المختار
05-23-2003, 11:49 PM
خالد حسن
19/05/2003
إن مركز تأثير اليمين المتصهين في واشنطن تجاوز حدود المراسلة والخطب والاتصالات وشبكة العلاقات العامة، إلى نصرة الأفكار بتأسيس معاهد ومراكز أبحاث وتشكيل مجموعات دراسية وفرق بحث، لتأمين الأفكار وتوثيقها بأبحاث ووثائق، ومن ثم الضغط بها على مراكز صنع القرار. إن الذي بادر وقدم لنتنياهو ورقة بحث تعتبر إلى حد بعيد "دليلا عمليا وتصورا فكريا" لمرحلة حكمه، هو فريق بحث عكف على تحرير أفكاره وتصوراته وقدمها كوثيقة عمل، أصبح الآن وإلى حد كبير الحاكم الفعلي في واشنطن، وإن الذي اشتغل وأسس وكتب وضغط لتصفية اتفاقية أوسلو ودفنها بالكلية، هو الفريق نفسه. هكذا، الذي يتطلع إلى التأثير والتغيير في مجرى التاريخ كله، يبحث ويخطط ويحلل، ثم يضغط ويبادر، ومن ورائه مؤسسات ترصد وترقب وتتابع، فإذا رُفض اليوم، طرق الباب غدا، إلى أن يؤذن له بالدخول أو يفرض جدول أعماله.
وهؤلاء وأولئك لم يتنكبوا عن خط أستاذهم الأول ومثلهم الأعلى الفيلسوف الفاشي ستراوس، فكانوا أوفياء له في أدق مهمة وأخطرها، عندما اشتغلوا على إحداث إنقلاب شبه جذري في سياسة واشنطن من خلال التحالف مع عصابة صغيرة من المحافظين الجدد، يجمعهم التتلمذ على أفكار الفيلسوف الفاشي الألماني المولد ليو ستراوس (1899-1973)، و سياستهم قائمة على إحداث تحول في الولايات المتحدة بشكل دائم، من جمهورية دستورية، توخت الرفاهية العامة وإقامة مجتمع المبادئ من بين الدول القومية ذات السيادة، إلى دولة ما بعد الحداثة محاكاة بالإمبراطورية الرومانية. وإذا كان عندنا في المجتمعات الإسلامية من يفكر في استهداف المصالح الغربية بتفجير مبنى أو ملهى بشكل معزول، فإن داخل المجموعات السياسية والفكرية وجماعات الضغط في واشنطن من خطط وعمل على إبادة شعوب ونسف أوضاع قائمة (فلسطين، أفغانستان والعراق).
أثناء رئاسة كلنتون، حيث كانوا مبعدين عن السلطة، لم يُؤثروا الخمول تحينا للفرصة السانحة للانقضاض على الحكم، وإنما شنت مجموعة "المحافظين الجدد" و"الستروسيان" (مجموعة ستراوس) بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو في سبتمبر1993 في البيت الأبيض، حملة لاغتيال صفقة "الأرض مقابل السلام" في المهد، حيث هاجر عدد من الأتباع البارزين لستراوس إلى إسرائيل، ليشكلوا نواة جهاز داخل إسرائيل كُرّس لإغراق عملية السلام.
في 1994، أسّس هيليل فرادكين ويورام هازوني مركز شاليم، بتمويل من ميليونيرين أمريكيين، كلاهما ارتبط بما هو بالكاد معروف بـ (Mega Group ) من الصهاينة اليمينيين، وهما رونالد لودر وروجر هيرتوج. هيرتوج اليوم شريك، مع اللّورد كونراد بلاك ومايكل شتاينهاردت، في مؤسسة the New York Sun، وأيضا أحد الملاك الثلاثة، مع مارتن بيريز وشتاينهاردت، لـ"الجمهورية الجديدة"، وتعدَ معقل دعاية "ستروسيان" السياسية و لمدة طويلة. ودرس فرادكين في لجنة جامعة شيكاغو للفكر الإجتماعي. واتجه فيما بعد لفتح مكتب واشنطن لمركز شاليم، بينما يعمل أيضا كمدير لمركز الأخلاق و السياسة العامة (وعوض إليوت أبرامز في هذا المنصب، عندما انتقل أبرامز إلى عضوية مجلس الأمن القومي وعمل كخبير في الشرق الأوسط في معهد العمل الأمريكي (AEI). ثمّ إنتقل إلى إسرائيل، حيث عمل ككاتب خطاب لزعيم الليكود بنيامين نتنياهو، ويعتبر هازوني مساندا غير خجول للحاخام العنصري مير كاهان، المؤسس السابق لرابطة الدفاع عن الإرهاب اليهودي وحركة كاخ.
بالإضافة إلى مركز شاليم، الذي انطلق بقيادة تلميذ ستراوس بول آيديلبيرج - مدافع معاند عن إلحاق غزة بـ"دولة" اسرائيل-، لعب مجلس الخبراء الإسرائيلي الثالث دورا محوريا في دفع جدول أعمال اليمين المتصهين أثناء رئاسة كلنتون، ونعني به معهد الدراسات الإستراتيجية والسياسية المتقدمة (IASPS)، بمكاتبه في القدس وواشنطن، الذي تأسس في 1984 كمخفر أمامي لـ "مدرسة شيكاغو" التي تروج لأفكار آدم سميث، فريدريك فون حايك، وميلتن فريدمان. وبعد اثنا عشر سنة، أسس المعهد قسما للبحث في الإستراتيجية، ويشترط المعهد على من يتقدم للدراسة أن يكون من أتباع ليو ستراوس.
في 1996، بعد اغتيال رئيس الوزراء إسحاق رابين، كُلف القسم القائم حديثا والمنبثق من الـ IASPS للبحث في المجال الإستراتيجيي بسلسلة من الدراسات حول كيفية إلغاء إتفاقيات أوسلو، لتُقدم إلى رئيس الوزراء القادم نتنياهو. وتزعم مجموعة الدراسة هذه ريتشارد بيرل، وأعضاؤها هم: جيمس كولبيرت من المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي (JINSA)، تشارلز فيربانكس من مدرسة جامعة جونس هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة (SAIS)، وهو من أتباع ستراوس وصديق لبول ولفويتز منذ الستينات، دوغلاس فيث، الآن وكيل وزارة الدفاع للسياسة، روبرت لويوينبيرج، رئيس (IASPS)، جوناثان توروب من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى (WINEP)، مجلس الخبراء المنبثق من لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، اللوبي الإسرائيلي الرسمي في أمريكا، ديفيد وورمسير، مدير مشروع الشرق الأوسط في معهد العمل الأمريكي، وميراف وورمسير، باحث سابق في معهد الشرق الأوسط ومشروع المعلومات (MERIP)، والعقيد يجال كارمن الذي كان يشتغل لحساب الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، والآن مدير برامج الشرق الأوسط في معهد هودسون.
وعنوان الدراسة "استراحة نظيفة" وعدد صفحاتها لا يتجاوز الستة، وسلمت من قبل بيرل إلى نتنياهو في 8 يوليو 1996 - قبل يومين من مخاطبة نتنياهو الجلسة المشتركة في الكونغرس الأمريكي، و تضمن أغلب خطابه مقتطفات مختارة مسبقا من "إستراحة نظيفة"، ودعت الورقة إلى رفض كلي لأوسلو و"الأرض مقابل السلام"، وحرضت على القمع الوحشي وإعادة احتلال أراضي السلطة الفلسطينية من طرف قوات الدفاع الإسرائيلية – وطالبت بإلحاق الضفة الغربية وقطاع غزة بإسرائيل بشكل نهائي ودائم، والحرب ضدّ العراق، لإسقاط ليس فقط نظام صدام حسين في بغداد، ولكن أيضا نظام البعث في دمشق.
هكذا وأد هؤلاء اتفاقية أوسلو، وعززوا موقع نتنياهو ورسموا لحكمه خطة ودليلا عمليا، تخرجوا من المعاهد المتخصصة ومراكز الخبراء، واشتغلوا ضمن فرق البحث والمجموعات الدراسية، كانوا إلى وقت قريب في عهد كلينتون نسيا منسيا، وأصبح صوتهم لا يُعلى عليه في رئاسة بوش الأب. كم مرَ علينا في هذا التقرير من معهد أو مركز؟ وكل واحد له صلة بالآخر، في تتابع للأفكار والدراسات، ومن هذا الذي برز من غير أن يسنده معهد، أو يتخرج منه؟ إنه لابد لنا من التحرك وفق خطة مدروسة، ولا يعقل أن نفكر ونخطط من غير معاهد ومراكز تبحث وتزود الخطط بالدراسات والأبحاث وصياغة أفكار المستقبل، إن مثل هذه المعاهد من شأنها أن تخرج للأمة قيادات ومفكرين ومخططين وموجهين، لا يؤثر على سير مثل هذه الرابطة الفكرية والحلقة الدراسية البحثية، فتن ولا حروب ولا تفجيرات، تتفاعل مع الأحداث لحظة بلحظة، لكنها تعلو على التيار ولا تجاريه حتى لا يجرفها.
وإن المشرف على مشروع اليوم، قد يتوفاه الله غدا ولا يحقق التوالد القيادي ولا التوريث والتلاحم في ساحات التدافع الفكري، فلنفكر في صياغة غدنا، وفي من يقود ويوجه، فإن رُفضنا اليوم، أو لم نحقق الشيئ الكثير، يأتي من بعدنا من يفتح الله على يديه الفتوحات، في تتابع وتراكم للخبرات والتجارب والأبحاث. وأمام مشروع واعد كالحملة العالمية لمقاومة العدوان، تحدي تأسيس مثل هذه المعاهد والمراكز وتخصيص منح للنابغين وأصحاب التخصصات من خيرة أبناء الأمة وتأهيلهم وتعويدهم على البحث العميق في الاستراتيجيات وأفكار المستقبل ورسم الخطط، وربطهم بقضايا الأمة المصيرية، وبمجالات التغيير ومستوياته، حتى نضمن استمرار الفعالية وحلقة التأثير في حاضر الأمة ومستقبلها.
19/05/2003
إن مركز تأثير اليمين المتصهين في واشنطن تجاوز حدود المراسلة والخطب والاتصالات وشبكة العلاقات العامة، إلى نصرة الأفكار بتأسيس معاهد ومراكز أبحاث وتشكيل مجموعات دراسية وفرق بحث، لتأمين الأفكار وتوثيقها بأبحاث ووثائق، ومن ثم الضغط بها على مراكز صنع القرار. إن الذي بادر وقدم لنتنياهو ورقة بحث تعتبر إلى حد بعيد "دليلا عمليا وتصورا فكريا" لمرحلة حكمه، هو فريق بحث عكف على تحرير أفكاره وتصوراته وقدمها كوثيقة عمل، أصبح الآن وإلى حد كبير الحاكم الفعلي في واشنطن، وإن الذي اشتغل وأسس وكتب وضغط لتصفية اتفاقية أوسلو ودفنها بالكلية، هو الفريق نفسه. هكذا، الذي يتطلع إلى التأثير والتغيير في مجرى التاريخ كله، يبحث ويخطط ويحلل، ثم يضغط ويبادر، ومن ورائه مؤسسات ترصد وترقب وتتابع، فإذا رُفض اليوم، طرق الباب غدا، إلى أن يؤذن له بالدخول أو يفرض جدول أعماله.
وهؤلاء وأولئك لم يتنكبوا عن خط أستاذهم الأول ومثلهم الأعلى الفيلسوف الفاشي ستراوس، فكانوا أوفياء له في أدق مهمة وأخطرها، عندما اشتغلوا على إحداث إنقلاب شبه جذري في سياسة واشنطن من خلال التحالف مع عصابة صغيرة من المحافظين الجدد، يجمعهم التتلمذ على أفكار الفيلسوف الفاشي الألماني المولد ليو ستراوس (1899-1973)، و سياستهم قائمة على إحداث تحول في الولايات المتحدة بشكل دائم، من جمهورية دستورية، توخت الرفاهية العامة وإقامة مجتمع المبادئ من بين الدول القومية ذات السيادة، إلى دولة ما بعد الحداثة محاكاة بالإمبراطورية الرومانية. وإذا كان عندنا في المجتمعات الإسلامية من يفكر في استهداف المصالح الغربية بتفجير مبنى أو ملهى بشكل معزول، فإن داخل المجموعات السياسية والفكرية وجماعات الضغط في واشنطن من خطط وعمل على إبادة شعوب ونسف أوضاع قائمة (فلسطين، أفغانستان والعراق).
أثناء رئاسة كلنتون، حيث كانوا مبعدين عن السلطة، لم يُؤثروا الخمول تحينا للفرصة السانحة للانقضاض على الحكم، وإنما شنت مجموعة "المحافظين الجدد" و"الستروسيان" (مجموعة ستراوس) بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو في سبتمبر1993 في البيت الأبيض، حملة لاغتيال صفقة "الأرض مقابل السلام" في المهد، حيث هاجر عدد من الأتباع البارزين لستراوس إلى إسرائيل، ليشكلوا نواة جهاز داخل إسرائيل كُرّس لإغراق عملية السلام.
في 1994، أسّس هيليل فرادكين ويورام هازوني مركز شاليم، بتمويل من ميليونيرين أمريكيين، كلاهما ارتبط بما هو بالكاد معروف بـ (Mega Group ) من الصهاينة اليمينيين، وهما رونالد لودر وروجر هيرتوج. هيرتوج اليوم شريك، مع اللّورد كونراد بلاك ومايكل شتاينهاردت، في مؤسسة the New York Sun، وأيضا أحد الملاك الثلاثة، مع مارتن بيريز وشتاينهاردت، لـ"الجمهورية الجديدة"، وتعدَ معقل دعاية "ستروسيان" السياسية و لمدة طويلة. ودرس فرادكين في لجنة جامعة شيكاغو للفكر الإجتماعي. واتجه فيما بعد لفتح مكتب واشنطن لمركز شاليم، بينما يعمل أيضا كمدير لمركز الأخلاق و السياسة العامة (وعوض إليوت أبرامز في هذا المنصب، عندما انتقل أبرامز إلى عضوية مجلس الأمن القومي وعمل كخبير في الشرق الأوسط في معهد العمل الأمريكي (AEI). ثمّ إنتقل إلى إسرائيل، حيث عمل ككاتب خطاب لزعيم الليكود بنيامين نتنياهو، ويعتبر هازوني مساندا غير خجول للحاخام العنصري مير كاهان، المؤسس السابق لرابطة الدفاع عن الإرهاب اليهودي وحركة كاخ.
بالإضافة إلى مركز شاليم، الذي انطلق بقيادة تلميذ ستراوس بول آيديلبيرج - مدافع معاند عن إلحاق غزة بـ"دولة" اسرائيل-، لعب مجلس الخبراء الإسرائيلي الثالث دورا محوريا في دفع جدول أعمال اليمين المتصهين أثناء رئاسة كلنتون، ونعني به معهد الدراسات الإستراتيجية والسياسية المتقدمة (IASPS)، بمكاتبه في القدس وواشنطن، الذي تأسس في 1984 كمخفر أمامي لـ "مدرسة شيكاغو" التي تروج لأفكار آدم سميث، فريدريك فون حايك، وميلتن فريدمان. وبعد اثنا عشر سنة، أسس المعهد قسما للبحث في الإستراتيجية، ويشترط المعهد على من يتقدم للدراسة أن يكون من أتباع ليو ستراوس.
في 1996، بعد اغتيال رئيس الوزراء إسحاق رابين، كُلف القسم القائم حديثا والمنبثق من الـ IASPS للبحث في المجال الإستراتيجيي بسلسلة من الدراسات حول كيفية إلغاء إتفاقيات أوسلو، لتُقدم إلى رئيس الوزراء القادم نتنياهو. وتزعم مجموعة الدراسة هذه ريتشارد بيرل، وأعضاؤها هم: جيمس كولبيرت من المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي (JINSA)، تشارلز فيربانكس من مدرسة جامعة جونس هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة (SAIS)، وهو من أتباع ستراوس وصديق لبول ولفويتز منذ الستينات، دوغلاس فيث، الآن وكيل وزارة الدفاع للسياسة، روبرت لويوينبيرج، رئيس (IASPS)، جوناثان توروب من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى (WINEP)، مجلس الخبراء المنبثق من لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، اللوبي الإسرائيلي الرسمي في أمريكا، ديفيد وورمسير، مدير مشروع الشرق الأوسط في معهد العمل الأمريكي، وميراف وورمسير، باحث سابق في معهد الشرق الأوسط ومشروع المعلومات (MERIP)، والعقيد يجال كارمن الذي كان يشتغل لحساب الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، والآن مدير برامج الشرق الأوسط في معهد هودسون.
وعنوان الدراسة "استراحة نظيفة" وعدد صفحاتها لا يتجاوز الستة، وسلمت من قبل بيرل إلى نتنياهو في 8 يوليو 1996 - قبل يومين من مخاطبة نتنياهو الجلسة المشتركة في الكونغرس الأمريكي، و تضمن أغلب خطابه مقتطفات مختارة مسبقا من "إستراحة نظيفة"، ودعت الورقة إلى رفض كلي لأوسلو و"الأرض مقابل السلام"، وحرضت على القمع الوحشي وإعادة احتلال أراضي السلطة الفلسطينية من طرف قوات الدفاع الإسرائيلية – وطالبت بإلحاق الضفة الغربية وقطاع غزة بإسرائيل بشكل نهائي ودائم، والحرب ضدّ العراق، لإسقاط ليس فقط نظام صدام حسين في بغداد، ولكن أيضا نظام البعث في دمشق.
هكذا وأد هؤلاء اتفاقية أوسلو، وعززوا موقع نتنياهو ورسموا لحكمه خطة ودليلا عمليا، تخرجوا من المعاهد المتخصصة ومراكز الخبراء، واشتغلوا ضمن فرق البحث والمجموعات الدراسية، كانوا إلى وقت قريب في عهد كلينتون نسيا منسيا، وأصبح صوتهم لا يُعلى عليه في رئاسة بوش الأب. كم مرَ علينا في هذا التقرير من معهد أو مركز؟ وكل واحد له صلة بالآخر، في تتابع للأفكار والدراسات، ومن هذا الذي برز من غير أن يسنده معهد، أو يتخرج منه؟ إنه لابد لنا من التحرك وفق خطة مدروسة، ولا يعقل أن نفكر ونخطط من غير معاهد ومراكز تبحث وتزود الخطط بالدراسات والأبحاث وصياغة أفكار المستقبل، إن مثل هذه المعاهد من شأنها أن تخرج للأمة قيادات ومفكرين ومخططين وموجهين، لا يؤثر على سير مثل هذه الرابطة الفكرية والحلقة الدراسية البحثية، فتن ولا حروب ولا تفجيرات، تتفاعل مع الأحداث لحظة بلحظة، لكنها تعلو على التيار ولا تجاريه حتى لا يجرفها.
وإن المشرف على مشروع اليوم، قد يتوفاه الله غدا ولا يحقق التوالد القيادي ولا التوريث والتلاحم في ساحات التدافع الفكري، فلنفكر في صياغة غدنا، وفي من يقود ويوجه، فإن رُفضنا اليوم، أو لم نحقق الشيئ الكثير، يأتي من بعدنا من يفتح الله على يديه الفتوحات، في تتابع وتراكم للخبرات والتجارب والأبحاث. وأمام مشروع واعد كالحملة العالمية لمقاومة العدوان، تحدي تأسيس مثل هذه المعاهد والمراكز وتخصيص منح للنابغين وأصحاب التخصصات من خيرة أبناء الأمة وتأهيلهم وتعويدهم على البحث العميق في الاستراتيجيات وأفكار المستقبل ورسم الخطط، وربطهم بقضايا الأمة المصيرية، وبمجالات التغيير ومستوياته، حتى نضمن استمرار الفعالية وحلقة التأثير في حاضر الأمة ومستقبلها.