المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صفحات من يوميات الفلوجة


علوش 22
01-14-2005, 12:08 AM
شهادة عن تلك الأيام العصيبة من شهر ابريل 2004 التي شن فيها الأمريكيون هجوماً على مدينة الفلوجة..

- كان هو الهجوم الاول وليس الاخير -


الفلوجة

11 ابريل 2004

جو ويلدينج


شاحنات و دبابات وناقلات نفط تحترق في الطريق السريع شرقي الفلوجة. تيار من الصبية والرجال يندفع ذهاباً وإياباً . سلكنا الطرق الخلفية التي تمر عبر أبو غريب و مررنا بالعديد من العربات المحملة بالكثير من البشر والقليل من الممتلكات سالكة الطريق المعاكس ، وعبرنا بجوار استراحة الطريق الفقيرة وألقى الصبية هناك بالطعام خلال النوافذ إلى داخل الحافلة من أجلنا ومن أجل من لا زالوا محاصرين ، هناك ، داخل الفلوجة.


تبعت الحافلة عربة يقودها ابن أخ أحد الشيوخ المحليين وبجواره دليل صاحب اتصالات مع المجاهدين قام بترتيب مرورنا معهم. سبب وجودي على هذه الحافلة هو أن أحد الصحفيين الذين أعرفهم زارني في الحادية عشر مساء ليخبرني بأن الأوضاع يائسة في الفلوجة ، وأنه قام بإخراج أطفال بأطراف ممزقة منها ، وأن الجنود الامريكيين يجوبون البلدة مخبرين الجميع أن عليهم المغادرة قبل الغسق أو التعرض للقتل ، ولكن حينها ، عندما فر الناس حاملين أياً كان ما استطاعوا حمله ، أوقفهم الأمريكيون عند نقاط التفتيش على أطراف المدينة دون أن يسمحوا لهم بالخروج ، و هكذا ظلوا محاصرين يشاهدون غروب الشمس.


قال الصحفي أن العربات وأجهزة الإعلام يرفض السماح لها بالدخول. وقال أن هناك مساعدات طبية يجب أن تدخل وأن هناك فرصة أفضل لعبورها الحواجز الأمريكية إذا كان هناك أجانب غربيون على متن الحافلة. بقية الطريق كان مؤمناً بواسطة المجموعات المسلحة التي تسيطر على المنطقة. سندخل المساعدات الطبية ونرى ما الذي يمكننا أن نفعله لمساعدة الناس هناك ثم نستخدم الحافلة لإخراج من يحتاجون الخروج.

حملنا الصناديق إلى الردهة وتم فتحها على الفور ورحبوا جداً بالبطاطين . لم تكن مستشفى على الإطلاق بل عيادة جراح خاصة تعالج الناس مجاناً منذ أن دمر القصف مستشفى المدينة الرئيسي. وتم استحداث عيادة أخرى في جراج للسيارات. كانت أكياس الدم مخزنة في برادات حفظ المشروبات ويقوم الأطباء بتسخينها تحت صنبور للمياه الساخنة في حمام غير معقم.


دخلت نسوة صارخات ، يدعون ، ويلطمن وجوههن وصدورهن. " أمي" تصرخ إحداهن. أحتضنها حتى يجذبني مكي – طبيب استشاري و مدير العيادة – إلى جوار سرير يرقد عليه طفل في حوالي العاشرة من عمره مصاب برصاصة في رأسه. في السرير المجاور يرقد طفل أصغر يعاني من نفس الإصابة . أصابهما قناص أمريكي هما وجدتهما عندما غادروا منزلهم ليتركوا الفلوجة.


انقطعت الكهرباء ، فتوقفت المراوح عن الدوران وأثناء الهدوء الذي حل فجأة قرب شخص ما شعلة قداحة سجائر من الجراح ليواصل إجراء العملية على ضوئها. تم قطع الكهرباء عن المدينة منذ أيام وعندما ينفذ البنزين من مولدات الكهرباء يجب عليهم في العيادة أن يتدبروا أمورهم حتى تعود المولدات للعمل. لن ينجو الطفلان.

يقول مكي لي " تعالي" ويقودني إلى غرفة تم فيها للتو خياطة جرح ناري في بطن الجدة العجوز. ساعتها كان يتم إجراء الغيار لجرح آخر في ساقها . كان الفراش تحتها غارقاً في الدماء ، وكانت يدها لا تزال قابضة على علم أبيض وسمعت نفس القصة : "غادرت منزلي لأذهب إلى بغداد عندما أصابني قناص أمريكي." بعض أجزاء المدينة يسيطر عليها المارينز والبعض الآخر يسيطر عليه المقاتلون المحليون. يقع منزلهم في المنطقة التي يسيطر عليها الأمريكيون وهم مصممون على أن القناصة كانوا أمريكيين.

لا يتسبب القناصة في مجازر فحسب بل هم مسؤولون أيضاً عن إصابة خدمات الإسعاف والإجلاء بالشلل ، فأكبر مستشفى متبقية بعد قصف الأمريكيين للمستشفى الرئيسية تقع في المنطقة التي يسيطر عليها الأمريكيون ولا يمكن الوصول إليها من العيادة بسبب القناصة. تم إصلاح عربة الإسعاف أربع مرات بعد تعرضها لإطلاق النار ، والجثث ممددة في الشوارع لأنه لا يوجد من يستطيع أن يذهب لرفعها دون أن يتعرض لإطلاق النار.

في القنوات الفضائية قالوا أن الهدنة لا زالت مستمرة في الفلوجة وقال جورج بوش لقواته في أحد الفصح :"أعرف أننا نقوم بالأمر الصحيح في العراق". هل إطلاق النار على ظهور الرجال العزل أمام منزل عائلتهم امر صحيح؟ هل إطلاق النار على الجدات اللاتي يحملن أعلاماً بيضاء أمر صحيح؟ هل إطلاق الرصاص على عربات الإسعاف أمر صحيح؟

حسناً يا جورج، أنا أيضاً أعرف. أعرف كيف يمكن أن تقمع أناساً لدرجة لا يتبقى فيها لديهم ما يخسرونه. أعرف كيف يبدو إجراء عملية دون تخدير لأن المستشفيات مدمرة أو معرضة لرصاص القناصة والمدينة تحت الحصار والمساعدات تفشل في الدخول. أعرف أيضاً صوت الرصاص الذي يعبر بجوار راسك على الرغم من أنك داخل عربة إسعاف. أعرف كيف يبدو رجل لم يعد صدره بداخله وأعرف رائحة ذلك ايضاً ، وأعرف كيف يبدو الأمر عندما تخرج زوجته مع أطفاله من منزله.

يا جورج، إنها لجريمة وعار علينا جميعاً.

* جو ويلدينج محامية تحت التمرين وكاتبة وناشطة سلام في التاسعة والعشرين من العمر من بريستول في بريطانيا. كانت في العراق منذ نوفمبر2003 وحتى مايو 2004.