المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بأس عسكري وبؤس سياسي


المختار
05-23-2003, 11:47 PM
د. عبد الله النفيسي

23/05/2003

البأس العسكري إذا لم يتسلح بالرؤية السياسية الواضحة يقود حتما إلى بؤس سياسي، ويبدو أن الولايات المتحدة لا تمتلك رؤية واضحة في الشؤون العراقية ويبدو كذلك أن الصراع بين الأجنحة داخل الإدارة الأمريكية يساهم كثيرا في تعقيد الموقف الامريكي داخل العراق. ففي الإدارة الأمريكية هناك مدرستان: مدرسة تؤيد التغيير الجذري في المشهد العراقي نحو (الديمقراطية) أو شكل من أشكالها ومدرسة تكتفي بما حدث - أي - التخلص من صدام حسين دون تغيير النظام العام للأشياء والأوضاع. ويبدو أن المدرسة الأولى تجد قاعدتها في وزارة الخارجية الامريكية وأما المدرسة الثانية فتجد قاعدتها في وزارة الدفاع الامريكية، تتقاطب المدرستان النفوذ داخل الإدارة الأمريكية ويبدو أن قلب بوش مع وزارة الدفاع لكن عقله مع وزارة الخارجية. ولأن الإدارة الأمريكية الحالية فقيرة في خبرتها في الشؤون العراقية وليس لديها معرفة في المجتمع العراقي سنلاحظ الكثير من التخبّط في خطواتها وحتى تصريحاتها.
وتغيير جارنر قبل أن ينهي مهمته وإحضار بريمر للمشهد هكذا فجأة وبدون مقدمات والله أعلم من يأتي بعد بريمر حالة فشله المحتم في (إرساء الديمقراطية في العراق) دليل على قصور كبير في الرؤية الأمريكية للعراق وفقر بيّن في استكناه واستبصار شؤون المجتمع السياسي العراقي، جارنر وعد بحكومة عراقية انتقالية خلال أسابيع ووعد بعودة الخدمات كذلك خلال أسابيع فلا الحكومة جاءت ولا الخدمات عادت رغم الجهود الكبيرة التي بذلها ورغم تعاون الجميع معه. وفجأة يتفاعل الإستقطاب والتدافع الإداري في واشنطن وبعد الخضّ والرّج يقرر بوش استبدال جارنر بشخصية يبدو مقربة أكثر لمدرسة وزارة الخارجية: بريمر، لكن هذا الأخير سيجد صعوبة كبيرة في أداء مهامه العاجلة (الأمن والخدمات) دع عنك أن (يرسي نظاما ديموقراطيا في العراق) ما لم يتحزّم بفريق عراقي من السياسيين الذين يتمتعون بقواعد اجتماعية لكي يصل صوته الى قاع العراقيين الاجتماعي ولكي يتوقف (الفرهود) الذي يربك كل شيء.
ومن المؤسف أن بريمر حتى الآن لم يدرك هذه الحقيقة وهذه الحاجة: فريق من السياسيين العراقيين ذوو الخبرة والرجاجة والمصداقية والجسارة الذين يرافقون بريمر أينما ذهب لكي يمنحوه القبول الاجتماعي الذي يهدّىء الأوضاع ويفتح مغاليق الخيارات أمام العراق.
ومقارنة بسيطة ومباشرة بين حال البصرة وحال بغداد سيوضح ما نرمي إليه. سنلاحظ أن البصرة هادئة نسبيا وأن بغداد مضطربة إلى حد كبير خاصة في الليل.. ربما يعود سبب ذلك إلى أن الانجليز هم الذين يديرون شؤون البصرة حاليا وهم ينطلقون من خبرة تاريخية ثرية في شؤون العراق وهاهم يوظفونها اليوم في البصرة. ويبدو من خلال تجربتهم في العراق 1921 - 1958 أنهم كونوا شبكة جيدة للاتصال الاجتماعي مع العراق والدليل على ذلك أن النخبة العراقية من مثقفين وأكاديميين ومدربين وتكنوقراط وسياسيين عراقيين، كل هؤلاء ميالون إلى الاتصال الثقافي والسياسي ببريطانيا أكثر من اتصالهم بالولايات المتحدة، ولذا سنلاحظ أن الانجليز يتمتعون بحذاقة في تعاملهم مع المجتمع السياسي العراقي أكثر من الأمريكان ولو كان ملف العراق بيد الانجليز، أظن وأحسب أنهم يحققون فيه نجاحا أكثر من الامريكان. والفرق الجوهري بين الانجليز والامريكان - في رؤيتهم لموضوع العراق - أن الانجليز ينطلقون من (واقع العراق) ويتعاملون مع هذا الواقع بكل تفريعاته الطائفية والعنصرية والاثنية والقومية والتاريخية والاقتصادية كما هي لا كما يرغبون، ولذلك لم يتحدث الانجليز مع العراقيين طوال حكمهم للعراق ما بين 1921 - 1958 عن الديمقراطية أو غيره من المواضيع، بل نلاحظ أنهم أقروا بوجود كل التقسيمات الاجتماعية لا بل حتى الفوارق الطبقية والعنصرية بين العراقيين وسعوا لتحقيق مصالحهم من خلال الحاصل والناجز والقائم من الأوضاع وكانوا يتسلحون بالكتمان وشغف التتبع للتفاصيل العراقية، بينما سنلاحظ أن الأمريكان يتحدثون عن مواضيع ومفاهيم ومصطلحات غريبة عن مزاج ومحيط ووسط القاع الاجتماعي العراقي، ويديرون الأمور مباشرة بطريقة لم يتعود عليها العراقيون، ويشعرون أهل البلاد بالصدمة المركبة بينما يحرص الانجليز على اشاعة الإحساس بالاستمرارية وهو شعور مريح أكثر من الشعور بالصدمة.
ثم إن الامريكان يناقشون كل شيء في العلن ويضعون كل الأمور على (بلاطه) بينما الانجليز يدركون أن المجتمع العربي عموما والعراقي خصوصا مجتمع حافل بطقوس السرية والرمزية والكتمان والهيبة وهذا بعد سيكولوجي بالغ الأهمية في التعامل السياسي بين العراقيين.
البأس العسكري وحده لا يكفي لإدارة العراق واعماره وتنميته. ما تحتاجه الإدارة الامريكية في ملف العراق هو الخبرة في شؤونه وهي خبرة بكل بساطة لا تملكها الإدارة الامريكية ولذا أظن أن الامور في العراق لن تستقر لفترة من الزمن قد تطول وقد تقصر لكن سمتها الأساسية هي الإضطراب.

المختار
05-23-2003, 11:55 PM
عذراً هذا الرابط
http://www.alasr.ws/index.cfm?fuseaction=content&contentid=4064&categoryID=20