المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حقائق الاسلام وأباطيل خصومه


علوش 22
01-19-2005, 07:37 PM
الصراع بين الحق والباطل والخير والشر صراع قديم قدم البشرية ذاتها ،‏ ويبدو الباطل فى أحيان كثيرة عالى الصوت ،‏ واسع الانتشار ،‏ له بريق يأخذ بالأبصار ،‏ ولكن الباطل مهما علا صوته وزاد أعوانه فإنه عند النظرة القريبة الفاحصة والمدققة يظهر على حقيقته عاريا من الحق والحقيقة ( كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا )‏ وقديما قيل :‏ ليس كل ما يلمع ذهبا .‏ وقد تعرضت الأديان على مدى تاريخ البشرية لموجات ظالمة من الاتهامات الباطلة للتشويش على الرسالات الإلهية التى أتى بها الأنبياء والمرسلون من عند ربهم لإبلاغها للناس بهدف إخراجهم من الظلمات إلى النور .‏ وكان النصيب الأكبر من هذه الحملات الظالمة موجها إلى الإسلام بوصفه خاتم الأديان وآخر حلقة فى سلسلة الاتصال بين السماء والأرض .‏ ولا تزال هذه الحملات مستمرة حتى الآن ضد الإسلام متمثلة فى مقولات ظالمة يرددها خصوم الإسلام محاولين تزيينها برداء علمى حتى تبدو أمام من لا علم لهم ببواطن الأمور وكأنها نتيجة بحث علمى .‏ وعند النظرة الفاحصة يتضح أن الأمر لا صلة له بالبحث العلمى من قريب أو بعيد ,‏ وأن الأمر لا يعدو أن يكون ترديدا لمقولات معظمها يعد صورة معدلة لم سبق أن ردده كفار قريش حينما جاءهم النبى محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام،‏ وهى مقولات رد عليها القرآن الكريم وبين زيفها وبطلانها .‏ وقد أنشأ علماء المسلمين علم الكلام أو علم التوحيد منذ البدايات الأولى للإسلام لتثبيت إيمان المؤمنين من جانب والرد على خصوم الإسلام من جانب آخر ،‏ وقد أبلى علماء الإسلام بلاء حسنا فى هذا السبيل .‏ ولكن خصوم الإسلام لا يملون من ترديد باطلهم وبخاصة فى عصرنا الحاضر الذى توفر فيه أحدث ما عرفته البشرية من وسائل النشر والاتصال ،‏ ومن هنا فإن علماء المسلمين مطالبون بمضاعفة جهودهم فى الدفاع عن دينهم ودحض الافتراءات والأباطيل التى يرددها خصوم الإسلام بأسلوب علمى مقنع يزلزل الأرض من تحت أقدام أباطيل المبطلين وزيف المزيفين .
والاتهامات الموجهة إلى الإسلام أضحت معروفة ومحصورة ولا جديد فيها ،‏ والجديد هو الأسلوب وطريقة العرض ووسيلة الانتشار .‏ وعلماء المسلمين لا يزالون والحمد لله كالعهد بهم دائما مخلصين لدينهم ، مدركين لأهداف خصومهم ،‏ واعين بظروف العصر ومتطلباته .‏ ومن هنا نجد بين الحين والحين الردود المفحمة لباطل المبطلين وتخرصات المتخرصين ،‏ مما يجعل الباطل يتداعى ويتهافت ولا يقوى على الوقوف أمام قوة الحق ونور اليقين ،‏ وقد بين العلماء العديدون الذين نهضوا للقيام بهذه المهمة فى العصر الحديث حقائق الإسلام وأباطيل خصومه دفاعا عن الإسلام وتفنيدا لتلك المقولات الظالمة عن القرآن والرسول بصفة خاصة ورسالة الإسلام بصفة عامة , وبمناقشة علمية مبينة بطلانها وتهافتها وتعريف المسلمين واطلاعهم على مدى الزيف والبطلان فى هذه المقولات القديمة المتجددة حتى لا يغتر أحد ببريق الباطل مهما كانت درجة لمعانه الذى يخطف بالأبصار . فالحق دائما أبلج والباطل لجلج .‏ ولن يستطيع الباطل أن يطفئ نور الحق بأى حال من الأحوال .‏

لم يكن صاحب الرسالة الخاتمة محمد صلوات الله وسلامه عليه أول رسول تعرض هو ،‏ أو تعرضت رسالته لمثل ما سنجده فى هذه المقولات الظالمة .‏ ولم يكن وحده صلوات الله وسلامه عليه الذى كذبه قومه ، وآذوه وهموا به أن يقتلوه ،‏ وعرضوا من اتبعه من الناس للنكال وللعذاب الأليم .‏ بل لم يكن وحده صلوات الله وسلامه عليه هو الذى أخرجه قومه واضطروه إلى الهجرة من مكة إلى المدينة .‏ لم يكن وحده وإنما كان هذا ما استقبل به كل أنبياء الله ورسله عبر التاريخ ،‏ منذ نوح ،‏ وإبراهيم ،‏ ولوط ،‏ ومنذ هود ،‏ وصالح ، وشعيب ،‏ ثم منذ موسى وعيسى وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .‏ فليس منهم واحد دعا قومه إلى توحيد الله وعبادته إلا كذبه قومه وهموا به وعذبوه . فقوم عاد قالوا لنبى الله هود حين دعاهم إلى عبادة الله وحده (‏ إنا لنراك فى سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين )‏ .‏ ثم يقولون له (‏ يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركى آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء )‏ .‏ ونبى الله صالح عليه السلام لما دعا قومه إلى عبادة الله وآمن به بعض المستضعفين :‏ (‏ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذى آمنتم به كافرون )‏ .‏ ونبى الله شعيب عليه السلام لما دعا قومه إلى الله (‏ قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا )‏ .‏
ولم يسلم أحد من أنبياء الله ورسله من العداء والتكذيب من أقوامهم وخاصة من الملأ المستكبرين فيهم ،‏ فقد ألقى إبراهيم عليه السلام فى النار ،‏ وحورب موسى عليه السلام من فرعون وملئه ،‏ وحاول أبناء القردة من بنى إسرائيل قتل عيسى وقالوا عنه وعن أمه ما لا يقال .‏
هى إذن سنة مضطردة فى عملية التدافع بين الحق والباطل وبين الضلال والهدى ،‏ وبين رسالات السماء وبين المبطلين من المشركين والكفرة الذين يستكبرون فى الأرض . وليست خاصة بصاحب الرسالة الخاتمة محمد صلوات الله وسلامه عليه .‏
لكن ثمة ملحظا جديرا بالاعتبار ،‏ وهو أن كل ما ووجه به رسل الله عليهم السلام قد مضى مع التاريخ ،‏ ولم يعد من يستثيره أو يتحدث به .‏ بل إن ما كان من شقاق بين أتباع الديانتين :‏ اليهودية والمسيحية بخصوص الموقف من عيسى عليه السلام واتهام اليهود بقتله حسب معتقدهم .‏ هذا الشقاق قد تمت تصفيته فيما أعلنه المجمع المسكونى عام ‏1963 وعام ‏1965م من تبرئة اليهود من دم المسيح .‏ وأصبح الفريقان - كما يقول التعبير الشعبى فى مصر -‏ سمن على عسل ، كناية عن منتهى التفاهم والتعاون والتواد .‏ وبقى الإسلام -‏ والإسلام وحده من بين رسالات السماء - مركز الهدف الذى يتعاون الجميع على الكيد له والإساءة إليه ،‏ على ما نراه مبثوثا فى هذه المقولات الظالمة .‏
وفى البداية لم يكن ثمة ما يدعو إلى القلق من مثل هذه المقولات الظالمة فما أكثر ما قيلت فى القديم والحديث ،‏ وما أكثر ما صكت مسامع الناس حتى ملوها وضاقوا بها .‏ لكن جديدا فى الأمور استوجب الانتباه ورصد اتجاهات الرياح والأحداث ، فقد بدأت هجمات شرسة على الإسلام فى العقد الأخير من هذا القرن لم تكن ملحوظة بهذه الكثافة من قبل ، شارك فيها سياسيون كبار على مستوى رئيس دولة وشارك فلاسفة ومنظرون يكتب أحدهم فى الغرب عن آفاق الصدام بين الإسلام والغرب ويكتب آخر فى الشرق عن نهاية التاريخ وكلاهما يوحى بأن القرن الحادى والعشرين ربما كان انتهاء دور الإسلام أو انتهاء عطائه الحضارى ،‏ بما يقصيه -‏ وأتباعه -‏ عن أى دور وأى مكان ليس فى سياسة العالم فحسب ،‏ بل حتى فى سياسة عالمه الذى يوجد فيه مسلمون .‏ وأخذت شبكات المعلومات الدولية والاعلامية الغربية تبث المقولات الظالمة عن الرسالة الخاتمة . الأمر بهذا جد خطير ،‏ وآفاق المستقبل تحمل فى أحشائها نذر اتجاه إلى تصفية الإسلام من وجه الدنيا حتى لا تبقى فى العالم إلا حضارة الغرب ،‏ وعقيدة الغرب .‏
من هنا كان لابد من عمل ..‏ ومن التفنيد والرد . ودحض ما هو موجه إلى الإسلام من افتراءات ،‏ بعد رصد كل ما يقال عن الإسلام خارج دياره من اتهامات أو ما يكون من بعض المسلمين من شطط فى الفكر ,‏ ثم يتم تصحيحه وكشف باطله من خلال الدارسة العلمية الموضوعية الجادة التى تدحض التهمة بالحجة وترد الافتراء بالدليل .
‏ نسأل الله أن يرد سهام الكائدين فى نحورهم وهو حسبنا ونعم الوكيل .
هذه المقدمة لفضيلة الدكتور عبد الصبور مرزوق جعله الله فى ميزان حسناته للدفاع عن دين الله سبحانه من مغالطات وافتراءات يريد اهل الكفر ان يلصقوها به , وهو منها براء .

علوش 22
01-19-2005, 08:08 PM
حقائق الإسلام وأباطيل خصومه
تأليف : عباس محمود العقاد
عرض وتلخيص: محمد صبرة

يعد هذا الكتاب واحداً من أبرز كتب عباس محمود العقاد حيث جرد المفكر الكبير سلاح قلمه لدحض الأباطيل التي افتراها خصوم الإسلام والمسلمين على مر العصور

ويقول العقاد: إن أكبر الشبهات التي تعترض عقول المتشككين والمفكرين هما شبهة الشر وشبهة الخرافة وخلاصة الشبهة الأولى أننا لا نستطيع التوفيق بين وجود الشر في العالم وبين الإيمان بإله قدير كامل في جميع الصفات
وخلاصة الشبهة الثانية إننا لا نستطيع التوفيق بين العقائد والمحسوسات والمعقولات التي تنكشف عنها معارض البشر كلما تقدموا في معارج الرقي والإدراك

ويناقش العقاد هاتين الشبهتين وينتهي إلى أن وجود الشر في العالم لا يناقض صفة الكمال الإلهي ولا صفة القدرة الإلهية ويسأل المؤلف القائلين بشبهة الخرافة: إذا كان التدين على هذه الحالة التي وجد بها غير حسن في تقديركم فكيف يكون الحسن? وكيف تتصورونه ممكناً على نحو أقرب إلى العقل وأيسر في الإمكان؟
ثم يتحدث العقاد عن شمول العقيدة الإسلامية والمزايا التي امتازت بها عقيدة الإسلام ويبين كيف أن أحكام الإسلام لا تعوق المسلم عن أية غاية تفتحها أمامه أشواط العلم والحضارة ويقول إن في الإسلام زاداً للأمم الإنسانية في طريق المستقبل الطويل يواتيها بما فيه غنى لها

ويعرض العقاد بعد ذلك لعدة موضوعات في العقيدة الإلهية والنبوة والعبادات ويرى أن العقيدة الإلهية في الإسلام جاءت مصححة متممة لكل عقيدة سبقتها في مذاهب الديانات أو مذاهب الفلسفة ومباحث الربوبية وعقد المؤلف مقارنات منطقية بين الإسلام والديانات الأخرى خلص منها إلى أن الإسلام جاء بالدعوة إلى اله واحد أحد منزه عن لوثة الشرك ومنزه عن جهالة العصبية ومنزه عن التشبيه الذي تسرب من بقايا الوثنية إلى الأديان الكتابية

وفي تعرضه لأباطيل الخصوم يفند العقاد هذه الأباطيل
فبالنسبة لموضوع تعدد الزوجات في الإسلام نجده يقول: «لم يأت الإسلام ببدعة فيما أتاح من تعدد الزوجات وأما الجديد الذي أتى به أنه أصلح ما أفسدته الفوضى من هذه الإباحية المطلقة من قيد وأنه حسب حساب الضرورات التي لا يغفل عنها الشارع الحكيم فلم يحرم أمراً قد تدعو إليه الضرورة وإباحته خير من تحريمه في بعض ظروف الأسرة أو بعض الظروف الاجتماعية العامة لكن الإسلام مع ذلك اشترط العدل ونبه الرجال إلى صعوبة العدل بين النساء مع الحرص عليه

ثم تطرق العقاد إلى موضوع زواج النبي صلي الله عليه وسلم الذي يتخذه خصوم الإسلام ذريعة للقدح في شخص الرسول الكريم والتشكيك في دعوته المباركة
ويقول العقاد إنه ما اتفق خصوم الإسلام عن سوء نية على شيء كما اتفقوا على خطة التبشير في موضوع الزواج على الخصوص فكلهم يحسب أن المقتل الذي يصاب منه الإسلام في هذا الموضوع هو تشويه سمعة النبي صلي الله عليه وسلم وتمثيله لأتباعه في صورة معيبة لا تلائم شرف النبوة ولا يتصف صاحبها بفضيلة الصدق في طلب الإصلاح
وفي الحقيقة فإن المسلم الحق يعرف أنه ــ صلوات الله وتسليماته عليه ــ كان صادقاً في سيرته في زواجه وفي اختيار زوجاته وليس للنبوة من آية أشرف من آيتها في معيشة نبي الإسلام من مطلع حياته إلي يوم وفاته

وبعد ذلك يتناول العقاد قضية الرق
فيقول إن الإسلام شرع العتق ولم يشرع الرق إذ كان الرق مشروعاً قبل الإسلام في القوانين الوضعية والدينية بجميع أنواعها وكانت اليهودية تبيحه ونشأت المسيحية وهو مباح فلم تحرمه والذي أباحه الإسلام من الرق مباح اليوم في أمم الحضارة التي تعاهدت على منع الرقيق منذ القرن الثامن عشر الميلادي إلى الآن لأن هذه الأمم التي اتفقت على معاهدات الرق تبيح الأسر واستبقاء الأسرى إلى أن يتم الصلح بين المتحاربين على تبادل الأسرى أو التعويض عنهم بالفداء والغرامة وهذا هو كل ما أباحه الإسلام من الرق أو الأسر على التعبير الصحيح يقول سبحانه وتعالى في محكم آياته «فإما منا بعد واما فداء حتى تضع الحرب أوزارها»

وبعد ذلك يتعرض العقاد لما شاع عن الإسلام من أنه دين السيف يقول: لم يعمد المسلمون قط إلى القوة لمحاربة أية قوة أخرى إلا إذا صدتهم عن إقناع الناس بالإسلام . فإذا رصدت لهم دولة ما جنودها حاربوها لأن القوة لا تحارب بالحجة والبينة وإذا كفوا عنهم لم يتعرضوا لهم بسوء لذلك سالموا الحبشة ولم يحاربوها وحاربوا فارس والروم لأنهما أرسلا قواتهما لمحاربة المسلمين
ويستمر العقاد في مناقشة الأباطيل الأخرى التي يروج لها الأعداء مفنداً لها كاشفاً ما فيها من افتراءات مستنداً إلى حجج قوية من التاريخ والحقيقة والعقل والمنطق

علوش 22
01-19-2005, 08:20 PM
تعدد الزوجات

ان تعدد الزوجات الذي شرعه الإسلام ويهاجم من أجله من قبل بعض الجهلاء الحاقدين على كل ما هو اسلامي - لهو من اعدل التشريعات مراعاة لظروف الواقع الاجتماعي ووضع كل من الرجل والمرأة

وقد جاءالشرع بإباحة التعدد ولم يوجبه ووضع له شروطا على الزوج ان يراعيها وإلا كان اثما وليست اساءة بعض الناس لتلك الاباحة مدعاة الى مهاجمة هذا التشريع العادل

قال تعالى: «وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم الا تعدلوا فواحدة او ما ملكت ايمانكم ذلك ادنى الا تعولوا» النساء: 3

وعن قيس بن الحارث قال: اسلمت وعندي ثماني نسوة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ذلك له فقال اختر منهن اربعا

والعجب من المتغربين في ديارنا الذين يهاجمون تشريع التعدد في الاسلام ويغضون الطرف عن البغاء الغربي الذي اتخذ فيه الرجل مرحاضا له متى قضى وطره منها او ملها تركها وذهب الى غيرها لانه غير ملزم بها

وقد تساءلت نوال السعداوي مستنكرة شرعية التعدد واباحته للرجل لماذا لا تعدد المرأة كما يعدد الرجل؟ ولا يصدر هذا إلا من جاهل بطبيعة كل من الرجل والمرأة

وتقول في مجلة آخر ساعة عدد: 3470 الحقيقة: انني كتبت ضد تعدد الزوجات منذ ثلاثين سنة في كتاب «المرأة والجنس» مستندة الى قوله الله تعالى في سورة النساء الآية: 129 «ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم» وقلت ان الله سبحانه وتعالى شرط التعدد بالعدل ثم نفاه بأداة قاطعة للحاضر والمستقبل وهي «لن» مازلت اكرر هذا لان الرجال يتجاهلون هذا الأم
والعجب انها جامعية وتدعي الثقافة هي وامثالها وذكرها الآية في معرض نفيها للتشريع هو على طريقة «لا تقربوا الصلاة» لانها لو اكملت الآية لعرفت معنى صدور الآية

نعم ان الله جل وعلا شرط العدل ويكون في الكسوة والنفقة والمبيت
قال ابن قدامه رضي الله عنه «ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في وجوب التسوية بين الزوجات في القسم خلافا»

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت له امرأتان فمال الى احداهما جاء يوم القيامة وشقة مائل والميل المذموم هو الميل الحسي لا الميل العاطفي
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بيننا فيعدل ثم يقول «اللهم هذا قسمي فيما املك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك - قال ابو داود: يعني القلب
وقد يقع بحكم البشرية بعض التجاوز في العدل فنبه الله تعالى الى انه يذم اذا كان ظاهر الجور ومال كل الميل

ومن الشروط كذلك ان يكون قادرا على النفقة عليهن فلو تزوج رجل واحدة او اكثر دون قدرة على النفقة على من تزوج فإنه يكون خالف الشرع والنفقة تتفاوت من طبقة الى أخرى ومن مستوى الى آخر وليست شيئا واحدا محددا

ومن أراد التعدد فعليه ان يأتي لكل واحدة منهن بمسكن خاص ولا يصح جمعهما او جمعهن في سكن واحد إلا بالرضا منهن جميعا والمسكن ليس غرفة النوم قطعا ولكنه ما يلزم السكن فلو كانت في بيت كبير وصغير فهو مسكن

وقال ابن قدامة رحمه الله «وليس للرجل ان يجمع بين امرأتيه في سكن واحد لغير رضاهما صغيرا كان او كبيرا لان عليهما ضررا»

وليس الامر واجبا فلو كان الزوج قادرا على التعدد ولم يفعل فلا يأثم بتركه هذا الامر مع القدرة عليه

نعم قد تحدث بعض السلبيات من التعدد ولكنه بحكمة الزوج يتغلب على ما يحدث بين زوجاته من غيره ومشاحنة والغيرة موجودة بين النساء حتى وان لم يكن زوجات

ولكن تلك السلبيات على مستوى الاسرة تغتفر في جانب المصالح العامة للمجتمع الذي يقدم التعدد حلا لمشكلة العنوسة وكثرة الطلاق وقلة الرجال لفقدهم في الحروب والاعمال الشاقة

وقد دعت معلمة اللاهوت لاندمان ونشرت ذلك صحيفة الحياة في عدد 13099 «ليس هناك سوى عدد محدود للغاية من الرجال في العالم??? فقد قتل بعضهم في الحروب والآن حان الوقت كي تختار المرأة -غير المتزوجة - زوجا من بين الرجال المتزوجين وان تتفاوض مع زوجته على ان تصبح فردا من افراد أسرته»

والاسلام لم يبتدع التعدد بل حدده وقننه ووضع له شروطه وضوابطه ومع ذلك فهو ليس بفرض ولا واجب كما قلت

لقد ظلت الكنيسة حتى القرن السابع عشر تعترف بالتعدد وتقره لانه لا يوجد نص صريح في العهد القديم يحظر تعدد الزوجات وكل ما في الامر ان بعض الشعوب الوثنية كانت تحظر التعدد فلما تنصرت دخلت بتقاليدها النصرانية حتى غدا الأمر بمرور الزمن من صلب المسيحية

وما ذكر عن المسيح عليه السلام من عدم التعدد والاكتفاء بواحدة في - متى 19/4 - امر لا يحتمله كلام السيد المسيح: «اما قرأتم ان الذي خلق من البدء خلقهما ذكر أو انثى ويكون الاثنان جسدا واحدا اذا ليسا بعد اثنين بل جسدا واحدا»

هذا النص هو الذي استدل به من استدل على عدم إباحة التعدد وهو لا يحتمله فهو كما قال تعالى في مقام الامتنان: «ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون»

بل ان هناك نصوصا يعلم منها القارئ اباحة التعدد وحصر المنع لفئة محددة من الناس وهم الاسقف والشماس والمدبر فقط: «فعلى الاسقف ان يكون متنزها عن اللوم زوج امراة واحدة تيموتاوس الأولى: 3/2» وفي العدد الثاني عشر يقول: «ليكن الشماسة كل بعد امرأة واحدة مدبرين اولادهم وبيوتهم حسنا»

واما التوراة او العهد القديم ففيها نصوص صريحة على اباحة التعدد فكان معروفا في عهد الخليل ابراهيم عليه السلام فقد تزوج سارة وله منها اسحاق عليه السلام وتزوج هاجر وله منها اسماعيل عليه السلام وليس هاجر بجارية ولكنه تزوجها كما جاء في سفر التكوين 16/3 «واعطتها لأبرام رجلها زوجة له» ويعقوب عليه السلام تزوج «ليا» و«راحيل» وكان له جاريتان
فلماذا الهجوم على كل ما هو إسلامي والاسلام لم يبتدع هذا الامر بل أقر المبدأ وعدل فيه وحدده ووضع له الشروط والواجبات: أم انكم تريدون الخليلات وتأبون الحليلات ???

علوش 22
01-19-2005, 08:48 PM
توهم بعض الناس المتعجلين الخاطفين للأفكار، كأن الإسلام هو سبب تخلف الأمة، والتقدم غربي. ولو كان هذا صحيحاً ما سدنا العالم، وسادت حضارتنا عشرة قرون، كنا فيها معلمي البشرية، وكانت جامعاتنا تستقبل الطلاب من أنحاء العالم، وكانت أسماء علمائنا أشهر الأسماء، وكتبهم هي مراجع العلم العالمية، واللغة العربية هي لغة العلم الأولى، بل الفذة في تلك العصور. ولو كان ما ذكروه صحيحاً ما كان الغرب لعدة قرون يعيش في عصور الظلام، ولا يرى الضوء إلا من سم الخياط. فقد كان يشكو الفقر والأمية والقذارة والتفكك في كل جوانب الحياة، حتى مسته نفحة من الشرق الإسلامي، فهب من رقود، وتحرك من جمود، في حين نحن بدأنا نسلك سبيل الانحدار ..
تيار التغريب ..
واأسفاه. لقد رأينا رجالاً كباراً سلّموا للغرب الزمام، واستسلموا لتيار التغريب، بل منهم من كانوا دعاته ومروجيه من البدء، وكان غير المسلمين أشد جرأة وأعلى صوتاً في ذلك من المسلمين، كما رأينا أمثال سلامة موسى وغيره. ثم ظهر أثناء ذلك مسلمون كان لهم نفوذهم وجاههم، مثل لطفي السيد وطه حسين ومنصور فهمي. هناك من تبنوا فكرة الداروينية في النشوء والتطور ودافعوا عنها مثل شبلي شميل في لبنان، وإسماعيل مظهر في مصر ومن تبنوا فكرة (دور كايم) في علم الاجتماع ومن تبنوا فكرة (فرويد) في التحليل النفسي. ومن أهم هذه الأفكار التي شغلت الناس وقسّمتهم فكرة (كارل ماركس) في فلسفة المادية الجدلية، والصراع الطبقي، والفلسفة الجماعية، والتخطيط الاقتصادي المركزي. والتي قامت على أساسها الدول الشيوعية الكبرى : الاتحاد السوفييتي في الغرب والصين في الشرق ، وإن كان (ماوتسي تونغ) قد أضفى على الشيوعية الصينية طابعاً خاصاً.
وقد قامت في بلادنا أحزاب وجماعات تتبنى هذا الفكر وتروج له، وتجمع الشباب عليه، وتخوض المعترك السياسي على أساسه، منهم من كانت قبلته (موسكو) ومن كانت قبلته (بكين). منهم من كان زعيمه وملهمه (لينين) ومن كان ملهمه (ماو) ومن كان ملهمه (غيفارا) وكلهم ماركسيون.
وفي مقابل الفكرة الماركسية، كانت الفكرة الليبرالية، التي تتبنى الفلسفة الفردية، وحرية الفرد الاقتصادية والسياسية، والتي كان من ثمراتها العملية الرأسمالية في الاقتصاد والديمقراطية في السياسة. والتي قامت على أساسها دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية.
وكانت معظم النخب المثقفة في أوطاننا في أوائل القرن وأوسطه منقسمين بين التيارين الجديدين المتعارضين : التيار اليساري الماركسي، والتيار الليبرالي، وإن كان الليبرالي أكثر عدداً وأقوى عدة. وكلاهما غربي النشأة والجذور والوجهة، كما أن كليهما مادي الوجهة، حسّي النزعة، نفعي التوجه.

الفكر الحقيقي ..
أما الفكر الإسلامي الحقيقي، فكان من أوائل القرن، كأنه غائب عن الساحة إلاّ ما كان من أصوات هنا وهناك، تقاوم وتقاوم، مثل (مجلة المنار) في مصر، ومثل جماعة ندوة العلماء ومؤسستهم (دار المصنفين) في الهند، وعلى رأسهم العلامة شبلي النعماني والسيد سليمان الندوي ومثل العلاّمة عبدالعزيز الثعالبي في تونس.
وبعد مرحلة المناداة بالتبعية المطلقة وبصراحة للفكر الغربي بخيره وبشره، جاءت مرحلة أخرى، هي مرحلة التبرير والتلفيق والتوفيق ، بمعنى أخذ مسلمات الفكر الغربي ثم محاولة تبريرها إسلامياً، وتمريرها لدى الأمة، بالبحث عن فتاوى لتسويقها شرعاً. وكانت هذه في الواقع عملية تدليس أو تلبيس من إبليس، لأنه يريد منا أن نأخذ الخواجة الغربي، ونلبسه عباءة عربية، أو عمامة إسلامية.
وبعد هذه المرحلة جاءت مرحلة أخرى، هي مرحلة الدفاع عن الإسلام، والاعتذار عن الإسلام، أي اعتبار الإسلام كأنه في قفص الاتهام، وعلينا أن ندافع عنه، ونطلب له العفو والرحمة.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة الاعتزاز بالذات، والمواجهة مع الفكر المغاير، وخصوصاً فكر الحضارة المادية المعاصرة بشقيها الرأسمالي والشيوعي. وقد تجلى ذلك في تراث الدعاة الكبار في القرن الماضي، في العالم العربي، وفي باكستان والهند وإيران، وغيرها من بلاد الإسلام. وقد تميزت هذه المرحلة، بالاعتزاز والمواجهة.

ومن أتباع التيارين الماركسي والليبرالي من استمروا على عبوديتهم لفكرهم القديم، ومنهم من تغير إلى النقيض، وخصوصاً الماركسيين، ومنهم من تغير في السياسة لا في الفكر، فأصبح من أتباع الموقف الأمريكي، ومنهم دعاة التطبيع مع إسرائيل في مصر وغيرها، وهم الذين عرفوا بجماعة كوبنهاغن. ومن هؤلاء وأولئك من تحول إلى الإسلام صادقاً. من هؤلاء الدكتور منصور فهمي. ومنهم إسماعيل مظهر. ومنهم الدكتور مصطفى محمود. ومنهم خالد محمد خالد، الذي خرج على الخط الإسلامي في كتابه الشهير (من هنا نبدأ) وما تبعه من كتب عدة، ثم رجع إلى الخط الإسلامي، وخطّأ نفسه في شجاعة نادرة، وصراحة باهرة، في كتابه (الدولة في الإسلام) وما بعده من كتب. ومنهم الدكتور محمد عمارة، والمستشار طارق البشري، والأستاذ عادل حسين، وقد كانوا في مرحلة من حياتهم تأثروا بالماركسية، بل دخل بعضهم السجن من أجلها. وهم الآن ثلاثتهم من أقوى وأبرز الدعاة إلى الإسلام، والمدافعين عنه، كل في موقعه. بل منهم الشيخ علي عبدالرازق، الذي لم يسع إلى طبع كتابه (الإسلام وأصول الحكم) طوال حياته، ولم يتابعه بأي بحث أو مقال يؤيد الفكرة، بل نقل عنه الدكتور عمارة أنه قال لبعض المجلات عن عبارة (الإسلام رسالة روحية ولا صلة لها بالدولة أو السياسة) . إنها عبارة ألقاها الشيطان على لسانه. وقد كان في أواخر حياته يصلي وراء الشيخ الغزالي في الجامع الأزهر ويحرص على ذلك. وكذلك تغير الدكتور محمد حسين هيكل من النزعة الفرعونية إلى النزعة الإسلامية، بل طه حسين نفسه في أواخر حياته غيره في أوائل حياته، كما يظهر ذلك في كتابه (مرآة الإسلام). وكذلك العقّاد، لم يكن في أوائل حياته، كما كان في آخرها، فقد غدا لساناً من ألسنة الإسلام، دعوة إليه، ودفاعاً عنه. وكتب عبقرياته الإسلامية، و (الفلسفة القرآنية) و (الإسلام في القرن العشرين) و (حقائق الإسلامي وأباطيل خصومه)، و (الشيوعية والإنسانية)، و (ما يقال عن الإسلام)، وغيرها.
وأحسب أن الاستعمار لن يكون سعيداً ولا قرير العين اليوم، إذا رأى أن جهوده الطويلة المتتابعة المكثفة المخططة، لم تحقق هدفها الأساسي في تحويل أمة الإسلام عن نهج دينها، وشرع ربها، ونسخها إلى أمة أخرى، فها هي الصحوة الإسلامية تقلب الأوضاع رأساً على عقب،وترعب القوى المعادية للإسلام، في الغرب والشرق، حتى باتوا يكيدون لها كيداً، ويمكرون بها مكراً كبّاراً، والله من ورائهم محيط، (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) الأنفال : 30
لقد قلبت الصحوة الموازين، وغيرت الأفكار والأوضاع، وأصبح الشارع مع الحركة الإسلامية في عامة الأقطار، في مصر وفي الأردن، وفي اليمن وفي غيرها. حتى الجزائر التي استمر فيها أخبث أنواع الاستعمار، وهو الاستعمار الاستيطاني، مائة وثلاثين عاماً، تنتصر عسكرياً على هذا الاستعمار، وتعود طوعاً إلى حقيقتها وذاتيتها، وتقوم فيها صحوة إسلامية لا نظير لها، تنتهي بإيصال الإسلاميين إلى أغلبية ساحقة انتخبها الشعب مختاراً لمجلسه الوطني، وإن أبى ذلك العسكريون الموالون للثقافة الفرنسية.

علوش 22
01-19-2005, 08:59 PM
طه حسين، توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، سلمان رشدي، حيدر حيدر، وغيرهم من الكتاب: لماذا يتهجمون على الإسلام؟

هو سؤال يتبادر إلى الذهن عندما نجد هذا الكم الهائل من الذين تصدروا ساحة الأدب العربي والإسلامي – والذين أريد لهم أن يكونوا حاملي رايته في العصر الحديث – وهم يحملون هما موحدا وقاسما مشتركا جمعهم على اختلاف أوطانهم وتعاقب أزمانهم، ألا وهو الطعن في الإسلام، فلماذا هذا التهجم؟ ولماذا تبنى أمجاد أمثال هؤلاء على بقايا الإسلام الجريح الذي لا زال يئن وينزف، ولا زالت عواصف الفتن والكيد تنخر في جسده الطاهر المتماسك على الرغم من شدة وقع الحوادث والخطوب؟ ولماذا تحفل وسائل الإعلام العربية والغربية بأمثال هؤلاء بينما تسعى إلى تهميش كل أديب لا زال يحمل بين ضلوعه قيما وأفكارا أرضعها مع مبادئ الإسلام ومنهجه؟

بين العقاد وطه حسين

لعل أحد الأمثلة البارزة فيما نحن الآن بصدد ذكره ما حدث للأستاذ العقاد و طه حسين، فإنه على الرغم من تبحر الأستاذ العقاد في ميادين الأدب العربي وغيره، وفي ميادين الفلسفة والفكر بمختلف أنواعه، مما جعله يتقدم طه حسين وجل طبقته في مصر والعالم العربي، إلا أن التفخيم والتشهير اللذين نالهما الدكتور طه حسين كانا أكثر مما ناله الأستاذ العقاد، بل إنه لم يتحصل – حسب علمي – على أية جائزة جديرة بالذكر والاعتبار، بينما حصل طه حسين على العديد من الجوائز في مصر وأوروبا، ولُقب بعميد الأدب، وأُبرز للناس على أنه رائد الثقافة والأدب العربيين دون منازع.
ولعل المتأمل لما يحدث في الساحة الإعلامية اليوم يدرك سر التعتيم الذي مورس على الأستاذ العقاد، فنزعته الإسلامية التي تحكمت في كثير من كتبه بشكل جلي وواضح، إضافة إلى دفاعه المستميت على الموروث الثقافي العربي والإسلامي، وتهجمه العلمي على كثير من الآراء والأفكار الغربية ونقدها نقدا قويما مما خلق له العداء مع كثير من المثقفين في زمنه، كل ذلك كان له الأثر الواضح في سياسة تجعل من التبعية إلى العالم الغربي مفتاح كل نجاح وسر كل فوز.

ومن كان في شك من ذلك كله، فليقرأ كتبه التي خلفها شاهدة على منهجه، ليقرأ "حقائق الإسلام وأباطيل خصومه" ليعرف زيف الشبه المثارة حول الإسلام، ثم ليقرأ سلسلة العبقريات في ترجمة بعض أعلام الصحابة، وليقرأ بعدها كتبه في الإسلاميات، ثم ليقارن بما تركه طه حسين بين أيدينا، ليقرأ آراءه حول الشعر الجاهلي في كتاب يحمل هذا العنوان، وينظر بجلاء كيف يشكك في وجود تراث شعري مثل هذا التراث، فيقرر أنه من وضع الأدباء بعد الإسلام، وهو بذلك يكرر أسطوانة المستشرق "مارجوليوث" التي ذكرها قبل طه حسين بسنة واحدة. ومن تأمل أفكار طه حسين عرف سر سطوع نجمه، كيف يقرر أن القرآن حوى جملة من الأساطير ككون إسماعيل وإسحاق عليهما الصلاة والسلام أخوة، وأنه لا يمكن لنا التقدم والرقي حتى نأخذ ما في الحضارة الغربية بحذافيرها خيرها وشرها، إلى غير ذلك من الآراء التي تخالف الإسلام جملة وتفصيلا. ذكرنا هذا لنعلم سر المفارقة بينه وبين من هو أفضل منه، ولماذا يُشهّر هو ويُقبر ذاك.

شيطان الحكيم!!

ثم نعرج إلى ذكر مثل آخر.. ألا وهو مثل توفيق الحكيم، فإنه كذلك من الأدباء الذين كان لهم دور في حركة الأدب العربي في القرن العشرين، إلا أنه كسابقه كان يصطاد في الماء العكر الذي أهله لأن يكون من الأسماء العربية في مجال الأدب. الشيطان عند توفيق الحكيم يبرز بوجه غير الوجه المذكور في الكتب السماوية، بل وحتى في أذهان الناس، فهو عنده كائن مظلوم لا يستحق ما ألصق به من الصفات والألقاب. يصوّر توفيق الحكيم في إحدى قصصه الشيطان بهذه الصورة.. يندم على عصيانه أوامر ربه فيذهب ليستفتي شيخ الأزهر إن كانت له توبة، ولما كان علم شيخ الأزهر محدودا ولم يكن يتصور وقوع نازلة كهذه، فإنه يحيله إلى من هو أرفع منه، فيذهب إلى جبريل سائلا هل له من توبة، وجبريل كغيره لا يمكنه الإجابة عن سؤال مثل هذا فيكل ذلك إلى رب العالمين، فلمّا يصعد الشيطان إليه، يُلعن ويُطرد ويُعلَم أنه ليست له توبة. و تأخذ الشيطان حالة من اليأس والشعور بالألم والظلم، فينادي: أنا الشهيد، أنا الشهيد، فتناديه السماوات والأرض والجبال: أنت الشهيد، أنت الشهيد.
فتخبطات الصرع من أمثال هذا الكلام الذي لا زال الكثير يصر على إدماجه في ميدان الأدب الواسع لدليل على سبب اشتهار أولئك الكتاب عند العام والخاص في الدول العربية والغربية، لا لبراعتهم في الكتابة والأدب، بل لكونهم من الذين ساهموا في تحطيم كل القيم والرموز الثابتة التي تقض مضجع المستعمر وتُعيق إحكام قبضته الحديدية على العالم بأسره، وصدق قول أحدهم فيه: "لا توفيق ولا حكمة"!

نجيب محفوظ... أديب بلا أدب

يظن البعض أن هذا المقال يهدف إلى تحطيم كل رموز الأدب العربي في العصر الحديث، كما يظنون أن التحامل والإجحاف سببا كل ما نذكره هنا، إلا أننا نقر بهدوء ويقين أننا أبعد ما نكون عن ذلك كله، وحسبنا أن نقدم الدلائل المنطقية التي تؤيد صحة ما ذكرنا ولا ضير أن نخالف كائنا من كان بعد ذلك. يعد نجيب محفوظ نقطة من نقاط التحول في تاريخ الأدب الحديث، فهو العربي الأول الذي يحظى بنيل الجائزة التي يحلم الكل بأخذها ليسطر اسمه في صحائف التاريخ. وعلى الرغم من كون نجيب محفوظ من الذين يتميزون برمزية التصوير والكتابة القصصية، فالذي يقرأ رواياته يدرك أن هذا لم يكن المعيار الوحيد لنيله جائزة دولية كهذه، وذلك لوجود من هو مثله أو أفضل منه، إلا أن الفارق بينه و بين غيره هو تلك الأفكار التي يبثها في رواياته، ولا نريد أن نتكلم هنا عن بعض المقاطع التي تلهب الغريزة البشرية لأن المعترض له أن يقول أنه بصدد تصوير واقع لا غير، ولكن الذي يهمنا هنا هو هجومه الصارخ على القيم والثوابت الإسلامية، ونرى معه عبر صفحات قصصه قوله مبررا ردة أحد أبطال رواياته وتخليه عن الإسلام: "وأين الدين؟ ذهب يوم ذهب رأس الحسين"، ناهيك عن نصوص الشك في الإسلام وقيمه التي حشا بها كثيرا من كتبه، بل صرح هو نفسه أن شخصيات قصصه إنما كانت تعبر عما يدور هو في نفسه. وذكر في تصريح صحفي أنه قد قال عبر قصصه كل ما يريد قوله، وسئل مرة عن من كان يمكن له استلام جائزة نوبل للأدب غيره، فذكر أن أحق أحد بها هو الأديب المفكر سيد قطب – رحمه الله – لولا أنه انحرف!! (بمفهوم نجيب محفوظ طبعا). فنحن نرى أن كاتبا كهذا هذه أفكاره وتوجهاته، ثم إنه لم يظهر العداء للكيان الصهيوني الذي طالت يده أجزاء من مصر، لجدير أن ينال كل تكريم وجائزة، ونردد نحن ما قاله القاضي عبد الوهاب المالكي البغدادي:
أصبحت فيمن لهم دين بلا أدب
ومن لهم أدب عار عن الدين
أصبحت فيهم وحيدا (لا أنيس معي)
كبيت حسان في ديوان سُحنون

سلمان رشدي، لا سلم و لا رُشد !!

وحكاية سلمان رشدي أشبه ما تكون بقصص الخيال التي نادرا ما تتجسد على أرض الواقع. إنها قصة رجل مغمور لا يسمع به، احترف مهنة الكتابة في زمن كثر فيه المدعون، وذات يوم قرر أن يكتب عن الإسلام، فكتب "آيات شيطانية" التي رفعته إلى مصاف الرجال المشاهير، وبين عشية أو ضحاها، لفت أنظار العالم كله إليه، وأصدرت الجمهورية الإيرانية فتوى بقتله ورصدت لذلك مكافأة تقدر بملايين الدولارات، وأنكر العالم هذا التصرف، مطالبا بضرورة احترام الحريات الفردية ولكل كاتب أن يكتب ما يريد، فصار سلمان رشدي حينئذ من أشهر الناس على الإطلاق لدرجة أنه استدعي من طرف الرئيس الفرنسي في قصر (الإيليزيه) بباريس قصد تكريمه، مع العلم أن فرنسا نفسها أصدرت قرارا بمنع كتاب المفكر "رجاء غارودي" المعنون بـ: "الأساطير المؤسسة للدولة الإسرائيلية" من الصدور وفرضت على كاتبه غرامة مالية بتهمة "العداء للسامية" مع أن كتابه جار على النسق العلمي!! وهكذا كان الإسلام مطية يتخذها الطاعنون ليبلغوا قمة المجد والشهرة بالرغم من تفاهة مؤلفاتهم وضعف مستواهم العلمي والأدبي.

"حيدر حيدر" يقدم نفسه وليمة لأعشاب البحر ! !

وتكرر نفس السيناريو مرة أخرى مع كاتب سوري يزاول مهنة التعليم في الشرق الجزائري، لم يسمع أحد به إلى اليوم الذي أصدر روايته "وليمة لأعشاب البحر"، والتي طارت به في سماء الشهرة والأضواء. وكسابق المشاهد المتكررة، يُتخذ الإسلام غرضا للطعن والتشويه، كما تتخذ القيم والثوابت موضوع كتابة يجمع الغث والسمين، وعلى حد تعبير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لحم جمل غث على جبل وعر، لا سمينا فينتقى، ولا سهلا فيرتقى". وينساق الكاتب المغمور في هذيانه المحموم حتى يتطاول على الله سبحانه وتعالى، فيصفه بكونه فنانا فاشلا، لأن أنف حبيبته طويل! ولو أنصف الجاهل نفسه لعلم أنه هو الفاشل حقيقة، لا يحسن غير الإساءة لله والإسلام، وأن وجود أمثاله ممن يكتبون لدليل على فشل الأمة التي صار كل شيء فيها حمى مستباحا لكل من هب ودب، اللهم إلا الحكام الذين صاروا أقدس من رب العالمين!

الإسلاميون و الرقابة

وككل بادرة، وعند كل شاردة وواردة من أمثال هذه القضايا، يتعالى صوت الإسلاميين من كل حدب وصوب، بالحكم على المؤلف بالردة تارة، وبالمطالبة بسحب كتابه تارة أخرى، مما يجعل لقضية الكاتب أبعادا أخرى تختلط فيها السياسة بالقيم، فيعوي فرد من هنا ويصيح آخر هناك مطالبين باحترام حقوق الإنسان والحريات الشخصية. وإنه لمن الجدير بالذكر أن نقول أولا إن الضجة الإعلامية التي صار وراءها الإسلاميون قد زادت في السنوات الأخيرة مع انتشار الصحوة الإسلامية المباركة، وإننا نرى ذلك علامة من علامات الصحة لا المرض، ولنا أن نذكر أن كتابات أمثال أولئك الذين تشابهت قلوبهم قبل عشرين سنة لم تكن تلقى مثل هذه المعارضة التي تلقى اليوم، إلا أنه ينبغي لنا أن نعلم جيدا أن مسائل الأدب و الرقابة والانضباط بضوابط الشرع لا يمكن أن تنطلق من فراغ،
فإن غياب الحكم الإسلامي الفعلي في الدول الإسلامية كان أكبر عامل لبروز أمثال هؤلاء الذين يتخذون الطعن في الإسلام مطية للبروز إلى فضاء الشهرة وعالم الأضواء. ولذلك كان لزاما على كل المتصدين ألا ينساقوا وراء هذه اللعبة القذرة، فإن كثيرا من الكتّاب الطاعنين يراهنون على اشتهارهم بمدى معارضة الإسلاميين لكتاباتهم، ولو تُركوا في ركن ركين لا يؤبه بهم لعادوا من حيث أتوا، و لما كان لهم ذكر في هذا الوجود الذي انقلبت فيه معظم الموازين. وثمة شيء آخر نحب التنبيه عليه، وهو أن كثيرا من أمثال هذه القضايا يراد لها أن تبرز إلى الوجود قصد تحوير الرأي العام وصرفه عن قضايا أهم من ذلك كان الأولى أن يلتفت إليها وتؤخذ بعين الاعتبار كقضية السلم المزيف في الشرق الأوسط وانتفاضة فلسطين المغتصبة واحتلال العراق وأمثال ذلك من القضايا التي يراد لها أن تمرر في صمت رهيب سببه اشتغال المسلمين بقضايا أهون وأحقر كقضية "حيدر حيدر" وأمثاله من المهزومين الذين لا وزن لهم، وعلينا جميعا أن نلتزم وصية الشاعر القائل:
لو كل كلب عوى ألقمته حجرا لعزَّ هذا الصخرُ مثقالٌ بدينار

أدب ومأدبة

وعلينا أن نعلم كذلك أنه ليس كل من تصدى للكتابة كاتب، ولا كل من تبجح بكونه أديبا يعدُّ كذلك، فإن كثيرا من الذين تسموا بالأدباء إنما فعلوا ذلك ليشبعوا نهم بطونهم وينساقوا وراء غرائزهم، همهم الإطاحة بكل أصيل جميل، ولئن كان الفن جمالا، فإن الحق لهو ذروة الجمال ومصدره، والأديب الحق هو الذي يسعى لنشر الفضائل وطمس الرذائل، ينصر الحق ويعلي رايته، ويهزم الباطل ويُدحض حجته، أما تسويد الأوراق بالحبر، فإنه لا يعدو أن يكون هذيانا، وإن أصر أصحابه على التسمي بالأدباء فإننا نشد قول الشاعر:
تصدى إلى التدريس كل مهوَّس بلـيد تسمـى بالفقيه المُدَرِّس
فحُقَّ لأهل العلم أن يـتمثـلوا ببيت قديم شاع في كل مـجلس
لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها و حتى سامها كل مُـفلس

كتبه: مصطفى فرحات

علوش 22
01-19-2005, 09:51 PM
أباطيل وأسمار
الشيخ/ محمـود شاكـر


رائد من رواد تحقيق التراث العربى الإسلامى .. الشيخ محمود شاكر , نموذج طيب وقدوة حسنة وفكر إسلامي مستنير .أمضى حياته فى رحلة علمية طويلة وعطاء فياض لخدمة الإسلام والدفاع عن أصوله ومبادئه والوقوف أمام تيارات الحداثة والتغريب والرد على أذناب التنوير المزعوم .

ولد الشيخ محمود محمد شاكر عام فى الإسكندرية وكان أبوه جندياً من جنود الدعوة والإرشاد فانتقل الى القاهرة وظل يعمل لفتره كبيرة كوكيل للجامع الأزهر .‏
تلقى تعليمه الأساسى والتحق بالجامعة المصرية وبدأ جهاده الفكرى مبكراً وهو لا يزال فى السنوات الأولى بكليةالآداب وبدأ شيخنا يكتب سلسلة من المقالات النارية فى مجلة الرسالة تحت عنوان نمط صعب وذلك فى مواجهة صريحة معلنة مع هؤلاء التخريبيين الذين يريدون هدم الكيان الحضارى العربى والإسلامى والتشكيك فى أصول اللغة العربية . ‏ونشب خلاف بينه والدكتور طه حسين وأعلن اعتراضه ورفضه لأفكار أستاذه طه حسين التخريبية والتى تحاول النيل من التراث العربى الإسلامى فوجه للدكتور طه حسين انتقادات عديدة وخاصة حين أعلن أن الشعر العربى موضوع ومنحول كله . ‏فترك الشيخ محمود شاكر الجامعة وسافر الى المملكة العربيه السعودية وانشأ هناك مدرسة جدة الابتدائية على المبادئ والقيم الإسلامية التى لا تتبدل ولا تتغير وعمل مديرا لها بعض الوقت.‏‏

جرأتـه فى الحـق

وواجه شيخنا هذه الإدعاءات وفند أكاذيبها فى مجلد أسماه أباطيل وأسمار استخدم فيه منهجاً علمياً متميزاً فى البحث والدراسة ومن أشهر ما كتبه الشيخ أيضا كتابه القيم المتنبى ومن أشهر ما حققه تفسير الطبرى
وفى السابعة والخمسين من عمره اعتقل شيخنا ظلماً وعدواناً واحتمل ظلمة وغياهب المعتقلات ورفض أن يعتذر عن تمسكه بدينه وعن ذنب هو منه براء .
‏وبعد خروجه من السجن انتخب مراسلاً لمجمع اللغة العربية فى دمشق وعضوا عاملا بمجمع اللغة العربية وعـضــوا بـمـجمع الخالــديـن .‏ حصل عى جائزة الدولة التقديرية فى الآداب عام .‏ واستحق بجدارة جائزة الملك فيصل العالمية عن كتابه المتنبى الذى يقع فى مجلدين من القطع الكبير صفحة .. وبذلك يعد المصرى الرابع الذى يحصل على هـذه الجائـزة. حصل على امتياز مجلة العصور وصدر منها عددان ثم توقفت .‏ له ما يزيد على مقالة موزعة بين الدوريات المصرية القديمة والحديثة والدوريات العربية .‏ من أشهر مؤلفاته المتنبى وأباطيل وأسمار .

ومع بداية الستينات بدأ معركة فكرية أخرى مع الكاتب العلمانى لويس عوض والذى أعلن أن الصفحات الرائعة من التراث العربى يرجع الفضل فيها لليونانيين واللاتينيين ، ثم راح يشكك فى شعر المغربى ، وجذوره الثقافية كأنه يريد أن يسير على نفس الدرب الذى سار عليه طه حسين وكافة التغريبيين?.‏

وفى منتصف الثمانينات واصل جولاته الفكرية الناجحة وانتقد بشده أفكار نجيب محفوظ وزكى نجيب محمود ووصفهما بأنهما مثل طه حسين وتوفيق الحكيم مقلدون للغرب وليسوا مبتكرين إنهم يقدمون نفس الرؤى التى ينادون بها ولهذا فهم يسيرون فى طريق الخطأ وقال عنهم إنهم لم يقدموا شيئاً مفيداً لمجتمعهم ولا لقضايا مجتمعهم ، ولو كانوا يسيرون فى طريق صحيح لكان لهم شأن آخر ، فعندما أنظر الى الوجود الحقيقى لطه حسين أو توفيق الحكيم أو إحسان عبد القدوس ، ونجيب محفوظ أراه وجودا ليس مفيدا لقضايا مجتمعهم أو مشاكل وطننا .‏

وكانت جرأة شيخنا فى الحق وفى الصدع به سببا فى تجاهل الأجهزة الإعلامية له ولمنهجة الفكرى إلى أن رحل عن دنيا الزيف إلى مستقر ررحمة الله التى وسعت كل شئ .?‏

وبرغم هذا العطاء المبكر يقول الشيخ محمود شاكر : الى أن بلغت السابعة والعشرين عاما كنت منغمسا فى غمار حياة أدبية أحس إحساسا مبهما متصاعدا بأنها حياة فاسدة من كل جانب ولم أجد لنفسى خلاصاً إلا أن أرفض أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية والتى كانت يومئذ تطغى كالسيل الجارف يهدم السدود ، ويومئذ طويت كل نفسى على عزيمة ماضية أن أبدأ وحيداً متفردا رحلة طويلة جدا ، وبعيدة جدا ، وشاقة ومثيرة .. بدأت بإعادة قراءة الشعر العربى كله ، واكتسبت لغة الشعر وفن الشعر ، ثم تدرجت وقرأت ما يقع تحت يدى من كتب أسلافنا من تفسير لكتاب الله ، إلى علوم القرآن الكريم الى كتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشروحها ، إلى ما تفرع عليه من كتب علماء الحديث وكتب الجرح والتعديل إلى كتب أصول الفقه وأصول الدين .‏

عظيم الناس من يبكى العظاما ويندبهم ولو كانوا عظاما
الشيـخ الشعــراوى " يبكيه " بعد رحيلـه :
المحقق والمفكر الإسلامىالكبير محمود شاكر فى رحاب الله ... العظماء فى التاريخ قليل .. ومن يحذو حذوهم أيضاً .

محمود شاكر كالحبة التى ينبت الله بها سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة .‏
فند مزاعم أستاذه طه حسين فى كتابه الشعر الجاهلى وهو ما زال طالباً .‏
تصدى فى كتابه أباطيل وأسمار لمحاولات لويس عوض تغريب الأمة .‏
له آثار جليلة فى تحقيق التراث من تفسير وحديث وشعر ونثر .‏
كما يكون الخير فى حياة العظماء يكون الخير فى موتهم أيضا . ذلك لأن حياتهم عطاء كبير . ولأن موتهم تنبيه إلى من بعدهم ليحملوا الرسالة ويواصلوا المسيرة .‏
وكما أن العظماء فى التاريخ قليل ، فإن من يحذو حذوهم قليل أيضاً ، وتلك حكمة الله فى البشر ، فالله سبحانه وتعالى يصلح أمة بصلاح فرد .. وهكذا كان الأنبياء الذين بلغوا رسالات الله إلى البشر ، لأن البشر عجزوا عن القضاء على آفات البشر بأدوية البشر .فكان لابد أن تتدخل السماء لحسم هذا الداء وحتى لا يتأبى بشر على من خلق البشر .‏
إن من هؤلاء العظماء القليلين الأستاذ الشيخ محمود شاكر إمام المحققين للتراث الإسلامى فى العصر الحديث .‏
لقد نبه هذا الرجل بحياته أمته إلي النظر فى تاريخ أعلامه والأخذ من هذا التاريخ سيرة وعلما ، ونبه أمته بموته إلى أن عليها مسئولية المواصلة على الطريق ، والسير على الدرب والأمل فى الله سبحانه قائم أن من مأثوراتنا الإسلامية ان الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يحدد لهذه الأمة أمور دينها ، ويبعث النهضة التى غفلت عن جذورها فى علم الآباء والأجداد ليظل منهج السماء واضحا من كل لبس وهاديا لكل الحاد

معركته مع طـه حسـين
إن الذين حركتهم وفاة هذا الرجل لبيان رسالته إلى العامة قليل من الكتاب ولكن عملهم كان جليل الشأن لأنهم من النخبة ، والنخبة دائما عددهم قليل ، لكن أثرهم كبير وخطير ، فهم مثل الحبة التى ينبت بها سبع سنابل فى كل سنبلة مائه حبة..‏
ولقد كان هذا الرجل حبة مباركة . ملأ صوته الدنيا ، وهو لا يزال شابا لم يبلغ العشرين حيث كان طالبا فى السنة الثانية من كلية الآداب .. ولكن عقله اكتمل بالمعرفة والنضوج إلى الحد الذى نازل فيه أستاذه الدكتور طه حسين مؤلف كتاب الشعر الجاهلى الخطير للغاية .‏
لقد كان يدعى -باسم الحرية التى يجب أن تتوافر للأدباء والكتاب والفنانين - أن الشعر الجاهلى لا أساس له وهو غير حقيقى لأنه منتحل فى عصر الإسلام وهو بهذا ينفى ان الشعر ديوان العرب . والكتاب يموج بمفتريات متعددة على قصص الأنبياء ، وتاريخ الأمم السابقة على الإسلام .‏
ولقد لقى هذا الكتاب معارضة واسعة لأن الحرية يجب أن تكون للبناء وليس للهدم ، وأن تكون حركتها داخل إطار يوجهها إلى الخير وليس إلى الشر .‏
ووقف الأزهر الشريف عند هذا الكتاب وقفة تريد الإصلاح وترفض الإفساد .‏
ووقف شاب فى السنة الثانية من كلية الآداب ضد أستاذه فى هذه القضية ، وفند مزاعم أستاذه الذى حاد عن الطريق تفنيدا قويا واضحا ورد عليه ما قال وكان طه حسين وقتها ملء السمع والبصر حيث عاد من باريس بعد أن حاز الدكتوراة! وعاد ليردد ما سمعه وتلقاه فى الخارج عن تراثنا العربى والإسلامى ودخل اليه بحيلة ماكرة ، جازت على الكثيرين وأضاعت حقائق كثيرة
ولكن أهل الحقيقة الذين لا تنطلى عليهم هذه الحيل قليلون وكان منهم هذا الشاب الفتى فى كلية الأداب ، فقد وجد أن وجوده فى الجامعة لن يؤدى إلى الغرض الذى يهدف اليه ..فإذا كان هذا هو حال أستاذه الذى جاء إلى الجامعة ليتلقى عنه فالبقاء فيها عبث وأى عبث ، وهجر الجامعة ليتعلم من كتب التراث التى تملأ جدران بيوت قومه وهى كثيرة وكانت حصيلته وفيرة .‏

ومع لويس عوض أيضاً
اذا كانت هذه هى معركتة الأولى نازل فيها رجلا قوى الشكيمة واسع الحيلة ،فإنه مع جهود الآخرين اضطره إلى التراجع عما قال وغير فى كتابه الشعر الجاهلى ماكان موضع المؤاخذة لكنه أبقى فيه سموماً أخرى أزرت بالكتاب من أن يقتنيه الناس وجعلت المطابع تعزف عن طبعه ونشره .‏

لكن آثار التغريب لا تزال قائمة بين من يسمون أنفسهم بالمثقفين وما هم بالمثقفين فترى بين الحين والحين كلاما يكتب عن حرية الكاتب ونرى الحديث عن كتاب الشعر الجاهلى مدسوسا في هذا الكلام وسياسة التغريب لا تكف عن المحاولات حتى إننا رأينا مجلة تصدرها الدولة وتنفق عليها من أموالها ،ويرأس تحريرها أحد هؤلاء الذى يسمون أنفسم بالمثقفين الداعين إلى حرية الكلمة الخارجة على النظام ورأينا هذه المجلة تنشر النص الأول لكتاب الشعر الجاهلى الذى رجع عنه مؤلفها وأدخل فيه تعديلات .‏

سياسة التغريب هذه هى التى دعت محمود شاكر إلى الدخول فى معركة أخرى ضد الدكتور لويس عوض حينما زعم أن فكر أبى العلا المعرى وفلسفته ليست أصيلة عنده ، وإنما هى مأخوذة عن فكر أجنبى ومعنى هذا أن العبقرية العربية ليست عبقرية خلاقة وإنما هى عبقرية تابعة وناقلة وكثيرة هى الإدعاءات ضد العربية والإسلام التى جاءت فى كتابات الدكتور لويس عوض .‏ وكنا نحب له أن يكون صادقا مع الواقع ومع التاريخ لكنها مدرسة تغريب أمتنا وإبعادها عن ثروتها الحقيقية وهذا عداء للإسلام أولا وقبل كل شئ يحتاج إلى الذين يدفعونه .‏

ولقد كان محمود شاكر جديرا بهذا الدفع فتصدى لمقولات الدكتور لويس عوض وأجهضها تماما ، وهو ما اعترف به الدكتور لويس عوض نفسه عندما جمع مقالاته التى كتبها عن المعرى فى كتاب ،وقال إنه لولا شدة الاستاذ محمود شاكر فى مناقشته لأفاد من علمه وتحقيقة كثيراً .‏
وهذا اعتراف للدكتور لويس عوض ونحمد صنيع الأستاذ المحقق العظيم محمود شاكر فى مقالاته التى كتبها في مناقشة الدكتور لويس عوض وجمعها فى كتاب باسم أباطيل وأسمار كشف فيه قضيه التغريب والأخذ عن المستشرقين وهو كتاب تعليمى للمثقفين بالمعنى العام الذين يريدون أن يعرفوا موقف الفكر العربى الإسلامى من قضية التغريب وخطورة الأخذ من المستشرقين .‏


تحقيق التـراث

وقضية محمود شاكر لم تكن فقط التصدى للدكتور طه حسين ولا للدكتور لويس عوض إنما كانت العودة بتحقيق التراث إلى أصوله ومنابعه الأولى التى قام عليها العلماء المسلمون ، منذ الصدر الأول للإسلام والذى ظل ممتدا حتى عصرنا الحاضر للتأكد من صحة النص وصحة نسبه وجمع الحديث وتحقيقه كونه المصدر الثانى للتشريع وأنه شارح للقرأن ومفصل لمجمله .‏ إن المدرسة الإسلامية جاءت فى تحقيق الحديث بعلم غير مسبوق فى تحقيق تراث الأمم . وهو الأمر الذى احتذاه محمود شاكر فى تحقيقه للتراث سواء فى مناقشات للمتغربين والمارقين من المعرفة الاستشراقية ولم يلحق به لاحق حتى الآن ولا المستشرقون الذين يزعمون أنهم أصحاب فضل فى تحقيق التراث الإسلامى .‏


ومن هنا تأتى أهمية الرجل وما كان من أثر وفاته فى تنبيه العقول إلى تراث الأمة من تفسير وحديث وشعر ونثر .‏

إن آثار محمود شاكر تجعل من شخصيته علما قائما بذاته يا حبذا لو حفظنا هذا العلم وعملنا به وجعلنا من ذلك الرجل أسوة حتى لا يتخاذل حق أمام ضوضاء باطل .