المختار
06-08-2003, 03:10 PM
عبدالمجيد بن عثمان الزهراني
مدخل :
]الإمام ابن الجوزي ( 1 ) له تجربة في التربية الذاتية فصلها في كتابه " لفتة الكبد في نصيحة الولد " فقال في سبب تأليفه : " ... ثم رأيت منه ( 2 ) توان عن الجد في طلب العلم ، فكتبت له هذه الرسالة ، أحثُّه بها على سلوك طريقي في كسب العلم ، وأدله على الالتجاء إلى الموفق – سبحانه وتعالى – مع علمي بأنه لا خاذل لمن وفق ، ولا مرشد لمن أضل " .
وسأقوم بعرضها كما وصفها هو من غير تصرف ، بل بنقل نص عباراته ، وسيكون دوري في عرضها الترتيب المنهجي ، ليسهل على القاريء استيعاب تجربة هذا الإمام .
مجالات التربية الذاتية :
المجالات التي يجب الاعتناء بها في تربية الذات لدى الإمام ابن الجوزي ، تميزت بوضوح المعالم ، وشمولية التربية ، تركيز الهدف ، وصرامة قيادة الذات لاستكمالها ، وهي تشمل :
1 ) التربية على التقوى والإخلاص :
يقول : " وها أنا قد ترى ما آلت حالي إليه وأنا أجمعه لك في كلمة واحدة ، وهي قوله تعالى : ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) " . [ البقرة : 282 ] .
ويقول : " يا بني ، ومتى صحت التقوى رأيت كل خير ، والمتقي لا يرائي الخلق ، ولا يتعرض لما يؤذي دينه ، ومن حفظ حدود الله حفظه الله ... واعلم أن أوفى الذخائر غض الطرف عن محرم ، وإمساك اللسان عن فضول كلمة ، ومراعاة لحد ، وإيثار الله – سبحانه وتعالى عن هوى النفس .. " .
ويقول : " فلا تعظن إلا بنية ، ولا تمشين إلا بنية ، ولا تأكلن لقمة إلا بنية " .
2 ) التربية على الاستعداد للآخرة :
يقول : " فإذا عاد إلى النظر في مقدار بقائه في الدنيا ، فرضنا ستين سنة مثلاً ، فإنه يمضي منها ثلاثين سنة في النوم ، ونحواً من خمس عشرة في الصبا ، فإذا حسب الباقي كان أكثر في الشهوات والمطاعم والمكاسب ـ فإذا خلص ما للآخرة وجد فيه من الرياء والغفلة كثيراً ، فبماذا تشتري الحياة الأبدية ، وإنما الثمن هذه الساعات ؟ " .
3 ) التربية على العبادات :
ويقول : " واعلم أن أداء الفرائض واجتناب المحارم لازم ، فمتى تعدى الإنسان فالنار النار " .
4 ) التربية على الآداب :
منها : العزلة عن أصحاب السوء ، فيقول : " وعليك بالعزلة ، فهي أصل كل خير ، واحذر من جليس السوء " .
ومنها : الزهد في الدنيا ، فيقول : " واجتهد يا بني في صيانة عرضك من التعرض لطلب الدنيا والذل لأهلها ، واقنع تعز ... " .
ومنها : القيام بالحقوق ، فيقول : " وأدِّ إلى كل ذي حق حقه من زوجة وولد وقرابة " .
ومنها : " تأديب النفس ، فبقول : " وراع عواقب الأمور ، ليهن عليك الصبر عن كل ما تشتهي وما تكره ... " .
5 ) التربية على طلب الكمال :
يقول : " وينبغي أن تسمو همتك إلى الكمال ، فإن خلقاً وقفوا مع الزهد ، وخلقاً تشاغلوا بالعلم ، وندر أقوام جمعوا بين العلم الكامل والعمل الكامل " .
6 ) التربية على الجمع بين العلم والعمل :
يقول في الجمع بينهما : " وإياك أن تقف مع صورة العلم دون العمل به ، فإن الداخلين على الأمراء والمقبلين على أهل الدنيا قد أعرضوا عن العمل بالعلم فمنعوا البركة والنفع به " .
ويقول : " وإياك أن تتشاغل بالتعبد من غير علم ، فإن خلقاً كثيراً من المتزهدين المتصوفة ضلوا طريق الهدى إذ عملوا بغير علم " .
ويقول : " ومتى لم يعمل الواعظ بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل الماء عن الحجر " .
ويقول : " وعلى الحقيقة ، فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل ، فإذا حصلا رَفَعَا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق – سبحانه وتعالى – وحرّكاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه .
ويقول في التربية العلمية : " وأول ما ينبغي النظر فيه : معرفة الله تعالى بالدليل ... ثم يتأمل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم إليه ، وأكبر الدلائل : القرآن الذي أعجز الخلق أن يأتوا بسورة من مثله ... ثم يجب عليه أن يعرف ما يجب عليه من الوضوء والصلاة والزكاة والحج وغير ذلك من الواجبات ، فإذا عرف قدر الواجب قام به ... ولا بد من معرفة ما يقيم به لسانه من النحو ، ومعرفة طرف مستعمل من اللغة ... والفقه أصل العلوم " .
ويقول : " تعلم بالدليل أنك مخلوق مكلف ، وأن عليك فرائض أنت مطالب بها ... " .
أساليبه في التربية الذاتية :
كما حدد الإمام ابن الجوزي هدفه في استكمال تربية الذات في المجالات السابقة ، فقد حدد أساليبه لبلوغ تلك التربية ، وتميزت بالتنوع ، والشمول ، والصرامة في تطبيقها ، وهي تشمل :
1 ) الاشتغال بطلب العلم الشرعي :
ويشمل :
أ – حفظ القرآن والسنة :
يقول : " ... فيتشاغل بحفظ القرآن وتفسيره ، وبحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ... " .
ب – حفظ وكتابة دروس العلماء ومراجعتها :
يقول : " ... بل أطلب المحدث فيتحدث بالسير ، فأحفظ جميع ما أسمعه ، وأذهب إلى البيت فأكتبه " .
ويقول : " ولقد كان الصبيان ينزلون إلى دجلة ، ويتفرجون على الجسر وأنا في زمن الصغر ، آخذ جزءاً ، وأقعد حُجْزَة ( 3 ) من الناس إلى جانب الرَّقة ( 4 ) ، فأتشاغل بالعلم " .
ويقول : " فعليك بالحفظ ، وإنما الحفظ رأس المال " .
ج – التوسع في طلب العلم :
يقول : " ولم أقنع بفن من العلوم ، بل كنت أسمع الفقه والوعظ والحديث ... " .
د – ملازمة العلماء ومسابقة الطلاب إليهم :
يقول : " ولقد وفق لي شيخنا أبو الفضل أبي ناصر ( 5 ) – رحمه الله – وكان يحملني إلى الشيوخ ، فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار ، وأنا لا أعلم ما يراد مني ، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت ، فناولني ثبتها ، ولازمته إلى أن توفي رحمه الله ، فنلت به معرفة الحديث والنقل " .
ويقول : " ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث ، فينقطع نفسي من العدو لئلا اُسْبق " .
هـ - حضور مجالس العلماء الزائرين لبلده :
يقول : " ولم أترك أحداً ممن يروي ويعظ ، ولا غريباً يقدم إلا وأحضره " .
و – إحكام العلم :
يقول : " ولا تشتغل بعلم حتى تحكم ما قبله " .
ز – النفقة في طلب العلم :
يقول : " واعلم يا بني أن أبي كان موسراً ، وخلّف ألوفاً من المال ، فلما بلغت دفعوا لي عشرين ديناراً ودارين ، وقالوا لي : هذه التركة كلها ، فأخذت الدنانير واشتريت بها كتباً من كتب العلم ، وبعت الدارين وأنفقت ثمنها في طلب العلم ... " .
2 ) التبكير في التربية :
يقول : " فإني أذكر نفسي ولي همة عالية وأنا في المكتب ( 6 ) ابن ست سنين ، وأنا قرين الصبيان الكبار ـ قد رقت عقلاً وافراً في الصغر يزيد على عقل الشيوخ ، فما أذكر أني لعبت في طريق مع الصبيان قط ، ولا ضحكت ضحكاً خارجاً ، حتى إني كنت ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة ( 7 ) الجامع ... " .
3 ) الاجتهاد في طلب الكمال :
يقول : " ... وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم ، وليس كل ما يُراد مراداً ، ولا كل طالب واجداً ، ولكن على العبد الاجتهاد ... " .
ويقول : " ولم أقنع بفن من العلوم " .
وللموضوع بقية ..
مدخل :
]الإمام ابن الجوزي ( 1 ) له تجربة في التربية الذاتية فصلها في كتابه " لفتة الكبد في نصيحة الولد " فقال في سبب تأليفه : " ... ثم رأيت منه ( 2 ) توان عن الجد في طلب العلم ، فكتبت له هذه الرسالة ، أحثُّه بها على سلوك طريقي في كسب العلم ، وأدله على الالتجاء إلى الموفق – سبحانه وتعالى – مع علمي بأنه لا خاذل لمن وفق ، ولا مرشد لمن أضل " .
وسأقوم بعرضها كما وصفها هو من غير تصرف ، بل بنقل نص عباراته ، وسيكون دوري في عرضها الترتيب المنهجي ، ليسهل على القاريء استيعاب تجربة هذا الإمام .
مجالات التربية الذاتية :
المجالات التي يجب الاعتناء بها في تربية الذات لدى الإمام ابن الجوزي ، تميزت بوضوح المعالم ، وشمولية التربية ، تركيز الهدف ، وصرامة قيادة الذات لاستكمالها ، وهي تشمل :
1 ) التربية على التقوى والإخلاص :
يقول : " وها أنا قد ترى ما آلت حالي إليه وأنا أجمعه لك في كلمة واحدة ، وهي قوله تعالى : ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) " . [ البقرة : 282 ] .
ويقول : " يا بني ، ومتى صحت التقوى رأيت كل خير ، والمتقي لا يرائي الخلق ، ولا يتعرض لما يؤذي دينه ، ومن حفظ حدود الله حفظه الله ... واعلم أن أوفى الذخائر غض الطرف عن محرم ، وإمساك اللسان عن فضول كلمة ، ومراعاة لحد ، وإيثار الله – سبحانه وتعالى عن هوى النفس .. " .
ويقول : " فلا تعظن إلا بنية ، ولا تمشين إلا بنية ، ولا تأكلن لقمة إلا بنية " .
2 ) التربية على الاستعداد للآخرة :
يقول : " فإذا عاد إلى النظر في مقدار بقائه في الدنيا ، فرضنا ستين سنة مثلاً ، فإنه يمضي منها ثلاثين سنة في النوم ، ونحواً من خمس عشرة في الصبا ، فإذا حسب الباقي كان أكثر في الشهوات والمطاعم والمكاسب ـ فإذا خلص ما للآخرة وجد فيه من الرياء والغفلة كثيراً ، فبماذا تشتري الحياة الأبدية ، وإنما الثمن هذه الساعات ؟ " .
3 ) التربية على العبادات :
ويقول : " واعلم أن أداء الفرائض واجتناب المحارم لازم ، فمتى تعدى الإنسان فالنار النار " .
4 ) التربية على الآداب :
منها : العزلة عن أصحاب السوء ، فيقول : " وعليك بالعزلة ، فهي أصل كل خير ، واحذر من جليس السوء " .
ومنها : الزهد في الدنيا ، فيقول : " واجتهد يا بني في صيانة عرضك من التعرض لطلب الدنيا والذل لأهلها ، واقنع تعز ... " .
ومنها : القيام بالحقوق ، فيقول : " وأدِّ إلى كل ذي حق حقه من زوجة وولد وقرابة " .
ومنها : " تأديب النفس ، فبقول : " وراع عواقب الأمور ، ليهن عليك الصبر عن كل ما تشتهي وما تكره ... " .
5 ) التربية على طلب الكمال :
يقول : " وينبغي أن تسمو همتك إلى الكمال ، فإن خلقاً وقفوا مع الزهد ، وخلقاً تشاغلوا بالعلم ، وندر أقوام جمعوا بين العلم الكامل والعمل الكامل " .
6 ) التربية على الجمع بين العلم والعمل :
يقول في الجمع بينهما : " وإياك أن تقف مع صورة العلم دون العمل به ، فإن الداخلين على الأمراء والمقبلين على أهل الدنيا قد أعرضوا عن العمل بالعلم فمنعوا البركة والنفع به " .
ويقول : " وإياك أن تتشاغل بالتعبد من غير علم ، فإن خلقاً كثيراً من المتزهدين المتصوفة ضلوا طريق الهدى إذ عملوا بغير علم " .
ويقول : " ومتى لم يعمل الواعظ بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل الماء عن الحجر " .
ويقول : " وعلى الحقيقة ، فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل ، فإذا حصلا رَفَعَا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق – سبحانه وتعالى – وحرّكاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه .
ويقول في التربية العلمية : " وأول ما ينبغي النظر فيه : معرفة الله تعالى بالدليل ... ثم يتأمل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم إليه ، وأكبر الدلائل : القرآن الذي أعجز الخلق أن يأتوا بسورة من مثله ... ثم يجب عليه أن يعرف ما يجب عليه من الوضوء والصلاة والزكاة والحج وغير ذلك من الواجبات ، فإذا عرف قدر الواجب قام به ... ولا بد من معرفة ما يقيم به لسانه من النحو ، ومعرفة طرف مستعمل من اللغة ... والفقه أصل العلوم " .
ويقول : " تعلم بالدليل أنك مخلوق مكلف ، وأن عليك فرائض أنت مطالب بها ... " .
أساليبه في التربية الذاتية :
كما حدد الإمام ابن الجوزي هدفه في استكمال تربية الذات في المجالات السابقة ، فقد حدد أساليبه لبلوغ تلك التربية ، وتميزت بالتنوع ، والشمول ، والصرامة في تطبيقها ، وهي تشمل :
1 ) الاشتغال بطلب العلم الشرعي :
ويشمل :
أ – حفظ القرآن والسنة :
يقول : " ... فيتشاغل بحفظ القرآن وتفسيره ، وبحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ... " .
ب – حفظ وكتابة دروس العلماء ومراجعتها :
يقول : " ... بل أطلب المحدث فيتحدث بالسير ، فأحفظ جميع ما أسمعه ، وأذهب إلى البيت فأكتبه " .
ويقول : " ولقد كان الصبيان ينزلون إلى دجلة ، ويتفرجون على الجسر وأنا في زمن الصغر ، آخذ جزءاً ، وأقعد حُجْزَة ( 3 ) من الناس إلى جانب الرَّقة ( 4 ) ، فأتشاغل بالعلم " .
ويقول : " فعليك بالحفظ ، وإنما الحفظ رأس المال " .
ج – التوسع في طلب العلم :
يقول : " ولم أقنع بفن من العلوم ، بل كنت أسمع الفقه والوعظ والحديث ... " .
د – ملازمة العلماء ومسابقة الطلاب إليهم :
يقول : " ولقد وفق لي شيخنا أبو الفضل أبي ناصر ( 5 ) – رحمه الله – وكان يحملني إلى الشيوخ ، فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار ، وأنا لا أعلم ما يراد مني ، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت ، فناولني ثبتها ، ولازمته إلى أن توفي رحمه الله ، فنلت به معرفة الحديث والنقل " .
ويقول : " ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث ، فينقطع نفسي من العدو لئلا اُسْبق " .
هـ - حضور مجالس العلماء الزائرين لبلده :
يقول : " ولم أترك أحداً ممن يروي ويعظ ، ولا غريباً يقدم إلا وأحضره " .
و – إحكام العلم :
يقول : " ولا تشتغل بعلم حتى تحكم ما قبله " .
ز – النفقة في طلب العلم :
يقول : " واعلم يا بني أن أبي كان موسراً ، وخلّف ألوفاً من المال ، فلما بلغت دفعوا لي عشرين ديناراً ودارين ، وقالوا لي : هذه التركة كلها ، فأخذت الدنانير واشتريت بها كتباً من كتب العلم ، وبعت الدارين وأنفقت ثمنها في طلب العلم ... " .
2 ) التبكير في التربية :
يقول : " فإني أذكر نفسي ولي همة عالية وأنا في المكتب ( 6 ) ابن ست سنين ، وأنا قرين الصبيان الكبار ـ قد رقت عقلاً وافراً في الصغر يزيد على عقل الشيوخ ، فما أذكر أني لعبت في طريق مع الصبيان قط ، ولا ضحكت ضحكاً خارجاً ، حتى إني كنت ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة ( 7 ) الجامع ... " .
3 ) الاجتهاد في طلب الكمال :
يقول : " ... وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم ، وليس كل ما يُراد مراداً ، ولا كل طالب واجداً ، ولكن على العبد الاجتهاد ... " .
ويقول : " ولم أقنع بفن من العلوم " .
وللموضوع بقية ..