علوش 22
07-26-2005, 03:17 AM
الاختلاف ·· وقبول الآخر
الاختلاف هو: أن ينهج شخصان فأكثر طريقين متغايرين، في القول، أو الفعل، أو الحال·
وهو أمر فطري جِبِلِّي بين الناس، نظراً لوجود الفوارق الفردية بينهم، في القدرات، والفهم،والتصور، والاستيعاب، ومنهج النظر، والتفكير، والقدرة على العمل، فضلا عن المؤثرات الأخرى البيئية، والثقافية، والاجتماعية·· قال اللّه تعالى في الآية 118-119 من سورة هود:{ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين· إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}·
اختلاف واختلاف
لابد من القول: إنه ليس كل اختلاف أو خلاف هو مشروع ومرضي عنه، بل هناك اختلاف مذموم، وآخر مشروع مقبول: فالاختلاف المذموم ما خالف صريح الوحي الإلهي من كتاب أو سنَّة، وفرَّق الدين، ومزّق الأمة، دافعُه الهوى والأنانية والغايات الشخصية، وهذا هو الذي حذَّر منه الإسلام، ونهى عنه القرآن، سواء كان في العقائد وأمور الديانات، أو كان في شؤون الحرب والدفاع عن الحقيقة والمقدَّسات، قال اللّه تعالى في الآىة >31-32 من سورة الروم< {ولا تكونوا من المشركين· من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيَعاً كل حزب بما لديهم فرحون}، وفي آية أخرى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله م الصابرين} >سورة الأنفال -46<·
وعلى هذه الأمثلة ونحوها تُحمّل نصوص الشريعة وأقوال العلماء الناهية عن الاختلاف الموجبة لتجنٌبه وتركه، قال >عبدالله بن مسعود< ] الاختلاف شر· وهو لم يقصد إلا هذا النوع من الاختلاف·
أما الاختلاف المشروع المقبول، فهو في فروع الشريعة وأحكامها الفقهية، وأمور المباحات ونحوها، مما لايبعد عن رضوان اللّه تعالى في طلب الحق والبحث عنه، وذلك من خلال إعمال العقل والفهم للوصول إلى إسعاد الناس، وتحقيق مصالحهم، والسعي إلى حماية أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم، وتيسير أسباب الحياة الكريمة لهم·
الاختلاف المشروع: هو اختلاف فطري يتفاعل مع المعطيات وينطلق على السجية من المدارك والعقول، من أجل إعمار الكون وازدهار الحياة، واستمرار الوجود الإنساني إذ كل إنسان ميسَّر لما خُلِقَ له·
اختلاف في خير القرون للاعتبار والتأسَّى
تروي كتب السنن والسيرة الكثير من المواقف والحوادث العملية التي وقع فيها الاختلاف في سلف هذه الأمة المباركة، لكنه بقي ضمن حدوده المباحة المشروعة، وأخرج أصحابه - المسلمين من بعدهم - من ضيق الأفهام إلى سعة الإسلام، ومن حنق النفوس إلى ألفة القلوب، ومن العسر إلى اليسر، ومن الشخصانيةإلى الموضوعية، ومن الوقوف عند تفكير الفرد والاقتصار عليه إلى البحث عن مصلحة الأمة والتيسير عليها·
ولعل أشهر حادث اختلاف وقع بين المسلمين في العصر النبوي، ما أخرجه الشيخان: أن النبي [ قال لأصحابه عقب غزوة الأحزاب: لا يُصَلَّيَنَّ أحدُ منكم العصر إلا في بني قريظة، فأدركهم العصرُ في الطريق وخافوا أن يفوتهم ولا يصلُّونه، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتي بني قريظة، تنفيذاً لأمر النبي [، وقال آخرون: بل نصلي في الطريق، لأنه لم يُردْ منا إلا التعجٌل والسرعة، واللّه تعالى يقول: في الآية 103 من سورة النساء {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} ففعل كل منهما ما شاء، ثم ذكروا ذلك للنبي [ فأقرَّ الفريقين، ولم يعنِّف أحداً منهما·
وهكذا وسع كل فريق ما فعله الفريق الآخر وخالفه فيه، وعّذر بعضهم بعضا، لما عنده من حجة فهمها من فحوى النص النبوي ومقاصده، أو ظاهره وحرفيته· وبهذه الروح من السماحة والانفتاح على الآخر، وسعَ المخالفون صاحبهم فيما اجتهد فيه وذهب إليه، ولم يضق بعضهم ذرعاً ببعض، واستمرت أُلفتهم وصحبتهم
وقائع من اختلاف الصحابة في قضايا خاصة وعامة:
لم يقتصر الاختلاف على ما سبق ذكره - لأن أسبابه الفطرية والخلقية والفقهية والثقافية، لا يمكن أن تزول وتمحى- بل استمر الخلاف بين الصحابة أيضا في عهد الخلفاء الراشدين، وكأن من أشهر صوره ووقائعه، اختلافهم في قضية دينية ذات طابع سياسي، وهي: فيمن يخلف رسول الله [ في رئاسة المسلمين، ثم مالبثوا أن اتفقوا على تولية >أبي بكر الصديق< ]·
واختلفوا أيضا في قتال مانعي الزكاة، وأدلى كل منهم بحجته، ثم اتفقوا على قتالهم، كما اختلفوا في تقسيم أراضي العراق، المعروفة بسواد العراق، وأصرّ كل فريق على موقفه، ولم يُفسد ذلك الخلافُ الذي وقع المودة فيما بينهم·
بل إن هناك الكثير من القضايا الفرعية الفقهية ذات الطابع التعبدي، والمالي والاقتصادي، والأسري، والاجتماعي، والسياسي، والقضائي، والجنائي، وغير ذلك مما وقع فيه الخلاف بين الصحابة ومن بعدهم، مما هو معروف في مواضعه ومراجعه·
ومما ذكروه في ذلك الخلاف بين >عمر- وعلي< فيمن أجهضت خوفاً من>عمر<، والخلاف بين >عمر- وابن مسعود< فيمن زنا بامرأة ثم تزوجها، وخلاف >عثمان- وعلي< في كيفية توزيع مقادير الفيء على عموم المسلمين، وخلاف >زيد بن ثابت- وابن عباس< في توريث الإخوة مع الجد·
اختلاف لاحق·· مع تقدير واحترام
وقل نحو ذلك في الكثير من القضايا التي وقعت في عصر التابعين ومن بعدهم، في أمور المال، والسياسة، والاجتماع، والقضاء·· حتى نشأ لكل مجتهد مذهب فقهي منهجية المستقل في الاستنباط والتخريج، وما كان أحدهم يعيب على الآخر، ولا يسفه قوله، ولا ينقص من قدره، بل كان جميعهم يسعُ جميعهم، ويرفع بعضهم من قدر بعض، لأن الهوى والتشهي لم يكونا مطية لأحد منهم ولا قصدا له، بل كان الحق رائدهم، وأخوة الإسلام تجمع بينهم·
ولعل من المناسب هنا ذكر الرسالة التي بعث بها >الليث بن سعد< فقيه أهل مصر وإمامهم، إلى >مالك بن أنس< عالم بلاد الحجاز وإمام أهل الحديث فيها، ويعرض فيها وجهة نظره في أدب رفيع وأسلوب راقٍ، في الكثير من القضايا والمسائل التي اختلفا فيها·
قال >الليث بن سعد< يرحمه الله: >سلام عليك فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد: عافانا اللّه وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة، وقد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني، فأدام اللّه ذلك لكم، وأتمه بالعون على شكره والزيادة في إحسانه··
ثم يقول: وإنه بلغك أني أفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه الناس عندكم، وإني يحق عليّ الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيتهم به، وإن الناس تبع لأهل المدينة، التي كانت إليها الهجرة وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك إن شاء الله تعالى، ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أجد أحدا ينسب إليه العلم إلا كره شواذ الفتيا·· ثم يقول: ونسأل اللّه أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا به، وتمام ما أنعم به علينا، والسلام عليكم ورحمة الله<·
أدب الاختلاف مع الآخر
إن من يتتبع النصوص الشرعية يجد مدى حرصها على توحيد الكلمة ما وجد إلى ذلك سبيلا، والبعد عن الاختلاف قدرالإمكان ، لأن الأصل في دعوة الإسلام الاتفاق لا الاختلاف، ومما يؤيد هذا ماوراه الشيخان أن النبي [ قال لـ >معاذ بن جبل - وأبي موسى الأشعري< حينما بعثهما إلى اليمن:(يسّرا ولا تعسًّرا، وتطاوعا ولا تختلفا)·
فإن عزّ الاتفاق ووقع الاختلاف وكان لامناص منه، تأكد الالتزام بأحكام الإسلام وآدابه، ومن ذلك ما يلي:
1- تجنب الجدل البغيض والبعد عن المماراة والانفعال، وذلك لقوله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} >النحل- 125<، وقوله [: >إن أبغض الرجال إلى اللّه الألدُ الخَصِم<، رواه الشيخان، والألد الخصم: شديد الخصومة المولع بها·
2- الالتزام بالكلم الطيب، والترفع عن ألفاظ السوء، وعن التعرض بالآخرين وذمهم وقدحهم، أو التنقص من قدرهم، لقول اللّه تعالى في سورة >الحجرات الآية -11<:{لا يسخر قوم من قوم···}، وقوله تعالى في الآية نفسها: {ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ··}·
3- احترام الرأى الآخر، والتأديب مع أصحابه وإحسان الظن بهم، والثناء عليهم أمام الناس، والتواصل معهم، وذلك لقوله تعالى في سورة الحجرات في الآية 12: {اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم}، وقوله في الآية 10 من سورة الحجرات: {إنما المؤمنون إخوة}·
وذكروا: أن رجلا جاء إلى >زهير بن معاوية الجعفي< الكوفي - أحد كبار السلف- فقال له >زهير<: من أين جئت؟ قال الرجل: من عند >أبي حنيفة<، قال >زهير<: إن جلوسك مع >أبي حنيفة< يوماً أنفع لك من جلوسك معي شهرا، وهكذا عرَّف >زهير< بقدر غيره وجهر به أمام الآخرين، وحضهم على الاستفادة منه، مع أنه كان يخالفه في الرأي في كثير من القضايا والمسائل·
4 - الرجوع إلى الرأى الآخر إن كان حقا، والعدول إليه حال تبين صوابه، كتب >عمر< لـ >أبي موسى الأشعري< ]: لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه عقلك، وهديت فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل·
ثمرات الاختلاف ومنافعه
للخلاف المشروع- السابق بيانه وبيان أحكامه وآدابه - منافع وفوائد لا تنكر، ومن ذلك ما يلي:
1- فتح المجال أمام الفكر الإنساني إلى الافتراضات التي تستطيع العقول المختلفة الوصول اليه، قال اللّه تعالى في الآية 21 من سورة الحشر:{وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون}·
2- إتاحة الفرصة أمام الطاقات الذهنية والبدنية المبدعة لخدمة الإسلام والأمة، وفي الحديث الذي رواه الطبراني وغيره: (اعملوا فكلُّ ميسٌر لما خُلِق له)، وفي حديث آخر:>الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها أخذها< رواه الترمذي·
3- إيجاد الحلول المتعددة في واقعة من الوقائع ليهتدي فيها إلى الحل الشرعي المناسب الذي يعالج مشكلات الناس·
4- الدلالة على سماحة الدين ويسره وانفتاحه على الحياة واستيعابه لمستجداتها·
وبعد:
إنه لا ينبغي لأحد أن يضيق بآراء الآخرين وأقوالهم، ماداموا يستقونها من النبع الحق، وما داموا مؤهلين لما يبحثون فيه أو يدرسونه أو يعالجونه، وإن ترك ذلك اختلفا في الرؤى والنتائج والاختبارات، قال >ابن برهان الشافعي<: إن الشرائع سياسات يدبر الله تعالى بها عباده والناس مختلفون في ذلك بحسب الأزمة فلكل زمان نوع من التدبير، وحظ من اللطف والمصلحة تختص به، كما أن لكل أمة نوعا من التدبير يصلحهم<·
كما أن من أهم الواجبات - في الوقت عينه - العلم بأن المحافظة على الأخوة الإسلامية، ووحدة العمل في الساحات الدعوية، وصد العدو المشترك، ونبذ الاختلاف والتفرق قدر الإمكان، من أوجب الفرائض التي شرعها الله تعالى ومن أهمها، وصدق الله العظيم القائل: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} >الأنفال -46<·
المراجع
1 - إعلان الموقعين لابن قيم الجوزية·
2- الإنصاف في بيان سبب الخلاف للدهلوي·
3- التراتيب الإدارية لـ >عبد الحي الكناني<·
4- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي·
5 - رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية·
6- المغني لابن قدامة·
7 - مناهج الاجتهاد في الإسلام د· محمد سلام مدكور·
بقلم : أ·د·حسن عبد الغني أبوغدة - كلية التربية- جامعة الملك سعود
http://alwaei.com/topics/current/article.php?sdd=918&issue=477
الاختلاف هو: أن ينهج شخصان فأكثر طريقين متغايرين، في القول، أو الفعل، أو الحال·
وهو أمر فطري جِبِلِّي بين الناس، نظراً لوجود الفوارق الفردية بينهم، في القدرات، والفهم،والتصور، والاستيعاب، ومنهج النظر، والتفكير، والقدرة على العمل، فضلا عن المؤثرات الأخرى البيئية، والثقافية، والاجتماعية·· قال اللّه تعالى في الآية 118-119 من سورة هود:{ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين· إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}·
اختلاف واختلاف
لابد من القول: إنه ليس كل اختلاف أو خلاف هو مشروع ومرضي عنه، بل هناك اختلاف مذموم، وآخر مشروع مقبول: فالاختلاف المذموم ما خالف صريح الوحي الإلهي من كتاب أو سنَّة، وفرَّق الدين، ومزّق الأمة، دافعُه الهوى والأنانية والغايات الشخصية، وهذا هو الذي حذَّر منه الإسلام، ونهى عنه القرآن، سواء كان في العقائد وأمور الديانات، أو كان في شؤون الحرب والدفاع عن الحقيقة والمقدَّسات، قال اللّه تعالى في الآىة >31-32 من سورة الروم< {ولا تكونوا من المشركين· من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيَعاً كل حزب بما لديهم فرحون}، وفي آية أخرى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله م الصابرين} >سورة الأنفال -46<·
وعلى هذه الأمثلة ونحوها تُحمّل نصوص الشريعة وأقوال العلماء الناهية عن الاختلاف الموجبة لتجنٌبه وتركه، قال >عبدالله بن مسعود< ] الاختلاف شر· وهو لم يقصد إلا هذا النوع من الاختلاف·
أما الاختلاف المشروع المقبول، فهو في فروع الشريعة وأحكامها الفقهية، وأمور المباحات ونحوها، مما لايبعد عن رضوان اللّه تعالى في طلب الحق والبحث عنه، وذلك من خلال إعمال العقل والفهم للوصول إلى إسعاد الناس، وتحقيق مصالحهم، والسعي إلى حماية أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم، وتيسير أسباب الحياة الكريمة لهم·
الاختلاف المشروع: هو اختلاف فطري يتفاعل مع المعطيات وينطلق على السجية من المدارك والعقول، من أجل إعمار الكون وازدهار الحياة، واستمرار الوجود الإنساني إذ كل إنسان ميسَّر لما خُلِقَ له·
اختلاف في خير القرون للاعتبار والتأسَّى
تروي كتب السنن والسيرة الكثير من المواقف والحوادث العملية التي وقع فيها الاختلاف في سلف هذه الأمة المباركة، لكنه بقي ضمن حدوده المباحة المشروعة، وأخرج أصحابه - المسلمين من بعدهم - من ضيق الأفهام إلى سعة الإسلام، ومن حنق النفوس إلى ألفة القلوب، ومن العسر إلى اليسر، ومن الشخصانيةإلى الموضوعية، ومن الوقوف عند تفكير الفرد والاقتصار عليه إلى البحث عن مصلحة الأمة والتيسير عليها·
ولعل أشهر حادث اختلاف وقع بين المسلمين في العصر النبوي، ما أخرجه الشيخان: أن النبي [ قال لأصحابه عقب غزوة الأحزاب: لا يُصَلَّيَنَّ أحدُ منكم العصر إلا في بني قريظة، فأدركهم العصرُ في الطريق وخافوا أن يفوتهم ولا يصلُّونه، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتي بني قريظة، تنفيذاً لأمر النبي [، وقال آخرون: بل نصلي في الطريق، لأنه لم يُردْ منا إلا التعجٌل والسرعة، واللّه تعالى يقول: في الآية 103 من سورة النساء {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} ففعل كل منهما ما شاء، ثم ذكروا ذلك للنبي [ فأقرَّ الفريقين، ولم يعنِّف أحداً منهما·
وهكذا وسع كل فريق ما فعله الفريق الآخر وخالفه فيه، وعّذر بعضهم بعضا، لما عنده من حجة فهمها من فحوى النص النبوي ومقاصده، أو ظاهره وحرفيته· وبهذه الروح من السماحة والانفتاح على الآخر، وسعَ المخالفون صاحبهم فيما اجتهد فيه وذهب إليه، ولم يضق بعضهم ذرعاً ببعض، واستمرت أُلفتهم وصحبتهم
وقائع من اختلاف الصحابة في قضايا خاصة وعامة:
لم يقتصر الاختلاف على ما سبق ذكره - لأن أسبابه الفطرية والخلقية والفقهية والثقافية، لا يمكن أن تزول وتمحى- بل استمر الخلاف بين الصحابة أيضا في عهد الخلفاء الراشدين، وكأن من أشهر صوره ووقائعه، اختلافهم في قضية دينية ذات طابع سياسي، وهي: فيمن يخلف رسول الله [ في رئاسة المسلمين، ثم مالبثوا أن اتفقوا على تولية >أبي بكر الصديق< ]·
واختلفوا أيضا في قتال مانعي الزكاة، وأدلى كل منهم بحجته، ثم اتفقوا على قتالهم، كما اختلفوا في تقسيم أراضي العراق، المعروفة بسواد العراق، وأصرّ كل فريق على موقفه، ولم يُفسد ذلك الخلافُ الذي وقع المودة فيما بينهم·
بل إن هناك الكثير من القضايا الفرعية الفقهية ذات الطابع التعبدي، والمالي والاقتصادي، والأسري، والاجتماعي، والسياسي، والقضائي، والجنائي، وغير ذلك مما وقع فيه الخلاف بين الصحابة ومن بعدهم، مما هو معروف في مواضعه ومراجعه·
ومما ذكروه في ذلك الخلاف بين >عمر- وعلي< فيمن أجهضت خوفاً من>عمر<، والخلاف بين >عمر- وابن مسعود< فيمن زنا بامرأة ثم تزوجها، وخلاف >عثمان- وعلي< في كيفية توزيع مقادير الفيء على عموم المسلمين، وخلاف >زيد بن ثابت- وابن عباس< في توريث الإخوة مع الجد·
اختلاف لاحق·· مع تقدير واحترام
وقل نحو ذلك في الكثير من القضايا التي وقعت في عصر التابعين ومن بعدهم، في أمور المال، والسياسة، والاجتماع، والقضاء·· حتى نشأ لكل مجتهد مذهب فقهي منهجية المستقل في الاستنباط والتخريج، وما كان أحدهم يعيب على الآخر، ولا يسفه قوله، ولا ينقص من قدره، بل كان جميعهم يسعُ جميعهم، ويرفع بعضهم من قدر بعض، لأن الهوى والتشهي لم يكونا مطية لأحد منهم ولا قصدا له، بل كان الحق رائدهم، وأخوة الإسلام تجمع بينهم·
ولعل من المناسب هنا ذكر الرسالة التي بعث بها >الليث بن سعد< فقيه أهل مصر وإمامهم، إلى >مالك بن أنس< عالم بلاد الحجاز وإمام أهل الحديث فيها، ويعرض فيها وجهة نظره في أدب رفيع وأسلوب راقٍ، في الكثير من القضايا والمسائل التي اختلفا فيها·
قال >الليث بن سعد< يرحمه الله: >سلام عليك فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد: عافانا اللّه وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة، وقد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني، فأدام اللّه ذلك لكم، وأتمه بالعون على شكره والزيادة في إحسانه··
ثم يقول: وإنه بلغك أني أفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه الناس عندكم، وإني يحق عليّ الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيتهم به، وإن الناس تبع لأهل المدينة، التي كانت إليها الهجرة وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك إن شاء الله تعالى، ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أجد أحدا ينسب إليه العلم إلا كره شواذ الفتيا·· ثم يقول: ونسأل اللّه أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا به، وتمام ما أنعم به علينا، والسلام عليكم ورحمة الله<·
أدب الاختلاف مع الآخر
إن من يتتبع النصوص الشرعية يجد مدى حرصها على توحيد الكلمة ما وجد إلى ذلك سبيلا، والبعد عن الاختلاف قدرالإمكان ، لأن الأصل في دعوة الإسلام الاتفاق لا الاختلاف، ومما يؤيد هذا ماوراه الشيخان أن النبي [ قال لـ >معاذ بن جبل - وأبي موسى الأشعري< حينما بعثهما إلى اليمن:(يسّرا ولا تعسًّرا، وتطاوعا ولا تختلفا)·
فإن عزّ الاتفاق ووقع الاختلاف وكان لامناص منه، تأكد الالتزام بأحكام الإسلام وآدابه، ومن ذلك ما يلي:
1- تجنب الجدل البغيض والبعد عن المماراة والانفعال، وذلك لقوله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} >النحل- 125<، وقوله [: >إن أبغض الرجال إلى اللّه الألدُ الخَصِم<، رواه الشيخان، والألد الخصم: شديد الخصومة المولع بها·
2- الالتزام بالكلم الطيب، والترفع عن ألفاظ السوء، وعن التعرض بالآخرين وذمهم وقدحهم، أو التنقص من قدرهم، لقول اللّه تعالى في سورة >الحجرات الآية -11<:{لا يسخر قوم من قوم···}، وقوله تعالى في الآية نفسها: {ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ··}·
3- احترام الرأى الآخر، والتأديب مع أصحابه وإحسان الظن بهم، والثناء عليهم أمام الناس، والتواصل معهم، وذلك لقوله تعالى في سورة الحجرات في الآية 12: {اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم}، وقوله في الآية 10 من سورة الحجرات: {إنما المؤمنون إخوة}·
وذكروا: أن رجلا جاء إلى >زهير بن معاوية الجعفي< الكوفي - أحد كبار السلف- فقال له >زهير<: من أين جئت؟ قال الرجل: من عند >أبي حنيفة<، قال >زهير<: إن جلوسك مع >أبي حنيفة< يوماً أنفع لك من جلوسك معي شهرا، وهكذا عرَّف >زهير< بقدر غيره وجهر به أمام الآخرين، وحضهم على الاستفادة منه، مع أنه كان يخالفه في الرأي في كثير من القضايا والمسائل·
4 - الرجوع إلى الرأى الآخر إن كان حقا، والعدول إليه حال تبين صوابه، كتب >عمر< لـ >أبي موسى الأشعري< ]: لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه عقلك، وهديت فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل·
ثمرات الاختلاف ومنافعه
للخلاف المشروع- السابق بيانه وبيان أحكامه وآدابه - منافع وفوائد لا تنكر، ومن ذلك ما يلي:
1- فتح المجال أمام الفكر الإنساني إلى الافتراضات التي تستطيع العقول المختلفة الوصول اليه، قال اللّه تعالى في الآية 21 من سورة الحشر:{وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون}·
2- إتاحة الفرصة أمام الطاقات الذهنية والبدنية المبدعة لخدمة الإسلام والأمة، وفي الحديث الذي رواه الطبراني وغيره: (اعملوا فكلُّ ميسٌر لما خُلِق له)، وفي حديث آخر:>الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها أخذها< رواه الترمذي·
3- إيجاد الحلول المتعددة في واقعة من الوقائع ليهتدي فيها إلى الحل الشرعي المناسب الذي يعالج مشكلات الناس·
4- الدلالة على سماحة الدين ويسره وانفتاحه على الحياة واستيعابه لمستجداتها·
وبعد:
إنه لا ينبغي لأحد أن يضيق بآراء الآخرين وأقوالهم، ماداموا يستقونها من النبع الحق، وما داموا مؤهلين لما يبحثون فيه أو يدرسونه أو يعالجونه، وإن ترك ذلك اختلفا في الرؤى والنتائج والاختبارات، قال >ابن برهان الشافعي<: إن الشرائع سياسات يدبر الله تعالى بها عباده والناس مختلفون في ذلك بحسب الأزمة فلكل زمان نوع من التدبير، وحظ من اللطف والمصلحة تختص به، كما أن لكل أمة نوعا من التدبير يصلحهم<·
كما أن من أهم الواجبات - في الوقت عينه - العلم بأن المحافظة على الأخوة الإسلامية، ووحدة العمل في الساحات الدعوية، وصد العدو المشترك، ونبذ الاختلاف والتفرق قدر الإمكان، من أوجب الفرائض التي شرعها الله تعالى ومن أهمها، وصدق الله العظيم القائل: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} >الأنفال -46<·
المراجع
1 - إعلان الموقعين لابن قيم الجوزية·
2- الإنصاف في بيان سبب الخلاف للدهلوي·
3- التراتيب الإدارية لـ >عبد الحي الكناني<·
4- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي·
5 - رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية·
6- المغني لابن قدامة·
7 - مناهج الاجتهاد في الإسلام د· محمد سلام مدكور·
بقلم : أ·د·حسن عبد الغني أبوغدة - كلية التربية- جامعة الملك سعود
http://alwaei.com/topics/current/article.php?sdd=918&issue=477