المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاختلاف ·· وقبول الآخر


علوش 22
07-26-2005, 03:17 AM
الاختلاف ·· وقبول الآخر


الاختلاف هو: أن ينهج شخصان فأكثر طريقين متغايرين، في القول، أو الفعل، أو الحال·
وهو أمر فطري جِبِلِّي بين الناس، نظراً لوجود الفوارق الفردية بينهم، في القدرات، والفهم،والتصور، والاستيعاب، ومنهج النظر، والتفكير، والقدرة على العمل، فضلا عن المؤثرات الأخرى البيئية، والثقافية، والاجتماعية·· قال اللّه تعالى في الآية 118-119 من سورة هود:{ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين· إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}·
اختلاف واختلاف
لابد من القول: إنه ليس كل اختلاف أو خلاف هو مشروع ومرضي عنه، بل هناك اختلاف مذموم، وآخر مشروع مقبول: فالاختلاف المذموم ما خالف صريح الوحي الإلهي من كتاب أو سنَّة، وفرَّق الدين، ومزّق الأمة، دافعُه الهوى والأنانية والغايات الشخصية، وهذا هو الذي حذَّر منه الإسلام، ونهى عنه القرآن، سواء كان في العقائد وأمور الديانات، أو كان في شؤون الحرب والدفاع عن الحقيقة والمقدَّسات، قال اللّه تعالى في الآىة >31-32 من سورة الروم< {ولا تكونوا من المشركين· من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيَعاً كل حزب بما لديهم فرحون}، وفي آية أخرى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله م الصابرين} >سورة الأنفال -46<·
وعلى هذه الأمثلة ونحوها تُحمّل نصوص الشريعة وأقوال العلماء الناهية عن الاختلاف الموجبة لتجنٌبه وتركه، قال >عبدالله بن مسعود< ] الاختلاف شر· وهو لم يقصد إلا هذا النوع من الاختلاف·
أما الاختلاف المشروع المقبول، فهو في فروع الشريعة وأحكامها الفقهية، وأمور المباحات ونحوها، مما لايبعد عن رضوان اللّه تعالى في طلب الحق والبحث عنه، وذلك من خلال إعمال العقل والفهم للوصول إلى إسعاد الناس، وتحقيق مصالحهم، والسعي إلى حماية أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم، وتيسير أسباب الحياة الكريمة لهم·
الاختلاف المشروع: هو اختلاف فطري يتفاعل مع المعطيات وينطلق على السجية من المدارك والعقول، من أجل إعمار الكون وازدهار الحياة، واستمرار الوجود الإنساني إذ كل إنسان ميسَّر لما خُلِقَ له·
اختلاف في خير القرون للاعتبار والتأسَّى
تروي كتب السنن والسيرة الكثير من المواقف والحوادث العملية التي وقع فيها الاختلاف في سلف هذه الأمة المباركة، لكنه بقي ضمن حدوده المباحة المشروعة، وأخرج أصحابه - المسلمين من بعدهم - من ضيق الأفهام إلى سعة الإسلام، ومن حنق النفوس إلى ألفة القلوب، ومن العسر إلى اليسر، ومن الشخصانيةإلى الموضوعية، ومن الوقوف عند تفكير الفرد والاقتصار عليه إلى البحث عن مصلحة الأمة والتيسير عليها·
ولعل أشهر حادث اختلاف وقع بين المسلمين في العصر النبوي، ما أخرجه الشيخان: أن النبي [ قال لأصحابه عقب غزوة الأحزاب: لا يُصَلَّيَنَّ أحدُ منكم العصر إلا في بني قريظة، فأدركهم العصرُ في الطريق وخافوا أن يفوتهم ولا يصلُّونه، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتي بني قريظة، تنفيذاً لأمر النبي [، وقال آخرون: بل نصلي في الطريق، لأنه لم يُردْ منا إلا التعجٌل والسرعة، واللّه تعالى يقول: في الآية 103 من سورة النساء {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} ففعل كل منهما ما شاء، ثم ذكروا ذلك للنبي [ فأقرَّ الفريقين، ولم يعنِّف أحداً منهما·
وهكذا وسع كل فريق ما فعله الفريق الآخر وخالفه فيه، وعّذر بعضهم بعضا، لما عنده من حجة فهمها من فحوى النص النبوي ومقاصده، أو ظاهره وحرفيته· وبهذه الروح من السماحة والانفتاح على الآخر، وسعَ المخالفون صاحبهم فيما اجتهد فيه وذهب إليه، ولم يضق بعضهم ذرعاً ببعض، واستمرت أُلفتهم وصحبتهم

وقائع من اختلاف الصحابة في قضايا خاصة وعامة:
لم يقتصر الاختلاف على ما سبق ذكره - لأن أسبابه الفطرية والخلقية والفقهية والثقافية، لا يمكن أن تزول وتمحى- بل استمر الخلاف بين الصحابة أيضا في عهد الخلفاء الراشدين، وكأن من أشهر صوره ووقائعه، اختلافهم في قضية دينية ذات طابع سياسي، وهي: فيمن يخلف رسول الله [ في رئاسة المسلمين، ثم مالبثوا أن اتفقوا على تولية >أبي بكر الصديق< ]·
واختلفوا أيضا في قتال مانعي الزكاة، وأدلى كل منهم بحجته، ثم اتفقوا على قتالهم، كما اختلفوا في تقسيم أراضي العراق، المعروفة بسواد العراق، وأصرّ كل فريق على موقفه، ولم يُفسد ذلك الخلافُ الذي وقع المودة فيما بينهم·
بل إن هناك الكثير من القضايا الفرعية الفقهية ذات الطابع التعبدي، والمالي والاقتصادي، والأسري، والاجتماعي، والسياسي، والقضائي، والجنائي، وغير ذلك مما وقع فيه الخلاف بين الصحابة ومن بعدهم، مما هو معروف في مواضعه ومراجعه·
ومما ذكروه في ذلك الخلاف بين >عمر- وعلي< فيمن أجهضت خوفاً من>عمر<، والخلاف بين >عمر- وابن مسعود< فيمن زنا بامرأة ثم تزوجها، وخلاف >عثمان- وعلي< في كيفية توزيع مقادير الفيء على عموم المسلمين، وخلاف >زيد بن ثابت- وابن عباس< في توريث الإخوة مع الجد·

اختلاف لاحق·· مع تقدير واحترام
وقل نحو ذلك في الكثير من القضايا التي وقعت في عصر التابعين ومن بعدهم، في أمور المال، والسياسة، والاجتماع، والقضاء·· حتى نشأ لكل مجتهد مذهب فقهي منهجية المستقل في الاستنباط والتخريج، وما كان أحدهم يعيب على الآخر، ولا يسفه قوله، ولا ينقص من قدره، بل كان جميعهم يسعُ جميعهم، ويرفع بعضهم من قدر بعض، لأن الهوى والتشهي لم يكونا مطية لأحد منهم ولا قصدا له، بل كان الحق رائدهم، وأخوة الإسلام تجمع بينهم·
ولعل من المناسب هنا ذكر الرسالة التي بعث بها >الليث بن سعد< فقيه أهل مصر وإمامهم، إلى >مالك بن أنس< عالم بلاد الحجاز وإمام أهل الحديث فيها، ويعرض فيها وجهة نظره في أدب رفيع وأسلوب راقٍ، في الكثير من القضايا والمسائل التي اختلفا فيها·
قال >الليث بن سعد< يرحمه الله: >سلام عليك فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد: عافانا اللّه وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة، وقد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني، فأدام اللّه ذلك لكم، وأتمه بالعون على شكره والزيادة في إحسانه··
ثم يقول: وإنه بلغك أني أفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه الناس عندكم، وإني يحق عليّ الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيتهم به، وإن الناس تبع لأهل المدينة، التي كانت إليها الهجرة وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك إن شاء الله تعالى، ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أجد أحدا ينسب إليه العلم إلا كره شواذ الفتيا·· ثم يقول: ونسأل اللّه أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا به، وتمام ما أنعم به علينا، والسلام عليكم ورحمة الله<·
أدب الاختلاف مع الآخر
إن من يتتبع النصوص الشرعية يجد مدى حرصها على توحيد الكلمة ما وجد إلى ذلك سبيلا، والبعد عن الاختلاف قدرالإمكان ، لأن الأصل في دعوة الإسلام الاتفاق لا الاختلاف، ومما يؤيد هذا ماوراه الشيخان أن النبي [ قال لـ >معاذ بن جبل - وأبي موسى الأشعري< حينما بعثهما إلى اليمن:(يسّرا ولا تعسًّرا، وتطاوعا ولا تختلفا)·
فإن عزّ الاتفاق ووقع الاختلاف وكان لامناص منه، تأكد الالتزام بأحكام الإسلام وآدابه، ومن ذلك ما يلي:
1- تجنب الجدل البغيض والبعد عن المماراة والانفعال، وذلك لقوله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} >النحل- 125<، وقوله [: >إن أبغض الرجال إلى اللّه الألدُ الخَصِم<، رواه الشيخان، والألد الخصم: شديد الخصومة المولع بها·
2- الالتزام بالكلم الطيب، والترفع عن ألفاظ السوء، وعن التعرض بالآخرين وذمهم وقدحهم، أو التنقص من قدرهم، لقول اللّه تعالى في سورة >الحجرات الآية -11<:{لا يسخر قوم من قوم···}، وقوله تعالى في الآية نفسها: {ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ··}·
3- احترام الرأى الآخر، والتأديب مع أصحابه وإحسان الظن بهم، والثناء عليهم أمام الناس، والتواصل معهم، وذلك لقوله تعالى في سورة الحجرات في الآية 12: {اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم}، وقوله في الآية 10 من سورة الحجرات: {إنما المؤمنون إخوة}·
وذكروا: أن رجلا جاء إلى >زهير بن معاوية الجعفي< الكوفي - أحد كبار السلف- فقال له >زهير<: من أين جئت؟ قال الرجل: من عند >أبي حنيفة<، قال >زهير<: إن جلوسك مع >أبي حنيفة< يوماً أنفع لك من جلوسك معي شهرا، وهكذا عرَّف >زهير< بقدر غيره وجهر به أمام الآخرين، وحضهم على الاستفادة منه، مع أنه كان يخالفه في الرأي في كثير من القضايا والمسائل·
4 - الرجوع إلى الرأى الآخر إن كان حقا، والعدول إليه حال تبين صوابه، كتب >عمر< لـ >أبي موسى الأشعري< ]: لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه عقلك، وهديت فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل·

ثمرات الاختلاف ومنافعه
للخلاف المشروع- السابق بيانه وبيان أحكامه وآدابه - منافع وفوائد لا تنكر، ومن ذلك ما يلي:
1- فتح المجال أمام الفكر الإنساني إلى الافتراضات التي تستطيع العقول المختلفة الوصول اليه، قال اللّه تعالى في الآية 21 من سورة الحشر:{وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون}·
2- إتاحة الفرصة أمام الطاقات الذهنية والبدنية المبدعة لخدمة الإسلام والأمة، وفي الحديث الذي رواه الطبراني وغيره: (اعملوا فكلُّ ميسٌر لما خُلِق له)، وفي حديث آخر:>الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها أخذها< رواه الترمذي·
3- إيجاد الحلول المتعددة في واقعة من الوقائع ليهتدي فيها إلى الحل الشرعي المناسب الذي يعالج مشكلات الناس·
4- الدلالة على سماحة الدين ويسره وانفتاحه على الحياة واستيعابه لمستجداتها·
وبعد:
إنه لا ينبغي لأحد أن يضيق بآراء الآخرين وأقوالهم، ماداموا يستقونها من النبع الحق، وما داموا مؤهلين لما يبحثون فيه أو يدرسونه أو يعالجونه، وإن ترك ذلك اختلفا في الرؤى والنتائج والاختبارات، قال >ابن برهان الشافعي<: إن الشرائع سياسات يدبر الله تعالى بها عباده والناس مختلفون في ذلك بحسب الأزمة فلكل زمان نوع من التدبير، وحظ من اللطف والمصلحة تختص به، كما أن لكل أمة نوعا من التدبير يصلحهم<·
كما أن من أهم الواجبات - في الوقت عينه - العلم بأن المحافظة على الأخوة الإسلامية، ووحدة العمل في الساحات الدعوية، وصد العدو المشترك، ونبذ الاختلاف والتفرق قدر الإمكان، من أوجب الفرائض التي شرعها الله تعالى ومن أهمها، وصدق الله العظيم القائل: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} >الأنفال -46<·

المراجع
1 - إعلان الموقعين لابن قيم الجوزية·
2- الإنصاف في بيان سبب الخلاف للدهلوي·
3- التراتيب الإدارية لـ >عبد الحي الكناني<·
4- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي·
5 - رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية·
6- المغني لابن قدامة·
7 - مناهج الاجتهاد في الإسلام د· محمد سلام مدكور·


بقلم : أ·د·حسن عبد الغني أبوغدة - كلية التربية- جامعة الملك سعود
http://alwaei.com/topics/current/article.php?sdd=918&issue=477

المغترب
07-26-2005, 06:31 AM
منقول راااائع مثلك أخي علوش .

شكر الله ما كتبت وجعل ذلك في ميزان حسناتك .

علوش 22
07-27-2005, 02:55 AM
اشكرك على المتابعة والتعقيب الجميل والدعاء الحسن اخي الكريم

حطين
08-01-2005, 12:45 AM
سلام الله عليك ما أشد حدبك ولطفك يا كريم ..
ولعل هذه إحدى وقفاتك الجليلة التي أتعلم منها ولا زلتُ ..

أخي رحمني الله وإياك ..
يعلم الله أنني لم ألج إلى نقاش أو حوار إلا ووضعت لنفسي خطوطا ًحمراء وصفراء
لا أتجاوزها ولا أحيد عنها ، فإذا ما فعلتُ وأتبعتُ نفسي هواها ؛
أوقعت بها عقوباتٍ تفتتُ كبدي وتحرق قلبي لعل من أفتكها كف اليد واللسان ..
كل هذا وأنا أعلل نفسي بأن من لا يحسن الكلام ولا يجيد عرض بضاعته من الحق
ولا يعرف من نفسه - الأمارة بالسوء - إلا الجدل المفضي إلى السباب والشتائم
فالصمت أولى به ..
فكيف إذا اجتمع عليك حدة الطبع في التمسك بحقك مع رعونة صاحبك ؟
أيّ شقاء صرتَ إليه وأي بلية ركبتَها ؟!
فليتك إذن تبصرني وأنا أرى الأوهام تتسلل إلى رأسه عارية من الدليل
وليت بليتي به اقتصرت على هذا ، إذن لهان الخطب ولكن عجيبة الدهر وفاجعة الروح والبدن
حين تراه لا يفتأ يصمك بما ليس فيك ويُجيش لهذا عدته وعتاده من القلم واللسان
ثم هو مع كل هذه العقد المحكمة لا يفهمك ولا يريد أن يفهمك ولا يريد أن يدري
أنه لا يفهمك وتلك والله ثالثة الأثافي ..
فمن أي باب طرقته أوصده في وجهك ومن أي منفذ قصدته سده دونك
فقل لي بربك :من السامع ومن المتكلم ؟!

فكيف إذا علمتَ - يا كريم - ما علمتُ ، ولا أظن مثلك إلا ألمعياً فطنا ً :
أن من استحلى رضاع الأغاليط عسـُر عليك فطامه ؟!
وربما تصرمت أيامك وانقضت زهرة عمرك وأنت تحتال لعلاجه ..

أفلا تذره يصارع أوهامه وتستريح من إفهامه ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ؟!
وفي هذا إبقاء لرباط الود وآصرة الأخوة والتي لم يُـبقِ الاختلافُ لها في زمننا بقية !
.

** عموما ً هذه خاطرة اسميتها " مشروع تفاهم " جرى بها القلم فيما سبق
رأيتُ مناسبتها في هذا المكان فإن شاء أخي علوش الإبقاء عليها أو بترها
فهي له وإليه .. وفي الحديث : " أنت ومالك ملك لأبيك "
وإلا فقد عجز اللسان أن يضيف مفيدا ً على ما نقلتَ وأجدني في أمس الحاجة إليه ..

ومن هنا :
إلى كل من أخطأ بحقي أنت في حلٍّ [ إلا ما استثنيتُ بخط يدي ]
ولستُ في حاجة لينثني قلبي على بغضٍ لمسلم
وإلى كل من أخطأتُ بحقه أرجو أن يُلبسني صفْحه ومعذرته
{ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ..

.

علوش 22
08-01-2005, 04:17 AM
القاعدة التي اتعامل بها هي انه لا اختلاف الا فيما يمكن او يجوز فيه الاختلاف .
واما الاشياء التي تثبت بدليل شرعي قطعي وبدلالة شرعية قطعية فلا مجال ولا مسوغ للاختلاف فيه .
واظنك يا اختاه الفاضلة حطين , وانت صاحبة بحث واطلاع , ولك صولات وجولات في الافكار والرؤى والتحاليل , كما الاحظ في كتاباتك , تتمسكين بهذه القاعدة السابقة الذكر , مثلنا جميعا .
لا اريد ان اذكر هنا المجالات التي يمكن ان تختلف فيها الاراء , فهي كثيرة , واسبابها , ايضا كثيرة .

ولا اخفيك القول ان هذه الخاطرة التي كتبتيها بعنوان اسميته " مشروع تفاهم " , واسمحي لي بان اتوسع في الموضوع , فاقول :
جاءت هذه الخاطرة التي كتبتيها مكملة للموضوع الاساسي , لانها خطرات انسان يحمل في عقله افكارا ويحمل في قلبه مشاعرا , وهو بالتالي يتاثر بها , وتجعله يرى الحقائق والوقائع والاحداث بمنظار خاص ومعيار معين , فيكون بهما النظر اليها في عدة ابواب :
فمنها ما يدخل تحت باب اليقينيات , - مثل وجود الله والحياة الاخرى وسائر اركان العقيدة الاسلامية - , ومنها ما يدخل تحت باب الاوهام , مثل حتمية الشيوعية او الحريات المطلقة , او استمرار وديمومة انتصار الباطل على الحق , او ان الكون وجد صدفة , وسائر الاقاويل النظرية غير الواقعية - ومنها ما يدخل تحت باب الظن , والظن له ثلاث معان , منها التصديق الكلي , كقوله تعالى "الذين يظنون انهم ملاقو ربهم وانهم اليه راجعون "سورة البقرة , ومعنى الذين يظنون : اي يوقنون , ومنها التكذيب الكلي , كقوله تعالى "ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعدلهم جهنم وساءت مصيرا " . وقد ذم الله تعالى من أساء الظن به ، ولذلك ذم الله المشركين لأنهم يظنون به ظن السوء ، كما في قوله تعالى: (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى).
ويقول المصطفى عليه افضل الصلاة والسلام في ذلك : (اياكم والظن فان الظن اكذب الحديث )، والظن هنا ما لا يمكن الوثوق به . ولذلك يقال على العموم : ما كان من أمر معاد من الظن فهو ظن يقين ، وما كان من أمر الدنيا فهو ظن شك .
هذه المعاني لكلمة الظن حقيقية - ليست مجازية - من الناحية اللغوية والشرعية .
ومنها ما لا يمكن تصديقه او تكذيبه بشكل كلي . وهو المعنى المراد في موضوعنا هنا , والذي هو عن امكانية وقوع الاختلاف , وهو الظن فيما لا يمكن تصديقه او تكذيبه بشكل كلي , فيظل تحت باب الشك او التحير او الالتباس , كقوله تعالى "تظنون بالله الظنونا" كلمة ظنون إذا انتهت بساكن تكون مقيّدة , وكلمة الظنونا تعني انها متشعبة , ولذلك اختلفوا وتشابكوا فاختلفت الظنون , والاختلاف فيه موجود ، فظن المنافقون أن المسلمين يستأصلون - وهذا الظن الكذب -، وظن المؤمنون أنهم ينصرون وأن ما وعدهم الله حق، أنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون , وهذا الظن اليقين ,‏ فقوله سبحانه وتعالى للمنافقين : " وتظنون بالله الظنونا " فهذا الظن ظن شك إستولت فيه الحيرة على النفوس , فلذلك ذلك جاءت الكلمة بالإطلاق (الظنونا) .
وعن قوله تعالى {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} , قال ذلك أناس من المنافقين, قالوا : قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله ، وقد حصرنا ها هنا، حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته؛ ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا, فقال لهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم: كذبتم .
ان ظن المنافقين , مع انه كذب في الحقيقة , لكنه يدخل ايضا في باب الشك والحيرة عند المنافقين , فلا يوقنون بصحة ظنهم .
وهذا الظن , والذي يمكن ان يكون مختلفا بين الناس , هو الظن المقصود في موضوعنا , وهو المعنى المعنى العرفي المقصود بالظن , وهو المتداول والموجود بين الناس . ولذلك يقول الناس: الظن او اغلب الظن او الظن الراجح .. الخ .
يقول الله تعالى : "يا ايها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم"(الحجرات:12). لان كثيرا من الناس كانوا ضحيه لظن السوء , ولكن يفهم من الاية ايضا ان البعض الاخر من الظن ليس اثما , وهو الظن الذي يتعلق بالتكهن . وقد يصيب التكهن وقد يخطئ .
والتكهن هو الامر المعني بالأحداث، مثل نظرية المؤامرة , فمنهم من يؤمن بها ويحلل الاحداث بحسبها , كما في احداث 11/9 واحداث لندن التآمرية , ها , ومنهم من ينكر نظرية المؤامرة فينظر للاحداث بمنظار اخر .
وللعلم , فانا ممن يؤمنون بنظرية المؤامرة , لان الدلائل على وجودها كثيرة وملموسة . ولكني لا ارى ان نظرية المؤامرة هي التي تحرك كل شيء ، كما واكني لست ساذجاً أيضاً لكي أقبل كل شيء بحسن نية , فأنا اجمع مثل غيري من الناس بين قوله تعالى ( ان بعض الظن اثم ) , وبين قول العرب سوء الظن من حسن الفطن وقول عمر او علي - لا اذكر ايهما القائل -: احترسوا من الناس بسوء الظن . ولذلك هناك مناظير اخرى للامور تساعد على فهمها ,مثل المثل الذي يقول : لا تصدق كل ما تسمع , بل ومنهم من يضيف عليه فيقول : لا تصدق كل ما تسمع , وكذّب نصف ما تراه .
ولا تدرك الحقيقة إلا بالسعي والطلب والبحث والاطلاع والاستقراء وبالتوفيق من الله .
---------
هذا كلام عام عن مدركات العقل بين التصديق والتكذيب وما يتراوح بينهما .
واعود الان الى ما جاء في خاطرتك :
---------
سلام الله عليك ..
وعليك السلام .

يعلم الله أنني لم ألج إلى نقاش أو حوار إلا ووضعت لنفسي خطوطا ًحمراء وصفراء لا أتجاوزها ولا أحيد عنها .
نعم فهذا هو المفروض في كل نقاش أو حوار

فإذا ما فعلتُ وأتبعتُ نفسي هواها ؛ أوقعت بها عقوباتٍ تفتتُ كبدي وتحرق قلبي لعل من أفتكها كف اليد واللسان ..
نعم فهذه هي النفس اللوامة , وهي نفس خيّرة ومؤمنة .


من لا يحسن الكلام ولا يجيد عرض بضاعته من الحق ولا يعرف من نفسه - الأمارة بالسوء - إلا الجدل المفضي إلى السباب والشتائم فالصمت أولى به ..
صحيح , ورب متكلم لا يعرف كيف يوصل المعنى الذي يريده فيسيء او يضر به وهو لا يدري , ورب مبلغ اوعى من سامع , فمن تكلم فليقل خيرا او ليصمت . ولسانك حصانك وهل يكب الناس في النار يوم القيامة الا حصائد السنتهم ؟ واللسان هو المورد للمرء موارد الهلاك والعطب، وأعظم البلاء ما كان باللسان , ومن حفظ لسانه أراح نفسه، والصمت يكسب المحبة والوقار، والرجوع عن الصمت؛ أحسن من الرجوع عن الكلام، فالواجب على العاقل أن يلزم الصمت إلى أن يلزمه التكلم، فما أكثر من ندم إذا نطق،وأقل من يندم إذا سكت، وأطول الناس شقاء وأعظمهم بلاء من ابتلى بلسان مطلق وفؤاد مطبق. والواجب على العاقل أن يُنصف أذنيه من فيه، ويعلم أنه إنما جعلت له أذنان وفم واحد ليسمع أكثر مما يقول، لأنه إذا قال ربما ندم، وإن لم يقل لم يندم، وهو على رد مالم يقل؛ أقدر منه على رد ما قال، والكلمة إذا تكلم بها ملكته، وإن لم يتكلم بها ملكها، والعجب ممن يتكلم بالكلمة، إن هي رُفعت ربما ضرته، وإن لم تُرفع لم تضره، كيف لا يصمت؟ ورب كلمة سلبت نعمة..

فكيف إذا اجتمع عليك حدة الطبع في التمسك بحقك ورعونة صاحبك ؟
وهذا ما يؤدي الى عدم الوصول الى نتيجة من الحوار او النقاش .
فمن قصر بصره عن رؤية الأمور على حقيقتها، وعن تقديرها وفق ما هي جديرة به من اعتبارات .. طمعًا في منفعة مادية من منصب أو مال أو جاه، هي ما تجعله يطيع الجاهل فلا يقدّر أنّه يورده موارد الهلاك، ثمّ قد يجد العاقل الفطن فلا يأبه بقوله، وإن كان صاحب اختصاص وخبرة، بما يؤهّله ليكون الأخذ برأيه أكبر نفعًا، وأبعد تأثيرًا من طاعة سواه.

فليتك إذن تبصرني وأنا أرى الأوهام تتسلل إلى رأسه عارية من الدليل وتراه لا يفتأ يصمك بما ليس فيك ويُجيش لهذا عدته وعتاده من القلم واللسان ثم هو مع كل هذه العقد المحكمة لا يفهمك ولا يريد أن يفهمك ولا يريد أن يدري أنه لا يفهمك وتلك والله ثالثة الأثافي .. فمن أي باب طرقته أوصده في وجهك ومن أي منفذ قصدته سده دونك فقل لي بربك :من السامع ومن المتكلم ؟!
طبعا , وهذا يحدث كثيرا ولذلك قالوا ما جادلت جاهلا قط الا وغلبني . ولهذا ومن اجل حسن الافهام قالوا : خاطبوا الناس على قدر عقولهم .

فكيف إذا علمتَ - يا كريم - ما علمتُ ، ولا أظن مثلك إلا ألمعياً فطنا ً : أن من استحلى رضاع الأغاليط عسـُر عليك فطامه ؟! وربما تصرمت أيامك وانقضت زهرة عمرك وأنت تحتال لعلاجه ..
ومع كل ذلك , انا ارى انه اذا كان امر هذا الاخر يهمني ويغلب على ظني انه سيفهم في النهاية , فانني اتواصل معه حتى هذه النهاية .

أفلا تذره يصارع أوهامه وتستريح من إفهامه ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ؟!
لا , لا أذره , اتدرين لماذا ايضا لا أذره ؟ لانه انما ياكل الذئب من الغنم القاصية , فنخسر فردا كان يمكن ان يكون معنا لو تواصلنا معه ولم نذره لغيرنا .

وفي هذا إبقاء رباط الود وآصرة الأخوة والتي لم يُـبقِ الاختلافُ لها في زمننا بقية !.
لا , وهل ان تذره يكون فيه إبقاء لرباط الود وآصرة الأخوة , يقول المثل : "الله يرحم من بكاني، ولا يرحم من أضحكني" .

عموما ً هذه خاطرة اسميتها " مشروع تفاهم " جرى بها القلم فيما سبق رأيتُ مناسبتها في هذا المكان فإن شاء أخي علوش الإبقاء عليها أو بترها فهي له وإليه .. وفي الحديث : " أنت ومالك ملك لأبيك "
هي خاطرة جاءت في محلها , وجاءت بالفائدة . ولا يسعنا الا الإبقاء عليها , فان فيها تعبير عن طبيعة الانسان وعما يجول في خاطره مما يحضره العقل او تشده النفس .


وإلا فقد عجز اللسان أن يضيف مفيدا ً على ما نقلتَ وأجدني في أمس الحاجة إليه ..
لم يعجز اللسان فقد أضفت المفيدا , وتجدينا في أمس الحاجة إليه .

وإلى كل من أخطأ عليّ أنت في حلٍّ [ إلا ما استثنيتُ بخط يدي ] ولستُ في حاجة لينثني قلبي على بغضٍ لمسلم وإلى كل من أخطأتُ عليه فأرجو أن يُلبسني صفْحه ومعذرته { أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
هذا هو خلق المسلم المؤمن , وهذا ما نعهده فيك .
فبارك الله فيك وزادك علما وفضلا , فـ " احسنكم احسنكم اخلاقا وخير الناس من ينفع الناس " .
واعذريني على الاطالة , فما جال في خاطرك وكتبتيه , يجول في خاطري وخاطر معظمنا , لكن الفرق اننا لم نكتبه مثلك .