فوجد أباه وأمه يبران والديهما، وجد أباه يقبل رأس والده ويده كلما لقيه أو رآه بل ويأمره فور رؤية جده أن يسرع إليه ويقبل يده ورأسه، ووجد أباه يفعل ذلك مع جدته أيضًا.
وجد هذا الطفل البار أمه تفعل ذلك مع والديها، ولد هذا الطفل البار فوجد الدنيا حوله كلها بر، الأب يسرع فيعطي والده الماء ويطير إليه فور سماعه أنه مريض أو يشكو ألمًا أو بحاجة إلى شيء ولو صغير.
وجد هذا الطفل أباه يخفض صوته عند أبيه ولا يرفع صوته عنده.
ولد هذا الطفل فتعلم أول ما تعلم قول الله ـ تبارك وتعالى في سورة الإسراء: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً][23]وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء:23ـ 24].
ووجد حال أبيه كذلك في كل صلاة يدعو لوالديه رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا. وجد هذا الطفل أباه يذهب بعد وفاتهما لزيارتهما والدعاء لهما، ويأخذ معه إلى المقابر ويقول ادع لجدك يا بني ويأخذ بيده بعد وفاتهما لزيارة أصدقاء والديه برًا بهما.
ولد هذا الطفل فوجد الدنيا كلها حوله تنطق برًا .. حتى بين أبيه وأمه وجد البر والرحمة والمودة، وجد أباه يحرص على البر بزوجته ويعاملها معاملة اللين والرفق، ثم وجد أمه تقبل يد زوجها ورأسه في ذهابه وإيابه ولا تعصيه أبدًا، وإن اختلفوا لم ير الطفل هذا الخلاف أبدًا أمام ناظريه.
هذا هو الطفل البار .. تربى في مدرسة البر فأصبح بارًا، واستنشق عبير الإحسان فأصبح يفيض إحسانًا.
وأما الطفل العاق:
فهذا ولد أصلاً ولم ير جده ولم ير جدته لا من أبيه ولا من أمه لا لأنهم ماتوا ولكن لأن برهم مات في قلب والديه وإن رآهم ففي المناسبات والأعياد بل قد يرى أباه يصرخ في جده، ويرفع صوته عليه ويشيح بيديه، هذا الطفل العاق رأى أمه تتأفف من أمها وترفع صوتها عليها، بل ربما تغتابها في غيبتها.
ولد هذا الطفل فوجد الدنيا حوله كلها عقوق حتى داخل البيت، يرى أمه وأباه في شجار وعراك غير منقطع وصراخ وبكاء بين الوقت والآخر، بل يرى أباه يضرب أمه على وجهها أو يشد شعرها، ويداها هي تسبه وتلعنه ولا تطيع أمره، يجد أباه يهجر أمه بل ويتركها وينزل من البيت ويبيت خارج البيت أين تعلم الطفل العقوق إذن؟ إنه لم يتعلمه إلا من وحي هذا البيت الذي عاش فيه وتربى.
ثم بعد ذلك تجد الشكاوى تنهال من الآباء: إن ابني يعقني إن ابني لا يبرني؟ تصور لا يقبل يدي، ولقد رأيت بنت فلان تقبل يد أباها.
فنقول بكل أسف من تربى على شيء شاب عليه ومن تعلم البر لا ينساه، ولا يعرف أن يتعامل إلا به، ومن عدمه في أبيه وأمه ولم يتربَ عليه في صغر فلا يتصور أن نضع البر في صدره بسحر ساحر.
'الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به وإليه فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة أبواه، وكل معلم له ومؤدب، وإن عُوِّد الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه'.
ويقول ابن القيم رحمه الله:
'فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارًا، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق، فقال: يا أبت إنك عققتني صغيرًا فعققتك كبيرًا، وأضعتني وليدًا فأضعتك شيخًا'.
وبر الوالدين سلوك مثله مثل أي سلوك ينقش ويغرس في نفس الطفل الطاهرة منذ نعومة أظفاره فتكون النتيجة أن يتفاعل الطفل تلقائيًا بهذا السلوك بسلاسة ويسر، بدون تكلف أو بسبب تخويف أو تهديد إن هو تعلمه منذ الصغر وتربى عليه فلن يجد بدًا من التعامل به حين يشب ويسن، بل إن هو تعلمه منذ الصغر سيجد بعد ذلك في نفسه الغيظ من كل عاق لوالديه؟ ويجد في نفسه أيضًا الاستنكار لكل موقف أو سلوك فيه عقوق للوالدين سواء كان منه عن غير قصد أو ضعف إيمان، أو كان من غيره بسبب ضياع التربية الأخلاقية والإيمانية.
وهذا أنموذج للابن البار:
انظر كيف كان بارًا بوالده واسمع إلى حواره مع أبيه ـ عمر بن العزيز ـ تجد العجب العجاب وتعلم كيف أن البر هو ثمرة التربية عليه منذ الصغر:
'رأى عمر بن عبد العزيز ولدًا له في يوم عيد، وعليه ثوب خَلق ـ أي قديم ـ فدمعت عيناه فرآه ولده، فقال: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟
قال: يا بني أخشى أن ينكسر قلبك إذا رآك الصبيان بهذا الثوب الخلق.
قال: يا أمير المؤمنين إنما ينكسر قلب من أعدمه الله رضاه، أو عق أمه وأباه، وإني لأرجو أن يكون الله تعالى راضيًا عني برضاك'.
فالطفل البار:
هو طفل ولد فوجد أباه وأمه يبران والديهما، وجد أباه يقبل رأس والده ويده كلما لقيه أو رآه بل ويأمره فور رؤية جده أن يسرع إليه ويقبل يده ورأسه، ووجد أباه يفعل ذلك مع جدته أيضًا.
وجد هذا الطفل البار أمه تفعل ذلك مع والديها، ولد هذا الطفل البار فوجد الدنيا حوله كلها بر، الأب يسرع فيعطي والده الماء ويطير إليه فور سماعه أنه مريض أو يشكو ألمًا أو بحاجة إلى شيء ولو صغير.
وجد هذا الطفل أباه يخفض صوته عند أبيه ولا يرفع صوته عنده.
ولد هذا الطفل فتعلم أول ما تعلم قول الله ـ تبارك وتعالى في سورة الإسراء: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً][23]وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء:23ـ 24].
ووجد حال أبيه كذلك في كل صلاة يدعو لوالديه رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا. وجد هذا الطفل أباه يذهب بعد وفاتهما لزيارتهما والدعاء لهما، ويأخذ معه إلى المقابر ويقول ادع لجدك يا بني ويأخذ بيده بعد وفاتهما لزيارة أصدقاء والديه برًا بهما.
ولد هذا الطفل فوجد الدنيا كلها حوله تنطق برًا .. حتى بين أبيه وأمه وجد البر والرحمة والمودة، وجد أباه يحرص على البر بزوجته ويعاملها معاملة اللين والرفق، ثم وجد أمه تقبل يد زوجها ورأسه في ذهابه وإيابه ولا تعصيه أبدًا، وإن اختلفوا لم ير الطفل هذا الخلاف أبدًا أمام ناظريه.
هذا هو الطفل البار .. تربى في مدرسة البر فأصبح بارًا، واستنشق عبير الإحسان فأصبح يفيض إحسانًا.
وأما الطفل العاق:
فهذا ولد أصلاً ولم ير جده ولم ير جدته لا من أبيه ولا من أمه لا لأنهم ماتوا ولكن لأن برهم مات في قلب والديه وإن رآهم ففي المناسبات والأعياد بل قد يرى أباه يصرخ في جده، ويرفع صوته عليه ويشيح بيديه، هذا الطفل العاق رأى أمه تتأفف من أمها وترفع صوتها عليها، بل ربما تغتابها في غيبتها.
ولد هذا الطفل فوجد الدنيا حوله كلها عقوق حتى داخل البيت، يرى أمه وأباه في شجار وعراك غير منقطع وصراخ وبكاء بين الوقت والآخر، بل يرى أباه يضرب أمه على وجهها أو يشد شعرها، ويداها هي تسبه وتلعنه ولا تطيع أمره، يجد أباه يهجر أمه بل ويتركها وينزل من البيت ويبيت خارج البيت أين تعلم الطفل العقوق إذن؟ إنه لم يتعلمه إلا من وحي هذا البيت الذي عاش فيه وتربى.
ثم بعد ذلك تجد الشكاوى تنهال من الآباء: إن ابني يعقني إن ابني لا يبرني؟ تصور لا يقبل يدي، ولقد رأيت بنت فلان تقبل يد أباها.
فنقول بكل أسف من تربى على شيء شاب عليه ومن تعلم البر لا ينساه، ولا يعرف أن يتعامل إلا به، ومن عدمه في أبيه وأمه ولم يتربَ عليه في صغر فلا يتصور أن نضع البر في صدره بسحر ساحر.