الشيخ هاني الجبير
08-22-2005, 10:06 PM
وأخرج أحمد ( 15221 ) عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمتهم". قال ابن كثير في التفسير: وقف هذا الحديث أول من رفعه.
والخلاصة:
يجوز لكم أخذ خادمتكم النصرانية معكم إلى العمرة ما دمتم بحاجة إليها للخدمة ورعاية الأطفال على أن لا تدخل معكم إلى المسجد الحرام, بل تبقى في الفندق أو الشقة. وفق الله الجميع إلى خير.
--------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أما بعد
فقد اطلعت على الفتوى المنشورة بموقع الإسلام اليوم التي كتبها صاحب الفضيلة الشيخ/ سعود الفنيسان جواباً للراغب في اصطحاب عائلته لأداء العمرة ويرافقه خادمة من أهل الكتاب لغرض رعاية الأولاد وقد قرأت فتواه - حفظه الله – ولما كنت ممن تتلمذ له في كلية الشريعة بالرياض رأيت أن من حقه علي أن أبين وقفات مع فتواه المذكورة بياناً لوجهة نظرٍ أرجو أن تكون صائبة.
والوقفات هي:
أولاً: ابتدأ فضيلته فتواه ببيان اختلاف العلماء في دخول الكافر للمسجد الحرام وبيان وجهة كل قول وسبب الخلاف ثم قال:
( والخلاصة: يجوز لكم أخذ خادمتكم النصرانية معكم إلى العمرة ما دمتم بحاجة إليها للخدمة ورعاية الأطفال على أن لا تدخل معكم إلى المسجد الحرام, بل تبقى في الفندق أو الشقة ).
ولم أفهم وجه تلخيص هذه الخلاصة مما عرضه قبلاً. وكان يمكنه أن يرجح أحد القولين ويخلص بعد ذلك إلى جواز إدخال الخادمة المذكورة, أما أن يلخص من ذكر الخلاف الجواز فهذا إن كان مقصوداً من فضيلته فهو مسلك غير سديد, إذ ليس معنى وجود الخلاف تسويغ الأخذ بأي من القولين بلا تحرٍ للصواب بل هذا مسلك خطير يتبناه اليوم دعاة تيسير الفتوى مما نتيجة الانفلات عن أحكام الشرع.
قال ابن عبد البر: ( والصواب مما اختلف فيه وتدافعَ : وجهٌ واحد ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطّأ السلف بعضهم بعضاًَ في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم, والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صواباً كله ). جامع بيان العلم ( 2/88).
وقال ابن القيم: ( لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح.. بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولاً قاله إمامٌ أو وجهاً ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال.. ) إعلام الموقعين ( 4/211 ).
وشيخنا – إن شاء الله – ليس كذلك، وإنما هذه وقفة في طريقة فضيلته في كتابة فتواه.
ثانياً: ذكر فضيلته دليل من أجاز دخول الكافر للحرم بأنه نظر إلى نصوص أخرى تفسّر قوله تعالى: ( إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)(التوبة: من الآية28).
ولا شك أن طالب العلم عليه أن يجمع النصوص ويحمل بعضها على بعض ولكن لننظر هذه النصوص سنداً ومتناً:-
1- عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: ( إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)
قال: ( إلا أن يكون عبداً أو أحداً من أهل الذمة ). أخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابراً به.
ورجال الإسناد ثقات معروفون, لكن أخرج ابن جرير أيضاً في الموضع نفسه حدثنا أحمد بن إسحاق قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا عبيد بن العوام عن الحجاج عن أبي الزبير عن جابر قال ( لا يقرب المسجد الحرام بعد عامه هذا مشرك ولا ذمي ). انتهى وليس فيه الاستثناء.
فإذ قد اختلف الحجاج وابن جريج عن أبي الزبير في ذكر الاستثناء احتاج هذا للترجيح بين الروايتين إذا الزيادة هي موضع الشاهد. وسيأتي ذلك بإذن الله.
2- وعن جابر مرفوعاً: ( لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم ) أخرجه أحمد (3/392) من طريق شريك بن الأشعث بن سواد عن الحسن عن جابربه .
وشريك ضعيف, وأشعث ضعفه أحمد والدار قطني, وليّنه أبو ذرعه وقال الحافظ في التقريب ضعيف, والحسن لم يسمع من جابر.
ولذا قال ابن كثير في تفسيره ( والموقوف أصبح إسناداً – يقصد به السابق – وبهذا لا يصح الاستدلال بالمرفوع وبقي لدينا النص الأول المختلف فيه عن جابر.
والشاهد الذي استدل به من أجاز دخول الكافر قوله ( إلا عبداً أو أحداً من أهل الذمة ). فهل هذا – على فرض عدم شذوذه – يصح شاهداً لهذه المسألة؟.
فهل الخدم من أهل الذمة؟ وهل يصح الاستدلال بالخاص على الدعوى العامة وهي جواز دخول كل كافر للحرم.
ثم إن تفسير - مجيز الدخول - للآية منع دخول المشركين أماكن المناسك والاستدلال لهم بقول جابر الموقوف بجعل معنى الآية الإذن لأهل الذمة والرقيق بدخول أماكن المناسك.
هذا إن جعل قول جابر تفسيراً للآية وهذا بلا شك خطأ.
وأما إن جعل قوله مخصصاً لعموم الآية فإن تخصيص العام بقول الصحابي ورأيه لا يسوغ.
ولو ساغ لخص موضع التخصيص بأهل الذمة والرقيق فقط وهذا أخص من الدعوى.
ثم إن حمل الآية على أهل الذمة مع كونهم ممن لم يعهد منه الإقامة بالحرم - لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعقدها مع مشركي العرب – هذا من الحمل البعيد المحتاج لدليل قوي كما قرره أهل الأصول انظر روض الناظر مع حاشية ابن بدران ( 2/31).
ثالثاً: تعليق فضيلته جواز إدخال الخادمة إلى الحرم بالحاجة إليها للخدمة ورعاية الأطفال محل نظر إذ غير المسلمة ليست أهلاً لرعاية الصغار كما هو معلوم.
رابعاً: لم يُعمل فضيلته منع ولي الأمر من دخول غير المسلمين إلى الحرم وهذا المنع منع اقتضاه نظره والأصل في مثل هذا اللزوم للرعية.
خامساً: لم يُعمل فضيلته أحاديث الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وهي في الصحيحين وقد اتفق الشراح والفقهاء على الحرمين واختلفوا فيما زاد كما هو معلوم.
وبعد هذا فإن جميع ما سبق وقفات يسيرة مع فتوى فضيلة شيخنا أحببت عرضها من باب المذاكرة العلمية وقد كُتبت على عجل فليغض القارئ نظره عما فيها من نقص والله المستعان.
والخلاصة:
يجوز لكم أخذ خادمتكم النصرانية معكم إلى العمرة ما دمتم بحاجة إليها للخدمة ورعاية الأطفال على أن لا تدخل معكم إلى المسجد الحرام, بل تبقى في الفندق أو الشقة. وفق الله الجميع إلى خير.
--------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أما بعد
فقد اطلعت على الفتوى المنشورة بموقع الإسلام اليوم التي كتبها صاحب الفضيلة الشيخ/ سعود الفنيسان جواباً للراغب في اصطحاب عائلته لأداء العمرة ويرافقه خادمة من أهل الكتاب لغرض رعاية الأولاد وقد قرأت فتواه - حفظه الله – ولما كنت ممن تتلمذ له في كلية الشريعة بالرياض رأيت أن من حقه علي أن أبين وقفات مع فتواه المذكورة بياناً لوجهة نظرٍ أرجو أن تكون صائبة.
والوقفات هي:
أولاً: ابتدأ فضيلته فتواه ببيان اختلاف العلماء في دخول الكافر للمسجد الحرام وبيان وجهة كل قول وسبب الخلاف ثم قال:
( والخلاصة: يجوز لكم أخذ خادمتكم النصرانية معكم إلى العمرة ما دمتم بحاجة إليها للخدمة ورعاية الأطفال على أن لا تدخل معكم إلى المسجد الحرام, بل تبقى في الفندق أو الشقة ).
ولم أفهم وجه تلخيص هذه الخلاصة مما عرضه قبلاً. وكان يمكنه أن يرجح أحد القولين ويخلص بعد ذلك إلى جواز إدخال الخادمة المذكورة, أما أن يلخص من ذكر الخلاف الجواز فهذا إن كان مقصوداً من فضيلته فهو مسلك غير سديد, إذ ليس معنى وجود الخلاف تسويغ الأخذ بأي من القولين بلا تحرٍ للصواب بل هذا مسلك خطير يتبناه اليوم دعاة تيسير الفتوى مما نتيجة الانفلات عن أحكام الشرع.
قال ابن عبد البر: ( والصواب مما اختلف فيه وتدافعَ : وجهٌ واحد ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطّأ السلف بعضهم بعضاًَ في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم, والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صواباً كله ). جامع بيان العلم ( 2/88).
وقال ابن القيم: ( لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح.. بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولاً قاله إمامٌ أو وجهاً ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال.. ) إعلام الموقعين ( 4/211 ).
وشيخنا – إن شاء الله – ليس كذلك، وإنما هذه وقفة في طريقة فضيلته في كتابة فتواه.
ثانياً: ذكر فضيلته دليل من أجاز دخول الكافر للحرم بأنه نظر إلى نصوص أخرى تفسّر قوله تعالى: ( إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)(التوبة: من الآية28).
ولا شك أن طالب العلم عليه أن يجمع النصوص ويحمل بعضها على بعض ولكن لننظر هذه النصوص سنداً ومتناً:-
1- عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: ( إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)
قال: ( إلا أن يكون عبداً أو أحداً من أهل الذمة ). أخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابراً به.
ورجال الإسناد ثقات معروفون, لكن أخرج ابن جرير أيضاً في الموضع نفسه حدثنا أحمد بن إسحاق قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا عبيد بن العوام عن الحجاج عن أبي الزبير عن جابر قال ( لا يقرب المسجد الحرام بعد عامه هذا مشرك ولا ذمي ). انتهى وليس فيه الاستثناء.
فإذ قد اختلف الحجاج وابن جريج عن أبي الزبير في ذكر الاستثناء احتاج هذا للترجيح بين الروايتين إذا الزيادة هي موضع الشاهد. وسيأتي ذلك بإذن الله.
2- وعن جابر مرفوعاً: ( لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم ) أخرجه أحمد (3/392) من طريق شريك بن الأشعث بن سواد عن الحسن عن جابربه .
وشريك ضعيف, وأشعث ضعفه أحمد والدار قطني, وليّنه أبو ذرعه وقال الحافظ في التقريب ضعيف, والحسن لم يسمع من جابر.
ولذا قال ابن كثير في تفسيره ( والموقوف أصبح إسناداً – يقصد به السابق – وبهذا لا يصح الاستدلال بالمرفوع وبقي لدينا النص الأول المختلف فيه عن جابر.
والشاهد الذي استدل به من أجاز دخول الكافر قوله ( إلا عبداً أو أحداً من أهل الذمة ). فهل هذا – على فرض عدم شذوذه – يصح شاهداً لهذه المسألة؟.
فهل الخدم من أهل الذمة؟ وهل يصح الاستدلال بالخاص على الدعوى العامة وهي جواز دخول كل كافر للحرم.
ثم إن تفسير - مجيز الدخول - للآية منع دخول المشركين أماكن المناسك والاستدلال لهم بقول جابر الموقوف بجعل معنى الآية الإذن لأهل الذمة والرقيق بدخول أماكن المناسك.
هذا إن جعل قول جابر تفسيراً للآية وهذا بلا شك خطأ.
وأما إن جعل قوله مخصصاً لعموم الآية فإن تخصيص العام بقول الصحابي ورأيه لا يسوغ.
ولو ساغ لخص موضع التخصيص بأهل الذمة والرقيق فقط وهذا أخص من الدعوى.
ثم إن حمل الآية على أهل الذمة مع كونهم ممن لم يعهد منه الإقامة بالحرم - لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعقدها مع مشركي العرب – هذا من الحمل البعيد المحتاج لدليل قوي كما قرره أهل الأصول انظر روض الناظر مع حاشية ابن بدران ( 2/31).
ثالثاً: تعليق فضيلته جواز إدخال الخادمة إلى الحرم بالحاجة إليها للخدمة ورعاية الأطفال محل نظر إذ غير المسلمة ليست أهلاً لرعاية الصغار كما هو معلوم.
رابعاً: لم يُعمل فضيلته منع ولي الأمر من دخول غير المسلمين إلى الحرم وهذا المنع منع اقتضاه نظره والأصل في مثل هذا اللزوم للرعية.
خامساً: لم يُعمل فضيلته أحاديث الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وهي في الصحيحين وقد اتفق الشراح والفقهاء على الحرمين واختلفوا فيما زاد كما هو معلوم.
وبعد هذا فإن جميع ما سبق وقفات يسيرة مع فتوى فضيلة شيخنا أحببت عرضها من باب المذاكرة العلمية وقد كُتبت على عجل فليغض القارئ نظره عما فيها من نقص والله المستعان.