اليقظان
06-07-2003, 08:31 PM
مفكرة الإسلام :هل ثمة صراع قائم بالفعل بين الإسلام والغرب، تمثل الحرب القائمة في فلسطين وأفغانستان، والحرب المزمعة حدوثها في العراق بعض شواهده، أم إن الأمر لا يخرج عن كونه مجرد صراع في المصالح والسياسات بين الغرب وتلك الدول على وجه التحديد ؟
أعتقد أن احتدام الصدامات القائمة بين المسلمين بوجه عام والغرب الأمريكي على وجه الخصوص لابد أن يدفعنا إلى استجلاء حقيقة هذا الصراع، والتمرد على الاستسلام الساذج لذلك التوصيف الإعلامي الغربي له بأنه لا يخرج عن كونه حربًا على الإرهاب من قبل العالم الحر، أو ذلك التوصيف المضاد من جانب البعض بأنه ليس سوى الامتداد الطبيعي للحملات الصليبية المتوالية على الإسلام منذ العصور الوسطى.
ولكي نستطيع أن نقدم نظريتنا في ذلك علينا أن نحلل أولاً: المقومات البنيوية للجانبين كما هي الآن، وليس كما كانت عليه في مرحلة سابقة من مراحل التاريخ، وبذلك نستطيع أن نتبين النتائج المترتبة على العلاقة القائمة بين هذه المقومات .
ولأن المقومات البنيوية لحضارة ما لا تقوم إلا على أساس التراكم التاريخي لتلك الحضارة، فإننا سنتتبع السياق التاريخي للتطور الحضاري في الجانبين، وسيكون تركيزنا في ذلك على الجانب الغربي على وجه الخصوص حيث إنه الجانب الأكثر قابلية للتغير بخلاف الإسلام الذي من طبيعته الثبات بصفته دينًا، ومن ثم فإن مَنْ سنتابع سيرة تطورهم الفكري هم المسلمين أنفسهم .
وبمتابعة مسيرة تطور الحضارة الغربية نجد أن التناقض بين الدين والعقلانيين يجد جذوره في الحضارة الإغريقية القديمة التي تعد الحضارة الغربية امتدادًا طبيعيًا لها. فلم يكن بالديانة الإغريقية القائمة على الميثيولوجية البشرية ما يغري العقول اليونانية ـ التي تم تطويرها عبر منحنى حضاري كوني اتجه في ذلك الحين من النيل والرافدين إلى أرض اليونان الفتية ـ باحترامها والإنصات إليها، فالصورة التي رسمها هوميروس على سبيل المثال لآلهة اليونان تجعلهم ذوي طبيعة محدودة ومدنسة، وفي حالة صراع دائم مع البشر الذين يكادون أن يتساووا معهم؛ ومن ثم اضطلع الفلاسفة بتوجيه المسار العقلي والإنساني لتلك الحضارة، وكانت الريادة في ذلك لأرسطو وأبيقور على وجه الخصوص. فإذا كان أرسطو قد قام بعزل الإله في فلسفته فإن أبيقور قد وظفه لمصلحته الخاصة في فلسفته المادية القائمة على اللذة - ومن ناحية أخرى فإن التأثير القوي لأرسطو على الصفوة المفكرة في اليونان كان يقابله تأثير شامل لأبيقور على مختلف طبقات المجتمع، وهو ما يشهد له شعبيته الشديدة في ذلك العصر واستمرار تأثيرها على امتداد التاريخ- .
وقد ورثت الحضارة الرومانية الفكر الإغريقي عن الحضارة اليونانية وورثت عنها أيضًا ذلك الصراع الدائم مع الشرق .
وهو في الحقيقة صراع تقليدي مثله في ذلك مثل كل الصراعات بين الحضارات القديمة. وإنما اتسم هنا بكونه بين غرب وشرق؛ لأن حرب طروادة التي هي أشهر الحروب اليونانية القديمة، والتي تعود لأكثر من ألف سنة قبل الميلاد، كانت بين الغرب الأوربي والشرق الآسيوي.
وإذ ما غدت كل الشعوب الأوروبية واقعة تقريبًا تحت السيادة اليونانية فإن الطبيعة الجغرافية كانت تجعل من أي صراع مع أوروبا في العصر القديم هو صراع بين الغرب والشرق حيث لم يكن يحيط بأوروبا من عالم معروف سوى المحيط الأطلنطي، أو ما كان يسمى ببحر الظلمات. ثم تأكد ذلك بعد الصراع بين الإغريق والفرس ثم الرومان وقرطاجنة [ذات الأصول الفينيقية على السواحل السورية ] ثم الروم والفرس، ثم الروم والإسلام .
ولقد نتج عن الصراع الناشب بين المسيحية منذ ظهورها والعقائد الرومانية القديمة ـ والذي استمر لقرون طويلة من الحرب والمساومة ـ مزيج عقائدي مزدوج يتمثل في المسيحية الثالوثية وطقوسها وسلطاتها البابوية بعد أن تم إجهاض الفرق الرافضة لها الهجين من المسيحيين الأوائل والذي كان أبرزهم فريق الأيروسيين الذين انضم أتباعهم إلى الإسلام فيما بعد .
أما الإسلام: فقد مثل منذ ظهوره الطرف المضاد لأوروبا في صراعها التقليدي مع الشرق ونجح في الاستيلاء على ممالكها في آسيا وإفريقيا، وانتزاع جانبها الشرقي بعد ذلك. وباءت محاولاتها المتعددة في استرداد هذه الممالك مرة أخرى فيما سمي بالحروب الصليبية بالفشل الذريع الأمر الذي تسبب في ذلك الشعور الدائم بالمرارة والحقد والكراهية والانتقام المترسب في الوعي الغربي تجاه الإسلام ووجد صداه في تلك الصورة الشائعة عن الإسلام وعقائده وأهله لدى أغلب الغربيين بوجه عام .
ومع ذلك فقد أمر الإسلام بعقلانيته الفريدة وعقيدته البسيطة الخالية من الكهنوت ـ والتي تدور حول مبدأ التوحيد ـ العقول الغربية المفكرة بروح العقلانية والحرية والتمرد وساعد ذلك على انطلاق خطواتها الأولى في اتجاه التقدم العلمي والتحرر السياسي والنقد العقلي لعقائد الكنيسة في نهاية العصور الوسطى، وقد تمت مواجهة ذلك بأقصى درجات البطش والتنكيل الأمر الذي فجر الثورات المتتالية على الكنيسة مع بداية عصر النهضة وما صاحب ذلك من مواصلة التقدم العلمي وظهور المنهج التجريبي في أوروبا .
وربما يندهش القارئ بأن أهم أعلام الثورة العقلية الثلاثة في مطلع عصر النهضة العالم روجر بيكون، والفيلسوف إبلار، والإمبراطور فريدريك كانوا يجهرون مرارًا بأنهم يستمدون عقلانيتهم من الفكر الإسلامي في ذلك الحين .
وفي ظل اضطهاد الكنيسة الغربية المطرد للعلماء والمفكرين في عصر النهضة اتخذت الحركة العقلية في أوروبا منحىً متطرفًا اتجه بها إلى الإلحاد التام وليس مجرد التمرد على الجمود الكنسي واضطهاد البابوات؛ وذلك لأن ذلك الاضطهاد المستمر قرن التحرر العقلي عند هؤلاء باتخاذ الجانب المناوئ للدين عمومًا والمتمثل في الإلحاد، وبات مستقرًا في الضمير الغربي منذ ذلك الحين تناقض الفكر والعلم مع الأديان عمومًا، وهكذا أورثت المسيحية الثالوثية الغربية عداء العلماء والمفكرين لها إلى الإسلام نفسه .
وبذلك تمت استعادة الفكر الإغريقي العلماني من جديد في عصر النهضة خصوصًا في جانبه المادي الإلحادي [ديمقريطس ـ أبيقور] الذي وجد صداه بعد ذلك في كتابات رواد المذهب المادي في عصر التنوير [القرنان السابع والثامن عشر] [هوبز ـ لوك ـ هيوم] وانتشر وذاع من خلال ديرو وفولتير ودالمبير.
وبانتشار الفكر التنويري في أمريكا تمت بلورة الصيغة الأمريكية للفكر العلماني الاستناري الغربي والمتمثلة في الفلسفة البراجماتية التي تجعل من المنفعة واللذة المحك الرئيس للحكم على الحقائق، وهو الأمر الذي ينطوي في داخله على موقف عبثي يتم إلهاؤه على الدوام بالسعي المتواصل نحو المتعة واللذة، مما يجعل الكون كله مادة استهلاكية لحياة البراجماتيين، وتؤول أعمار كاملة من حياة البشر إلى مجرد لحظات عابرة في حياة هؤلاء .
وبانتهاء الحرب العالمية الثانية ينتقل مركز الثقل الغربي إلى أمريكا ومن ثم قيادة الفكر البراجماتي الأمريكي للفكر الغربي بوجه عام، وتحول الغرب التقليدي إلى الغرب الأمريكي وهو الأمر الذي تم تعميمه على العالم كله بسقوط الاتحاد السوفييتي حيث غدت الأمركة نظامًا عالميًا جديدًا لا يجد مارقًا يتحداه سوى الإسلام .
ولأن البراجماتية تعني إحلال المصالح الخاصة محل المبادئ والقيم فإنها صنعت بذلك مجتمع النخب العالمية الذي يعني تحالف النخب المسيطرة سياسيًا واقتصاديًا على شعوب العالم؛ ولأن الإسلام ذاته يمثل أيديولوجية استنهاضية للفقراء والمستضعفين في الأرض؛ فإن تلك الممارسات الغربية تدفع الأمور في اتجاه الصدام، وهذا الأمر يتجسد الآن في الرغبة الأمريكية في الاستحواذ على منابع النفط في العالم خصوصًا في أهم مناطقها الواقعة في العالم الإسلامي كالخليج، وبحر قزوين، وهو الأمر الذي يصطدم بالصحوة الإسلامية الناهضة في تلك المناطق التي تلجأ إلى الإسلام كأيديولوجية تحمي الشعوب الإسلامية من هذه الأطماع .
ومن ناحية أخرى: فقد بدأ يتكشف للعالم الإسلامي ـ نتيجة تبني الغرب الأمريكي الدائم للكيان الصهيوني المغتصب للمقدسات الإسلامية في القدس وفلسطين ـ أن دور الغرب الأمريكي في هذا الصراع هو دور مباشر، وأن العلاقة التي تربطه بهذا الكيان لست علاقة انحياز، أو مساندة، أو دعم- كما هو رائج في الأجهزة الإعلامية العربية نفسها- ، ولا حتى علاقة تحالف، وإنما هي علاقة عضوية ينوب فيها هذا الكيان عن الغرب الأمريكي في تحقيق مصالحه في المنطقة، وكسر أنف العالم الإسلامي الذي طالما تطاول على الغرب في العصور الماضية، وأن الصهيونية الإسرائيلية ما هي إلا توظيف براجماتي للأساطير اليهودية القديمة بهدف الإحلال الغربي في المنطقة، وإكساب الشرعية الدائمة. ويتكشف لمفكريه أيضًا أن الدور الرهيب المزعوم للوبي اليهودي في الغرب الأمريكي يقتصر في النهاية على تذكيره بما يؤديه الكيان الصهيوني من إنابة له في تحقيق أهدافه، ومن الطبيعي أن يكون كل ذلك دافعًا للعالم الإسلامي للصدام مع الغرب الأمريكي وهو الدافع الأكثر وضوحًا لدى الجماهير المسلمة على وجه الخصوص .
وفي ظل اطراد سيطرة الغرب الأمريكي على العالم، فإن تجسيد الإسلام في نظام اجتماعي شامل يمثل أقصى درجات الإعاقة لتحقيق مصالحه، فضلاً عن أن ذلك قد يكون نواة لخطر أكبر وهو خطر نهوض العالم الإسلامي من جديد في وحدة متكاملة تعيد شبح المخاوف القديمة من الانتصارات الإسلامية على الغرب، والتي قد تستعاد في وجود قوة إسلامية كبرى يكون لها القدرة على التنافس مع الغرب الأمريكي على قيادة العالم في أدنى تقدير .
ومن ثم فإن إعاقة قيام الحكم الإسلامي من جانب الغرب الأمريكي يمثل محور النزاع الرئيس بينه وبين الإسلاميين المتيقظين لوحدة الارتباط العضوي بين الإيمان والحكم في الإسلام وبالتالي لا يقبلون التنازل عن إيمانهم بأي شكل من الأشكال إرضاءً لهذا الغرب الأمريكي، أو رضوخًا له .
يضاف إلى ما سبق عامل شديد الخطورة على المستوى الفلسفي يدفع في اتجاه الصدام بين الإسلام والغرب الأمريكي ككينونة حضارية، وهو: بلوغ النسق الفكري العلماني الغربي مرحلة الإجهاد التام المتمثلة في الأفكار والفلسفات الما بعد حداثية، والنسبية المطلقة، والانقسام والعبث والتشذي، الأمر الذي يدفع العقول الغربية الجادة على التماس البديل عن هذا النسق العلماني والمتمثل في الإسلام، وهذا هو ما يحدث واقعيًا بالفعل حيث يتقدم الإسلام كعقيدة تقدمًا رهيبًا في الغرب مجتذبًا في ذلك على وجه الخصوص عقوله المفكرة من العلماء والمفكرين والفلاسفة حتى ذهب أحد هؤلاء إلى القول بأن الإيمان بالإسلام هو الطريق الطبيعي للمفكر الأوربي، وبذلك فإن الإسلام كعقيدة بحتة يمثل خطرًا أيديولوجيًا على الهوية الغربية نفسها، وهو الأمر الذي يمثل دافعًا من دوافع الصدام من المنظور الغربي .
وما نراه أن هذه الدوافع جميعًا ما هي إلا تجليات الصراع الكوني بين الرؤية الإسلامية للوجود، والرؤية المادية البراجماتية له حيث إن كلا منهما يعوق الآخر في اتساقه الكوني مع رؤيته الخاصة، ومن ثم فلن تكون هناك إمكانية للتعايش السلمي بين الطرفين إلا التخفيف من حدة الدوافع المؤدية للصدام، أو زوال بعضها على أقصى تقدير؛ لأن زوالها جميعًا يمثل استحالة فلسفية وتاريخية ويتناقض ـ من المنظور الإسلامي ـ مع سنة الله في الكون .
فالصراع والتباين الحضاري بين الجانبين واقع لا محالة، ولكن الدفع بذلك في اتجاه التعايش، أو الصدام أمر لا يتعلق بالصراع ذاته، وإنما بطبيعة وثقافة وقناعة وظروف الإدارة القائدة لكل منهما، وهو الأمر الذي لا يساعد كثيرًا على التفاؤل في تصور العلاقة بينهما في ظل الموقف الحالي .
وانطلاقًا من هذا المعنى الأخير تتكشف لنا أسباب الخلاف الحالي في المعسكر الغربي حول الطريقة التي يجب التعامل بها مع العالم الإسلامي حيث لا يعكس هذا الخلاف تناقضًا أيديولوجيًا حقيقيًا داخل ذلك المعسكر، وإنما يعكس مدى التباين بين التوجهات المتطرفة، والتوجهات العاقلة في إدارة الصراع .
http://links.islammemo.cc/filz/one_news.asp?IDNews=319
أعتقد أن احتدام الصدامات القائمة بين المسلمين بوجه عام والغرب الأمريكي على وجه الخصوص لابد أن يدفعنا إلى استجلاء حقيقة هذا الصراع، والتمرد على الاستسلام الساذج لذلك التوصيف الإعلامي الغربي له بأنه لا يخرج عن كونه حربًا على الإرهاب من قبل العالم الحر، أو ذلك التوصيف المضاد من جانب البعض بأنه ليس سوى الامتداد الطبيعي للحملات الصليبية المتوالية على الإسلام منذ العصور الوسطى.
ولكي نستطيع أن نقدم نظريتنا في ذلك علينا أن نحلل أولاً: المقومات البنيوية للجانبين كما هي الآن، وليس كما كانت عليه في مرحلة سابقة من مراحل التاريخ، وبذلك نستطيع أن نتبين النتائج المترتبة على العلاقة القائمة بين هذه المقومات .
ولأن المقومات البنيوية لحضارة ما لا تقوم إلا على أساس التراكم التاريخي لتلك الحضارة، فإننا سنتتبع السياق التاريخي للتطور الحضاري في الجانبين، وسيكون تركيزنا في ذلك على الجانب الغربي على وجه الخصوص حيث إنه الجانب الأكثر قابلية للتغير بخلاف الإسلام الذي من طبيعته الثبات بصفته دينًا، ومن ثم فإن مَنْ سنتابع سيرة تطورهم الفكري هم المسلمين أنفسهم .
وبمتابعة مسيرة تطور الحضارة الغربية نجد أن التناقض بين الدين والعقلانيين يجد جذوره في الحضارة الإغريقية القديمة التي تعد الحضارة الغربية امتدادًا طبيعيًا لها. فلم يكن بالديانة الإغريقية القائمة على الميثيولوجية البشرية ما يغري العقول اليونانية ـ التي تم تطويرها عبر منحنى حضاري كوني اتجه في ذلك الحين من النيل والرافدين إلى أرض اليونان الفتية ـ باحترامها والإنصات إليها، فالصورة التي رسمها هوميروس على سبيل المثال لآلهة اليونان تجعلهم ذوي طبيعة محدودة ومدنسة، وفي حالة صراع دائم مع البشر الذين يكادون أن يتساووا معهم؛ ومن ثم اضطلع الفلاسفة بتوجيه المسار العقلي والإنساني لتلك الحضارة، وكانت الريادة في ذلك لأرسطو وأبيقور على وجه الخصوص. فإذا كان أرسطو قد قام بعزل الإله في فلسفته فإن أبيقور قد وظفه لمصلحته الخاصة في فلسفته المادية القائمة على اللذة - ومن ناحية أخرى فإن التأثير القوي لأرسطو على الصفوة المفكرة في اليونان كان يقابله تأثير شامل لأبيقور على مختلف طبقات المجتمع، وهو ما يشهد له شعبيته الشديدة في ذلك العصر واستمرار تأثيرها على امتداد التاريخ- .
وقد ورثت الحضارة الرومانية الفكر الإغريقي عن الحضارة اليونانية وورثت عنها أيضًا ذلك الصراع الدائم مع الشرق .
وهو في الحقيقة صراع تقليدي مثله في ذلك مثل كل الصراعات بين الحضارات القديمة. وإنما اتسم هنا بكونه بين غرب وشرق؛ لأن حرب طروادة التي هي أشهر الحروب اليونانية القديمة، والتي تعود لأكثر من ألف سنة قبل الميلاد، كانت بين الغرب الأوربي والشرق الآسيوي.
وإذ ما غدت كل الشعوب الأوروبية واقعة تقريبًا تحت السيادة اليونانية فإن الطبيعة الجغرافية كانت تجعل من أي صراع مع أوروبا في العصر القديم هو صراع بين الغرب والشرق حيث لم يكن يحيط بأوروبا من عالم معروف سوى المحيط الأطلنطي، أو ما كان يسمى ببحر الظلمات. ثم تأكد ذلك بعد الصراع بين الإغريق والفرس ثم الرومان وقرطاجنة [ذات الأصول الفينيقية على السواحل السورية ] ثم الروم والفرس، ثم الروم والإسلام .
ولقد نتج عن الصراع الناشب بين المسيحية منذ ظهورها والعقائد الرومانية القديمة ـ والذي استمر لقرون طويلة من الحرب والمساومة ـ مزيج عقائدي مزدوج يتمثل في المسيحية الثالوثية وطقوسها وسلطاتها البابوية بعد أن تم إجهاض الفرق الرافضة لها الهجين من المسيحيين الأوائل والذي كان أبرزهم فريق الأيروسيين الذين انضم أتباعهم إلى الإسلام فيما بعد .
أما الإسلام: فقد مثل منذ ظهوره الطرف المضاد لأوروبا في صراعها التقليدي مع الشرق ونجح في الاستيلاء على ممالكها في آسيا وإفريقيا، وانتزاع جانبها الشرقي بعد ذلك. وباءت محاولاتها المتعددة في استرداد هذه الممالك مرة أخرى فيما سمي بالحروب الصليبية بالفشل الذريع الأمر الذي تسبب في ذلك الشعور الدائم بالمرارة والحقد والكراهية والانتقام المترسب في الوعي الغربي تجاه الإسلام ووجد صداه في تلك الصورة الشائعة عن الإسلام وعقائده وأهله لدى أغلب الغربيين بوجه عام .
ومع ذلك فقد أمر الإسلام بعقلانيته الفريدة وعقيدته البسيطة الخالية من الكهنوت ـ والتي تدور حول مبدأ التوحيد ـ العقول الغربية المفكرة بروح العقلانية والحرية والتمرد وساعد ذلك على انطلاق خطواتها الأولى في اتجاه التقدم العلمي والتحرر السياسي والنقد العقلي لعقائد الكنيسة في نهاية العصور الوسطى، وقد تمت مواجهة ذلك بأقصى درجات البطش والتنكيل الأمر الذي فجر الثورات المتتالية على الكنيسة مع بداية عصر النهضة وما صاحب ذلك من مواصلة التقدم العلمي وظهور المنهج التجريبي في أوروبا .
وربما يندهش القارئ بأن أهم أعلام الثورة العقلية الثلاثة في مطلع عصر النهضة العالم روجر بيكون، والفيلسوف إبلار، والإمبراطور فريدريك كانوا يجهرون مرارًا بأنهم يستمدون عقلانيتهم من الفكر الإسلامي في ذلك الحين .
وفي ظل اضطهاد الكنيسة الغربية المطرد للعلماء والمفكرين في عصر النهضة اتخذت الحركة العقلية في أوروبا منحىً متطرفًا اتجه بها إلى الإلحاد التام وليس مجرد التمرد على الجمود الكنسي واضطهاد البابوات؛ وذلك لأن ذلك الاضطهاد المستمر قرن التحرر العقلي عند هؤلاء باتخاذ الجانب المناوئ للدين عمومًا والمتمثل في الإلحاد، وبات مستقرًا في الضمير الغربي منذ ذلك الحين تناقض الفكر والعلم مع الأديان عمومًا، وهكذا أورثت المسيحية الثالوثية الغربية عداء العلماء والمفكرين لها إلى الإسلام نفسه .
وبذلك تمت استعادة الفكر الإغريقي العلماني من جديد في عصر النهضة خصوصًا في جانبه المادي الإلحادي [ديمقريطس ـ أبيقور] الذي وجد صداه بعد ذلك في كتابات رواد المذهب المادي في عصر التنوير [القرنان السابع والثامن عشر] [هوبز ـ لوك ـ هيوم] وانتشر وذاع من خلال ديرو وفولتير ودالمبير.
وبانتشار الفكر التنويري في أمريكا تمت بلورة الصيغة الأمريكية للفكر العلماني الاستناري الغربي والمتمثلة في الفلسفة البراجماتية التي تجعل من المنفعة واللذة المحك الرئيس للحكم على الحقائق، وهو الأمر الذي ينطوي في داخله على موقف عبثي يتم إلهاؤه على الدوام بالسعي المتواصل نحو المتعة واللذة، مما يجعل الكون كله مادة استهلاكية لحياة البراجماتيين، وتؤول أعمار كاملة من حياة البشر إلى مجرد لحظات عابرة في حياة هؤلاء .
وبانتهاء الحرب العالمية الثانية ينتقل مركز الثقل الغربي إلى أمريكا ومن ثم قيادة الفكر البراجماتي الأمريكي للفكر الغربي بوجه عام، وتحول الغرب التقليدي إلى الغرب الأمريكي وهو الأمر الذي تم تعميمه على العالم كله بسقوط الاتحاد السوفييتي حيث غدت الأمركة نظامًا عالميًا جديدًا لا يجد مارقًا يتحداه سوى الإسلام .
ولأن البراجماتية تعني إحلال المصالح الخاصة محل المبادئ والقيم فإنها صنعت بذلك مجتمع النخب العالمية الذي يعني تحالف النخب المسيطرة سياسيًا واقتصاديًا على شعوب العالم؛ ولأن الإسلام ذاته يمثل أيديولوجية استنهاضية للفقراء والمستضعفين في الأرض؛ فإن تلك الممارسات الغربية تدفع الأمور في اتجاه الصدام، وهذا الأمر يتجسد الآن في الرغبة الأمريكية في الاستحواذ على منابع النفط في العالم خصوصًا في أهم مناطقها الواقعة في العالم الإسلامي كالخليج، وبحر قزوين، وهو الأمر الذي يصطدم بالصحوة الإسلامية الناهضة في تلك المناطق التي تلجأ إلى الإسلام كأيديولوجية تحمي الشعوب الإسلامية من هذه الأطماع .
ومن ناحية أخرى: فقد بدأ يتكشف للعالم الإسلامي ـ نتيجة تبني الغرب الأمريكي الدائم للكيان الصهيوني المغتصب للمقدسات الإسلامية في القدس وفلسطين ـ أن دور الغرب الأمريكي في هذا الصراع هو دور مباشر، وأن العلاقة التي تربطه بهذا الكيان لست علاقة انحياز، أو مساندة، أو دعم- كما هو رائج في الأجهزة الإعلامية العربية نفسها- ، ولا حتى علاقة تحالف، وإنما هي علاقة عضوية ينوب فيها هذا الكيان عن الغرب الأمريكي في تحقيق مصالحه في المنطقة، وكسر أنف العالم الإسلامي الذي طالما تطاول على الغرب في العصور الماضية، وأن الصهيونية الإسرائيلية ما هي إلا توظيف براجماتي للأساطير اليهودية القديمة بهدف الإحلال الغربي في المنطقة، وإكساب الشرعية الدائمة. ويتكشف لمفكريه أيضًا أن الدور الرهيب المزعوم للوبي اليهودي في الغرب الأمريكي يقتصر في النهاية على تذكيره بما يؤديه الكيان الصهيوني من إنابة له في تحقيق أهدافه، ومن الطبيعي أن يكون كل ذلك دافعًا للعالم الإسلامي للصدام مع الغرب الأمريكي وهو الدافع الأكثر وضوحًا لدى الجماهير المسلمة على وجه الخصوص .
وفي ظل اطراد سيطرة الغرب الأمريكي على العالم، فإن تجسيد الإسلام في نظام اجتماعي شامل يمثل أقصى درجات الإعاقة لتحقيق مصالحه، فضلاً عن أن ذلك قد يكون نواة لخطر أكبر وهو خطر نهوض العالم الإسلامي من جديد في وحدة متكاملة تعيد شبح المخاوف القديمة من الانتصارات الإسلامية على الغرب، والتي قد تستعاد في وجود قوة إسلامية كبرى يكون لها القدرة على التنافس مع الغرب الأمريكي على قيادة العالم في أدنى تقدير .
ومن ثم فإن إعاقة قيام الحكم الإسلامي من جانب الغرب الأمريكي يمثل محور النزاع الرئيس بينه وبين الإسلاميين المتيقظين لوحدة الارتباط العضوي بين الإيمان والحكم في الإسلام وبالتالي لا يقبلون التنازل عن إيمانهم بأي شكل من الأشكال إرضاءً لهذا الغرب الأمريكي، أو رضوخًا له .
يضاف إلى ما سبق عامل شديد الخطورة على المستوى الفلسفي يدفع في اتجاه الصدام بين الإسلام والغرب الأمريكي ككينونة حضارية، وهو: بلوغ النسق الفكري العلماني الغربي مرحلة الإجهاد التام المتمثلة في الأفكار والفلسفات الما بعد حداثية، والنسبية المطلقة، والانقسام والعبث والتشذي، الأمر الذي يدفع العقول الغربية الجادة على التماس البديل عن هذا النسق العلماني والمتمثل في الإسلام، وهذا هو ما يحدث واقعيًا بالفعل حيث يتقدم الإسلام كعقيدة تقدمًا رهيبًا في الغرب مجتذبًا في ذلك على وجه الخصوص عقوله المفكرة من العلماء والمفكرين والفلاسفة حتى ذهب أحد هؤلاء إلى القول بأن الإيمان بالإسلام هو الطريق الطبيعي للمفكر الأوربي، وبذلك فإن الإسلام كعقيدة بحتة يمثل خطرًا أيديولوجيًا على الهوية الغربية نفسها، وهو الأمر الذي يمثل دافعًا من دوافع الصدام من المنظور الغربي .
وما نراه أن هذه الدوافع جميعًا ما هي إلا تجليات الصراع الكوني بين الرؤية الإسلامية للوجود، والرؤية المادية البراجماتية له حيث إن كلا منهما يعوق الآخر في اتساقه الكوني مع رؤيته الخاصة، ومن ثم فلن تكون هناك إمكانية للتعايش السلمي بين الطرفين إلا التخفيف من حدة الدوافع المؤدية للصدام، أو زوال بعضها على أقصى تقدير؛ لأن زوالها جميعًا يمثل استحالة فلسفية وتاريخية ويتناقض ـ من المنظور الإسلامي ـ مع سنة الله في الكون .
فالصراع والتباين الحضاري بين الجانبين واقع لا محالة، ولكن الدفع بذلك في اتجاه التعايش، أو الصدام أمر لا يتعلق بالصراع ذاته، وإنما بطبيعة وثقافة وقناعة وظروف الإدارة القائدة لكل منهما، وهو الأمر الذي لا يساعد كثيرًا على التفاؤل في تصور العلاقة بينهما في ظل الموقف الحالي .
وانطلاقًا من هذا المعنى الأخير تتكشف لنا أسباب الخلاف الحالي في المعسكر الغربي حول الطريقة التي يجب التعامل بها مع العالم الإسلامي حيث لا يعكس هذا الخلاف تناقضًا أيديولوجيًا حقيقيًا داخل ذلك المعسكر، وإنما يعكس مدى التباين بين التوجهات المتطرفة، والتوجهات العاقلة في إدارة الصراع .
http://links.islammemo.cc/filz/one_news.asp?IDNews=319