الرائـــــد
04-07-2003, 01:44 AM
د.عبد العزيز القارئ
الجهاد في الإسلام جاء بالحياة وليس بالموت. .
لأن الإسلام دين الحياة والسلام، فيه منهجُ الحياةِ الحقيقية، الذي لو التزم الناس به لعاشوا في أمانٍ وسلامٍ، وعدالةٍ ورخاءٍ.
يقول بعض من لا يعرفه: إنه دينٌ دموي!!
كيف وهو يمنع سفك الدماء، ويجعل قتل نفسٍ واحدةٍ بغير حق مثل قَتْلِ الناس جميعاً (..مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً...) [ 32 / المائدة ].
ويجعل الجُنُوح للمسالمة الاختيارَ المفضَّلَ ما دام الطرف الآخر يقبل بـه: ( . . وَإِنْ جَنَحُوا لَلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ . .) [ 61 / الأنفال ].
ولا يفرض عقيدته وشريعته على أحد، وإنما يخاطبهم بالدعوة، والدعوة قائمة على الحجة والبيان، وأسلوبها قائم على الجدال والمجادلة بالتي هي أحسن: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن ..) [ 125 / النحل ].
بل كرَّس قاعدةً لازمةً هي أنَّ إكراه الناس على عقيدته مرفوض: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ . .) [ 256 / البقرة ].
ووجه خطابه بذلك للرسول - صلى الله عليه وسلم-: ( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِين) [99/ يونس ] هذا استفهام إنكاري؛ فمعنى الآية : لا تُكْرِه الناس على ذلك.
ولكن هل يقبل كل الناس هذا المنطقَ المُسَالِم العقلانيَّ ؟
أكثر الناس ويا للأسف عدوانيون، إن خفضت لهم جناح الذل كسروا جناحكَ وأكلوا لحمكَ ونهشوا عظامكَ !!
ومسالمة من يهجم عليك بسكين ليقتلك أمرٌ غير معقول، لا ينصحك به أحدٌ من العقلاء، ومن الطبيعة السويَّة أن تحميَ نفسَكَ وتدافع عن حرماتك أمامَ المعتدين الصائلين الجائرين..
ومن هنا شُرِع الجهادُ في الإسلام، للدفاع عن الحرمات، لا للعدوان على الناس، حتى لو كانوا مُخَالفِين في الملَّةِ والدين..
لو كان الجهاد في الإسلام هو لكلِّ مُخالفٍ فَلِمَ أَمَرَ بمسالمةِ من يسالمنا من الكفار؟ بل أمر بالإحسانِ إليهم ومعاملتهم بالعدل..
قال تعالى: ( لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ) [ 8 / الممتحنة ].
ولِمَ أَمَرَ الحاكمَ المسلمَ بأن يُقِرَّ غير المسلمين من رعيته على دينهم، وسماهم النبي - صلى الله عليه وسلم- " أهلَ الذِّمةِ " وفي هذه التسمية إشارة إلى مسؤولية المسلمين حيالهم أن يعاملوهم بالعدل والإحسان.
وأَمَرَ بإقرار اليهود والنصارى على ملتهم إذا وقعوا في قبضة المسلمين، قال تعالى: ( قَاتِلُوا الَّذينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولاَ بِاليَومِ الآخِرِ ولاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ ولا َيَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّّّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) [ 29 / التوبة ].
وهنا إيماءة عجيبة في هذه الآية، هي هذه الأوصاف التي وُصِف بها اليهود والنصارى من نفي الإيمان عنهم، ونفْي طاعة الله ورسوله، ونَفْيِ الامتثال للشريعة، وأنهم لا يدينون دين الحق الذي هو الإسلام، فذِكْرُ هذه الأوصاف يتبادر إلى الذهن أنه يُوجِبُ عدمَ إقرارهم على ملتهم هذه، ويُوجِبُ قَسْرَهُم على الإسلام الدين الحق، لكن الآية مع ذلك خُتَِمَتْ بإقرارهم على ملتهم ما داموا خاضعين لسلطان الحكومة الإسلامية.
الجهاد في الإسلام موجَّه فقط ضدَّ من يقاتلنا، ضد من يعتدي علينا ويخرجنا من ديارنا أو يظاهر على إخراجنا والعدوانِ علينا، وحُرَّم علينا نحن المسلمين العدوانُ بمقاتلة من لا يقاتلنا، قال تعالى: ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِين ) [ 190 / البقرة ]
تنبه إلى أنّ قوله ( وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ) جعلت هذه الآية مُحكَمةً غير قابلة للنسخ، فلا يقال إن هذا الحكم كان أول الأمر ثم أُمرنا بمقاتلة جميع الكفار، لأن هذا القول يؤدي إلى معنى قبيح لا يقـول بـه أحدٌ وهو نسخ ( وَلاَ تَعْتَدُوا ) ونسخ ( إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ) والأول حكم لا يقبل النسخ مثل تحريم الظلم، والآخر خبر، والأخبار لا تقبل النسخ. .
فإذن كلُّ النصوص الأخرى التي وردت في الجهاد يجب أن تُفْهَم في ظلال هذه الآية المُحكمة(1)
إن الجهاد في الإسلام حياة؛ لأنه دفاع عن الحرمات وردع للمعتدين، فلو تركت الحرمات نهبةً لكل منتهب، وتُرك المعتدون يفعلون ما يشاءون ما استقامت الحياة. .
قال تعالى: ( وَلَو لاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعَضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ ) وفي قراءة ( دفاع ) [251/ البقرة ].
والجهاد بهذه المثابة حياة للمسلمين ولغيرهم من المظلومين من أهل الملل الأخرى، قال تعالى ( وَلَولا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَ بِيَعٌ وصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً ) [ 40/ الحج ] فالصوامع معابد النصارى، والبيع معابد اليهود، والصلوات معابد المجوس أو الصابئة، والمساجد معابد المسلمين، وهي التي يذكر اسم الله فيها كثيراً.
وقال سبحانه: ( وَمَالَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّساءِ وَالوِلْدَانِ الَّّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا واجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً واجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ) [ 75 / النساء ].
الجهاد مع ما فيه من سفك لبعض الدماء هو حياةٌ كالقصاص مع أنه سفك لدم الجاني لكنه حياة للناس، لأنه يردع الجناة؛ فتحفظ بذلك دماءُ الناس من أن تُسْفك..
قال تعالى:( وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [ 179 / البقرة ](2).
المقالة التالية
الجهاد حياة (2/3)
--------------------------------------------------------------------------------
(1) يذكر بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بآية السيف في سورة التوبة وهي قوله ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم . . الآية ) [5/التوبة] ومن غرائب المفسرين المردودة قولهم إن آية السيف هذه نسخت أكثر من مائة آية من القرآن وجعلوا من المنسوخات جميع الآيات الآمرة بالصبر والآيات الآمرة بالدفع بالتي هي أحسن ، والآمرة بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، بل ذكروا أنها بعد أن نسخت كل هذا القدر من القرآن نسخَ آخرُها أولَهَا وهو قوله ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ).
وقيل أن آية السيف منسوخة بقوله ( فإما منا بعد وإما فداء ) وهذا ولعٌ بالنسخ لا يعجب المحققين ولذلك يصف ابن الجوزي القائلين به بأنهم لا فهم لهم من ناقلي القرآن [ نواسخ القرآن / 360 ].
ينبغي أن تجمع الآيات الواردة في الجهاد وتُدرس مجتمعةً لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً وقد صنع ذلك بعض الباحثين المعاصرين وصنعته أيضاً فتكشفت لي جوانب هامة من شريعة الجهاد ، ومن أهم نتائج هذا المنهج الفهم الكامل للجهاد. .
ومن أهم المبادئ العامة في هذا الباب أن الأمر بالقتال موجه فقط ضد المقاتلين أو ما يسميه الفقهاء " الكافر الحربي " أما الكافر المسالم ذميّاً كان أو معاهداً فلا يجوز قتله ولا قتاله.
(2) القصاص حياة ، لكن لا يفقه ذلك إلا أولو الألباب ، هناك اليوم أناس في الغرب – ويقلدهم ببغاوات عندنا – لم يبصروا إلا دم القاتل فاستبشعوا إراقته وسفكه ، وعميت أبصارهم عن دم المقتول ن فهم يدعون إلى المحافظة على دم المجرم القاتل ، وأهدروا بذلك دم المقتول ، وفي ذلك دعوة إلى القتل وتشجيع على جرائمه ، ولذلك كثرت جرائم القتل في البلاد التي أخذت بهذا النوع من التفكير الأعوج ، هؤلاء لا ألباب لهم.
الجهاد في الإسلام جاء بالحياة وليس بالموت. .
لأن الإسلام دين الحياة والسلام، فيه منهجُ الحياةِ الحقيقية، الذي لو التزم الناس به لعاشوا في أمانٍ وسلامٍ، وعدالةٍ ورخاءٍ.
يقول بعض من لا يعرفه: إنه دينٌ دموي!!
كيف وهو يمنع سفك الدماء، ويجعل قتل نفسٍ واحدةٍ بغير حق مثل قَتْلِ الناس جميعاً (..مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً...) [ 32 / المائدة ].
ويجعل الجُنُوح للمسالمة الاختيارَ المفضَّلَ ما دام الطرف الآخر يقبل بـه: ( . . وَإِنْ جَنَحُوا لَلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ . .) [ 61 / الأنفال ].
ولا يفرض عقيدته وشريعته على أحد، وإنما يخاطبهم بالدعوة، والدعوة قائمة على الحجة والبيان، وأسلوبها قائم على الجدال والمجادلة بالتي هي أحسن: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن ..) [ 125 / النحل ].
بل كرَّس قاعدةً لازمةً هي أنَّ إكراه الناس على عقيدته مرفوض: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ . .) [ 256 / البقرة ].
ووجه خطابه بذلك للرسول - صلى الله عليه وسلم-: ( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِين) [99/ يونس ] هذا استفهام إنكاري؛ فمعنى الآية : لا تُكْرِه الناس على ذلك.
ولكن هل يقبل كل الناس هذا المنطقَ المُسَالِم العقلانيَّ ؟
أكثر الناس ويا للأسف عدوانيون، إن خفضت لهم جناح الذل كسروا جناحكَ وأكلوا لحمكَ ونهشوا عظامكَ !!
ومسالمة من يهجم عليك بسكين ليقتلك أمرٌ غير معقول، لا ينصحك به أحدٌ من العقلاء، ومن الطبيعة السويَّة أن تحميَ نفسَكَ وتدافع عن حرماتك أمامَ المعتدين الصائلين الجائرين..
ومن هنا شُرِع الجهادُ في الإسلام، للدفاع عن الحرمات، لا للعدوان على الناس، حتى لو كانوا مُخَالفِين في الملَّةِ والدين..
لو كان الجهاد في الإسلام هو لكلِّ مُخالفٍ فَلِمَ أَمَرَ بمسالمةِ من يسالمنا من الكفار؟ بل أمر بالإحسانِ إليهم ومعاملتهم بالعدل..
قال تعالى: ( لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ) [ 8 / الممتحنة ].
ولِمَ أَمَرَ الحاكمَ المسلمَ بأن يُقِرَّ غير المسلمين من رعيته على دينهم، وسماهم النبي - صلى الله عليه وسلم- " أهلَ الذِّمةِ " وفي هذه التسمية إشارة إلى مسؤولية المسلمين حيالهم أن يعاملوهم بالعدل والإحسان.
وأَمَرَ بإقرار اليهود والنصارى على ملتهم إذا وقعوا في قبضة المسلمين، قال تعالى: ( قَاتِلُوا الَّذينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولاَ بِاليَومِ الآخِرِ ولاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ ولا َيَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّّّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) [ 29 / التوبة ].
وهنا إيماءة عجيبة في هذه الآية، هي هذه الأوصاف التي وُصِف بها اليهود والنصارى من نفي الإيمان عنهم، ونفْي طاعة الله ورسوله، ونَفْيِ الامتثال للشريعة، وأنهم لا يدينون دين الحق الذي هو الإسلام، فذِكْرُ هذه الأوصاف يتبادر إلى الذهن أنه يُوجِبُ عدمَ إقرارهم على ملتهم هذه، ويُوجِبُ قَسْرَهُم على الإسلام الدين الحق، لكن الآية مع ذلك خُتَِمَتْ بإقرارهم على ملتهم ما داموا خاضعين لسلطان الحكومة الإسلامية.
الجهاد في الإسلام موجَّه فقط ضدَّ من يقاتلنا، ضد من يعتدي علينا ويخرجنا من ديارنا أو يظاهر على إخراجنا والعدوانِ علينا، وحُرَّم علينا نحن المسلمين العدوانُ بمقاتلة من لا يقاتلنا، قال تعالى: ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِين ) [ 190 / البقرة ]
تنبه إلى أنّ قوله ( وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ) جعلت هذه الآية مُحكَمةً غير قابلة للنسخ، فلا يقال إن هذا الحكم كان أول الأمر ثم أُمرنا بمقاتلة جميع الكفار، لأن هذا القول يؤدي إلى معنى قبيح لا يقـول بـه أحدٌ وهو نسخ ( وَلاَ تَعْتَدُوا ) ونسخ ( إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ) والأول حكم لا يقبل النسخ مثل تحريم الظلم، والآخر خبر، والأخبار لا تقبل النسخ. .
فإذن كلُّ النصوص الأخرى التي وردت في الجهاد يجب أن تُفْهَم في ظلال هذه الآية المُحكمة(1)
إن الجهاد في الإسلام حياة؛ لأنه دفاع عن الحرمات وردع للمعتدين، فلو تركت الحرمات نهبةً لكل منتهب، وتُرك المعتدون يفعلون ما يشاءون ما استقامت الحياة. .
قال تعالى: ( وَلَو لاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعَضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ ) وفي قراءة ( دفاع ) [251/ البقرة ].
والجهاد بهذه المثابة حياة للمسلمين ولغيرهم من المظلومين من أهل الملل الأخرى، قال تعالى ( وَلَولا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَ بِيَعٌ وصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً ) [ 40/ الحج ] فالصوامع معابد النصارى، والبيع معابد اليهود، والصلوات معابد المجوس أو الصابئة، والمساجد معابد المسلمين، وهي التي يذكر اسم الله فيها كثيراً.
وقال سبحانه: ( وَمَالَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّساءِ وَالوِلْدَانِ الَّّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا واجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً واجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ) [ 75 / النساء ].
الجهاد مع ما فيه من سفك لبعض الدماء هو حياةٌ كالقصاص مع أنه سفك لدم الجاني لكنه حياة للناس، لأنه يردع الجناة؛ فتحفظ بذلك دماءُ الناس من أن تُسْفك..
قال تعالى:( وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [ 179 / البقرة ](2).
المقالة التالية
الجهاد حياة (2/3)
--------------------------------------------------------------------------------
(1) يذكر بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بآية السيف في سورة التوبة وهي قوله ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم . . الآية ) [5/التوبة] ومن غرائب المفسرين المردودة قولهم إن آية السيف هذه نسخت أكثر من مائة آية من القرآن وجعلوا من المنسوخات جميع الآيات الآمرة بالصبر والآيات الآمرة بالدفع بالتي هي أحسن ، والآمرة بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، بل ذكروا أنها بعد أن نسخت كل هذا القدر من القرآن نسخَ آخرُها أولَهَا وهو قوله ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ).
وقيل أن آية السيف منسوخة بقوله ( فإما منا بعد وإما فداء ) وهذا ولعٌ بالنسخ لا يعجب المحققين ولذلك يصف ابن الجوزي القائلين به بأنهم لا فهم لهم من ناقلي القرآن [ نواسخ القرآن / 360 ].
ينبغي أن تجمع الآيات الواردة في الجهاد وتُدرس مجتمعةً لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً وقد صنع ذلك بعض الباحثين المعاصرين وصنعته أيضاً فتكشفت لي جوانب هامة من شريعة الجهاد ، ومن أهم نتائج هذا المنهج الفهم الكامل للجهاد. .
ومن أهم المبادئ العامة في هذا الباب أن الأمر بالقتال موجه فقط ضد المقاتلين أو ما يسميه الفقهاء " الكافر الحربي " أما الكافر المسالم ذميّاً كان أو معاهداً فلا يجوز قتله ولا قتاله.
(2) القصاص حياة ، لكن لا يفقه ذلك إلا أولو الألباب ، هناك اليوم أناس في الغرب – ويقلدهم ببغاوات عندنا – لم يبصروا إلا دم القاتل فاستبشعوا إراقته وسفكه ، وعميت أبصارهم عن دم المقتول ن فهم يدعون إلى المحافظة على دم المجرم القاتل ، وأهدروا بذلك دم المقتول ، وفي ذلك دعوة إلى القتل وتشجيع على جرائمه ، ولذلك كثرت جرائم القتل في البلاد التي أخذت بهذا النوع من التفكير الأعوج ، هؤلاء لا ألباب لهم.