اليقظان
05-23-2003, 11:36 PM
الإنتفاضة فجر جديد
د . سفر الحوالي 21/3/1424 22/05/2003
إن مما يوجب بيان حقيقة الانتفاضة وأهميتها: أن كثيراً من المسلمين يتعاطفون مع أهداف الانتفاضة عموماً، لكنهم لا يدركون حقيقة الانتفاضة وأثرها العظيم وموقعها التاريخي. وكثير منهم ينخدعون بالإعلام اليومي عربياً وغربياً، الذي يشدد دائما على العنف الصهيوني، والخسائر في الجانب الفلسطيني، فيبدو إيقاف الانتفاضة وكأنه رحمة بإخواننا الفلسطينيين، وفرصة لالتقاط النفس.وربما يتساءل كثيرون: ما جدوى الاستمرار في دفع هذه التكاليف الباهظة؟
حتى حين تقع عملية ناجحة بكل المعايير يأتي التعليق عند هؤلاء "ولكن هذا سيؤدي إلى انتقام شديد"!!
إن عرض التألم والتكاليف من جانب واحد تفصيلاً، وإجمال القول عند الحديث عن خسائر العدو، هو في الحقيقة حملة نفسية موجهة، يرتِّب لها العدو، و يسايره مخدوعاً من لا يدرك الحقائق، أولا يملك الوقت وعدة النظر للبحث عنها، وهذا يتفق مع اتجاه القيادات العربية الحكومية التي رضخت منذ أمد بعيد للهزيمة والاستسلام؛ لكنها تغلف ذلك بإيقاف العنف، والعودة للمفاوضات، ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني!
إن الانتفاضة فجر جديد يراه أهل البصيرة زاحفاً على ليل المعاناة الطويل، أما الذين استمرأوا الذل فإن على أبصارهم غشاوة كتلك الغشاوة التي كانت على أبصار سلفهم، الذين كانوا يظنون أن الإمبراطورية البريطانية خالدة إلى الأبد، ومن قبلهم لم يصدق زعماء الكفر الجاهلي ما تنبأ به "هرقل" نفسه، بل قال قائلهم:
"لقد أَمِـرَ أمْرُ محمد، حتى إنه ليخافه ملك بني الأصفر"
ولذلك يتعين على أهل الشأن، ومن يُهمّه تثبيتُ الأمة وطردُ الإحباط واليأس عنها: أن يكشفَ وجه الحقيقة من خلال ربط الأحداث اليومية بأصولها الكلية المطابقة لسنن الله في التمكين والعلو والإدالة والاستدارج، وهذا ما سوف أحاول الإشارة إليه في هذه العجالة لعل الله -تعالى- يجعلها تذكيراً للباحثين والمراقبين؛ لإظهار هذه الحقائق بشكل دائم.
وقد جعلتها في شكل قواعد كلية، وأصول عامة مأخوذة من كتاب الله تعالى وسننه الثابتة في الكون، وفصلتها بحيث يمكن للمتابع فيما بعد أن يضع تحت كل أصل ما يرى من جزئيات وشواهد قد تقع لاحقاً؛ بل قد يفتح الله عليه بقواعد وأصول أخرى، فالبحث مفتوح، والأحداث مستمرة، والواجب علينا قائم دائم، والاجتهاد لفهم القضية وتوجيه المسار حتمٌ لازم.
أول هذه القواعد والأصول:
( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) [الرعد: الآية11]
وكلا طرفي المعركة غيَّر :
إخواننا الفلسطينيون غيَّروا من الخضوع إلى المقاومة، ومن الخوف إلى الشجاعة، ومن الفرار إلى الثبات، ومن الاتكال على الحكومات إلى التوكل على الله والثقة في الذات.
وأهم تغيير في الحقيقة هو أنهم غيروا من ضعف الإيمان وقلة التدين والانخراط في المنظومات العقدية الوضعية -من اشتراكية وقومية وناصرية ووطنية- إلى قوة الإيمان، وانتشار التدين، والانضواء تحت راية الإسلام والجهاد، من مظاهر ذلك التغيير: الإقبال على الشهادة في سبيل الله بشكل لا نظير له من قبل؛ فكلمة الشهادة هي الكلمة التي تردد على الشفاه كل لقاء مع الصغير والكبير والذكر والأنثى، وبقدر ما يتخلصون من الوهن (حب الدنيا وكراهية الموت) يقذفه الله في قلوب أعدائهم.
والإقبال على كتاب الله؛ ففي كل حي أو قرية تقريبا أقيمت حلقة لتحفيظ القرآن أو أكثر، وعددها الآن في الضفة والقطاع يقارب الألف حلقة، نعم ألف حلقة قابلة للنمو بعد أن لم يكن شيء !، ومن مظاهر ذلك: الاهتمام بالعلم الشرعي، وانتشار حلقاته، ومحاربة الفساد، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فقد صاحب قيام الانتفاضة حملة انتفاضة على دور السينما والفساد، وكثير منها أغلق وضعفت مظاهر الضياع بين الشباب بعد أن كان اليهود يعملون لتدمير أخلاقه.
والإقبال على الحج والعمرة، وزيارة الحرمين الشريفين، ومتابعة إذاعات القرآن الكريم، والبرامج الإعلامية الإسلامية في الإعلام الخارجي، وإنشاء حلقات لتحفيظ القرآن بعد أن كاد ينسى، وقد بلغ عدد المنظمين لها حوالي أربعة آلاف وخمسمائة طالب وطالبة من الكبار والصغار.
وفي الطرف الآخر حدث التغير عند اليهود؛ كانت الجماعات اليهودية المؤسسة للكيان اليهودي كتائب حرب منظمة ومدربة، والمستوطنون كانوا رجال عقيدة وإرادة، والدافع لهم ديني قبل كل شيء، وكانت الهجرة عبادة وتضحية، وكان التوحد في الأهداف والمواقف ظاهراً، والفروق الاجتماعية والعرقية تكاد تكون ملغاة .
أما الآن فقد ظهر جيل الترف والأمراض الاجتماعية، الجيل الذي يبحث عن المتعة الرخيصة بأي ثمن، ولا يؤمن بأي مبدأ أو قيمة، وكثرت مظاهر التراخي والتفرق، فالجنود يهربون من الخدمة، والمستوطنون يبحثون عن الرفاهية، والسياسيون انتهازيون، والوعود التوارتية لم يعد لها بريق، والشباب يدمنون المخدرات، والتمييز العنصري على أشده؛ الأمر الذي جعل قادة الفكر اليهودي يشعرون بهذا التغير، ويتحدثون عنه قبل قيام الانتفاضة.
القاعدة الثانية: ( فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ) [الحشر: الآية2]
لقد قلبت هذه الانتفاضة معايير الحروب، وغيَّرت منهج التفكير الاستراتيجي العسكري الذي ظل العالم الحديث ينتهجه ويطبقه؛ حيث خرجت بالحرب من مفهومها التقليدي -معركة بين جيشين- ووضعتها في قالب جديد، ويمكن أن نعبر عن هذا في شكل نظرية تقول:
"حينما تنهار الجيوش النظامية أو لا توجد؛ فإن المقاومة تنتقل إلى مجموعات تتشكل ذاتياً، وتؤمن بالقضية إلى حد التضحية المطلقة، وبذلك يدخل العدو في مرحلة (الحرب غير المتوازية)"
و"الحرب غير المتوازية" مصطلح جديد، وضعته لجنة من الخبراء الأمريكيين للتعبير عن النوع الآخر للحرب غير المتوازنة.
ومثال الحرب غير المتوازنة ما حدث بين التحالف الدولي والعراق. في حين كانت الحرب بين حلفي (الناتو ووارسو) لو نشبت نوعاً من الحرب المتوازية.
أما "الحرب غير المتوازية" فهي كما عرفتها اللجنة:
"التفاف قوة خفية على جيش تقليدي، وضربه في مقاتِله، وتحطيم روحه المعنوية، وشل قدرته على المقاومة" وهذا هو أخطر أنواع الحروب!
هذا التعريف لم يستنتجوه عقلياً؛ بل هو وصف لما حدث في فلسطين، ولما هو متوقع في أمريكا، لو تطورت الأعمال الإرهابية فيها على يد مواطنيها أو غيرهم.
فالانتفاضة هي المثال الحي الشاهد على هذا النوع من الحرب، فقبل قيامها تخلت الجيوش العربية النظامية عن واجبها، ووجد الجندي العربي حاله كما قال الشاعر:
خندقي قبري وقبري خندقي وزنادي صامت لم ينطقِ
بل الواقع أن الحال أشد من ذلك! فزناده ناطق على من يعبر الحدود من المجاهدين لقتال العدو.
والجيش اليهودي أقوى جيوش المنطقة، وخامس جيش في العالم -كما يقول كثيرون -؛ بل إن الشعب اليهودي كله جيش، وقد عبر عن ذلك أحد المراقبين اليهود قائلا: " كل شعوب العالم تملك جيشاً إلا في إسرائيل؛ فإنها جيش يملك شعبا "!.
وحينذاك رسخت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، والذي لم يعد يهدد الجيوش العربية وحدها؛ بل بلغت غطرسته إلى حد التحرش بالجيوش الإسلامية القوية كالجيش الباكستاني -مثلا-؛ فقد جرى التفاهم بين اليهود والهنود على ضرب المفاعلات النووية في هذا البلد، أما تهديد إيران فتحول إلى ما يشبه اللازمة المتكررة !.
لكن الانتفاضة المباركة أدخلت هذا الجيش في نفق "الحرب غير المتوازية" وجعلته في أسوأ حالة له منذ نشوئه!.
كيف حدث ذلك؟
حدث من خلال:
تحويل التفوق النوعي له (بالقنابل والصواريخ المتطورة وغيرها) إلى قوة محايدة! وتهشيم بنية الردع العسكري، وإحباط نظرية المجتمع الآمن و إحلال مفهوم المجتمع المذعور محلّها، فقد انتهجت الانتفاضة أسلوب ضرب كل هدف في كل مكان بأي شيء ممكن، وهكذا فقدت الأسلحة التقليدية من وسائل الهجوم أو الردع قيمتها أو كادت، فالصاروخ المطور بمعونة أمريكية يمكنه تهديد عاصمة عربية أو تدمير قاعدة عسكرية عربية، لكنه لا يستطيع التقاط استشهادي من مستوطنة أو حافلة! والمفاعلات النووية تتحول من مركز القوة الأعظم إلى هدف مفضل للمهاجمين الاستشهاديين، وإلى مصدر خطر هائل على الدولة، وهلم جرا...، وهكذا يصدق على الدولة اليهودية قوله تعالى عن أسلافهم: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) [الحشر: الآية2]
القاعدة الثالثة: ( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ )[النساء: الآية104]
ما أكثر آلام إخواننا في الأرض المحتلة وما أشد معاناتهم، لكننا لن نتحدث عن هذا الجانب فالإعلام اليومي كفانا هذا العناء، والإعلام العربي -كما أشرنا- يحاول أن يجعل المعاناة هي المشكلة، ربما لكي يكون إيقاف الانتفاضة هو الحل!
أما الإيلام الواقع باليهود فهو مما لم يشهدوه في تاريخهم كله :
وسوف نعرض ذلك مع الاهتمام بالجانب الأبلغ منه، وهو الألم بالقتل الذي هو أشد شيء على قوم هم أحرص الناس على حياة، وهنا نجد الخط البياني شاهداً بوضوح على أن الانتفاضة في تقدم، وعلو وأن العدو في انحطاط ودنو:
عند قيام الانتفاضة كانت نسبة القتلى من العدو 1 إلى 50 من الفلسطينيين، ومع ذلك فقد كان اندلاعها والإخفاق في إيقافها سبباً في إسقاط (باراك) وترشيح (شارون)، وهو أشقى المغضوب عليهم، وأشدهم وحشية وهمجية، وقد علق اليهود آمالهم عليه لذلك، وصدقوه حين وعد بالقضاء على الانتفاضة خلال مئة يوم.
فما الذي حدث؟
استمرت الانتفاضة وتضاعفت آثارها، وارتفع معدل عدد القتلى من المستوطنين من 3 قتلى شهريا أيام (باراك)، إلى 17 قتيلا بعد مجيء السفاح المخلِّص (شارون).
وبعد 400 يوم من الإفراط في العنف؛ وجد شارون أن القتلى من اليهود بلغوا في شهر واحد (إبريل 2002) أكثر من 140 قتيلا!، وهو ما يعادل خسائر العشرة شهور الأولى من الانتفاضة كاملة، وهنا جن جنونه أو كما عبر عن ذلك رئيس الموساد: "اضطربت قواه العقلية " فجاء بمشروع الجدار الواقي، واجتياح المدن الفلسطينية.
كما جاء في شهادة وزير المالية اليهودي التي أوردها في خطابه أثناء مناقشة ميزانية هذا العام، حيث قال: " كنا نحارب ونحارب على الحدود، أما في هاتين السنتين فإننا نحارب ونحارب في كل مكان: في الشوارع، والفنادق، والمطاعم، والمستوطنات، في البر وفي البحر"
وصدق الله تعالى( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ... ) [النساء: الآية104]
د . سفر الحوالي 21/3/1424 22/05/2003
إن مما يوجب بيان حقيقة الانتفاضة وأهميتها: أن كثيراً من المسلمين يتعاطفون مع أهداف الانتفاضة عموماً، لكنهم لا يدركون حقيقة الانتفاضة وأثرها العظيم وموقعها التاريخي. وكثير منهم ينخدعون بالإعلام اليومي عربياً وغربياً، الذي يشدد دائما على العنف الصهيوني، والخسائر في الجانب الفلسطيني، فيبدو إيقاف الانتفاضة وكأنه رحمة بإخواننا الفلسطينيين، وفرصة لالتقاط النفس.وربما يتساءل كثيرون: ما جدوى الاستمرار في دفع هذه التكاليف الباهظة؟
حتى حين تقع عملية ناجحة بكل المعايير يأتي التعليق عند هؤلاء "ولكن هذا سيؤدي إلى انتقام شديد"!!
إن عرض التألم والتكاليف من جانب واحد تفصيلاً، وإجمال القول عند الحديث عن خسائر العدو، هو في الحقيقة حملة نفسية موجهة، يرتِّب لها العدو، و يسايره مخدوعاً من لا يدرك الحقائق، أولا يملك الوقت وعدة النظر للبحث عنها، وهذا يتفق مع اتجاه القيادات العربية الحكومية التي رضخت منذ أمد بعيد للهزيمة والاستسلام؛ لكنها تغلف ذلك بإيقاف العنف، والعودة للمفاوضات، ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني!
إن الانتفاضة فجر جديد يراه أهل البصيرة زاحفاً على ليل المعاناة الطويل، أما الذين استمرأوا الذل فإن على أبصارهم غشاوة كتلك الغشاوة التي كانت على أبصار سلفهم، الذين كانوا يظنون أن الإمبراطورية البريطانية خالدة إلى الأبد، ومن قبلهم لم يصدق زعماء الكفر الجاهلي ما تنبأ به "هرقل" نفسه، بل قال قائلهم:
"لقد أَمِـرَ أمْرُ محمد، حتى إنه ليخافه ملك بني الأصفر"
ولذلك يتعين على أهل الشأن، ومن يُهمّه تثبيتُ الأمة وطردُ الإحباط واليأس عنها: أن يكشفَ وجه الحقيقة من خلال ربط الأحداث اليومية بأصولها الكلية المطابقة لسنن الله في التمكين والعلو والإدالة والاستدارج، وهذا ما سوف أحاول الإشارة إليه في هذه العجالة لعل الله -تعالى- يجعلها تذكيراً للباحثين والمراقبين؛ لإظهار هذه الحقائق بشكل دائم.
وقد جعلتها في شكل قواعد كلية، وأصول عامة مأخوذة من كتاب الله تعالى وسننه الثابتة في الكون، وفصلتها بحيث يمكن للمتابع فيما بعد أن يضع تحت كل أصل ما يرى من جزئيات وشواهد قد تقع لاحقاً؛ بل قد يفتح الله عليه بقواعد وأصول أخرى، فالبحث مفتوح، والأحداث مستمرة، والواجب علينا قائم دائم، والاجتهاد لفهم القضية وتوجيه المسار حتمٌ لازم.
أول هذه القواعد والأصول:
( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) [الرعد: الآية11]
وكلا طرفي المعركة غيَّر :
إخواننا الفلسطينيون غيَّروا من الخضوع إلى المقاومة، ومن الخوف إلى الشجاعة، ومن الفرار إلى الثبات، ومن الاتكال على الحكومات إلى التوكل على الله والثقة في الذات.
وأهم تغيير في الحقيقة هو أنهم غيروا من ضعف الإيمان وقلة التدين والانخراط في المنظومات العقدية الوضعية -من اشتراكية وقومية وناصرية ووطنية- إلى قوة الإيمان، وانتشار التدين، والانضواء تحت راية الإسلام والجهاد، من مظاهر ذلك التغيير: الإقبال على الشهادة في سبيل الله بشكل لا نظير له من قبل؛ فكلمة الشهادة هي الكلمة التي تردد على الشفاه كل لقاء مع الصغير والكبير والذكر والأنثى، وبقدر ما يتخلصون من الوهن (حب الدنيا وكراهية الموت) يقذفه الله في قلوب أعدائهم.
والإقبال على كتاب الله؛ ففي كل حي أو قرية تقريبا أقيمت حلقة لتحفيظ القرآن أو أكثر، وعددها الآن في الضفة والقطاع يقارب الألف حلقة، نعم ألف حلقة قابلة للنمو بعد أن لم يكن شيء !، ومن مظاهر ذلك: الاهتمام بالعلم الشرعي، وانتشار حلقاته، ومحاربة الفساد، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فقد صاحب قيام الانتفاضة حملة انتفاضة على دور السينما والفساد، وكثير منها أغلق وضعفت مظاهر الضياع بين الشباب بعد أن كان اليهود يعملون لتدمير أخلاقه.
والإقبال على الحج والعمرة، وزيارة الحرمين الشريفين، ومتابعة إذاعات القرآن الكريم، والبرامج الإعلامية الإسلامية في الإعلام الخارجي، وإنشاء حلقات لتحفيظ القرآن بعد أن كاد ينسى، وقد بلغ عدد المنظمين لها حوالي أربعة آلاف وخمسمائة طالب وطالبة من الكبار والصغار.
وفي الطرف الآخر حدث التغير عند اليهود؛ كانت الجماعات اليهودية المؤسسة للكيان اليهودي كتائب حرب منظمة ومدربة، والمستوطنون كانوا رجال عقيدة وإرادة، والدافع لهم ديني قبل كل شيء، وكانت الهجرة عبادة وتضحية، وكان التوحد في الأهداف والمواقف ظاهراً، والفروق الاجتماعية والعرقية تكاد تكون ملغاة .
أما الآن فقد ظهر جيل الترف والأمراض الاجتماعية، الجيل الذي يبحث عن المتعة الرخيصة بأي ثمن، ولا يؤمن بأي مبدأ أو قيمة، وكثرت مظاهر التراخي والتفرق، فالجنود يهربون من الخدمة، والمستوطنون يبحثون عن الرفاهية، والسياسيون انتهازيون، والوعود التوارتية لم يعد لها بريق، والشباب يدمنون المخدرات، والتمييز العنصري على أشده؛ الأمر الذي جعل قادة الفكر اليهودي يشعرون بهذا التغير، ويتحدثون عنه قبل قيام الانتفاضة.
القاعدة الثانية: ( فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ) [الحشر: الآية2]
لقد قلبت هذه الانتفاضة معايير الحروب، وغيَّرت منهج التفكير الاستراتيجي العسكري الذي ظل العالم الحديث ينتهجه ويطبقه؛ حيث خرجت بالحرب من مفهومها التقليدي -معركة بين جيشين- ووضعتها في قالب جديد، ويمكن أن نعبر عن هذا في شكل نظرية تقول:
"حينما تنهار الجيوش النظامية أو لا توجد؛ فإن المقاومة تنتقل إلى مجموعات تتشكل ذاتياً، وتؤمن بالقضية إلى حد التضحية المطلقة، وبذلك يدخل العدو في مرحلة (الحرب غير المتوازية)"
و"الحرب غير المتوازية" مصطلح جديد، وضعته لجنة من الخبراء الأمريكيين للتعبير عن النوع الآخر للحرب غير المتوازنة.
ومثال الحرب غير المتوازنة ما حدث بين التحالف الدولي والعراق. في حين كانت الحرب بين حلفي (الناتو ووارسو) لو نشبت نوعاً من الحرب المتوازية.
أما "الحرب غير المتوازية" فهي كما عرفتها اللجنة:
"التفاف قوة خفية على جيش تقليدي، وضربه في مقاتِله، وتحطيم روحه المعنوية، وشل قدرته على المقاومة" وهذا هو أخطر أنواع الحروب!
هذا التعريف لم يستنتجوه عقلياً؛ بل هو وصف لما حدث في فلسطين، ولما هو متوقع في أمريكا، لو تطورت الأعمال الإرهابية فيها على يد مواطنيها أو غيرهم.
فالانتفاضة هي المثال الحي الشاهد على هذا النوع من الحرب، فقبل قيامها تخلت الجيوش العربية النظامية عن واجبها، ووجد الجندي العربي حاله كما قال الشاعر:
خندقي قبري وقبري خندقي وزنادي صامت لم ينطقِ
بل الواقع أن الحال أشد من ذلك! فزناده ناطق على من يعبر الحدود من المجاهدين لقتال العدو.
والجيش اليهودي أقوى جيوش المنطقة، وخامس جيش في العالم -كما يقول كثيرون -؛ بل إن الشعب اليهودي كله جيش، وقد عبر عن ذلك أحد المراقبين اليهود قائلا: " كل شعوب العالم تملك جيشاً إلا في إسرائيل؛ فإنها جيش يملك شعبا "!.
وحينذاك رسخت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، والذي لم يعد يهدد الجيوش العربية وحدها؛ بل بلغت غطرسته إلى حد التحرش بالجيوش الإسلامية القوية كالجيش الباكستاني -مثلا-؛ فقد جرى التفاهم بين اليهود والهنود على ضرب المفاعلات النووية في هذا البلد، أما تهديد إيران فتحول إلى ما يشبه اللازمة المتكررة !.
لكن الانتفاضة المباركة أدخلت هذا الجيش في نفق "الحرب غير المتوازية" وجعلته في أسوأ حالة له منذ نشوئه!.
كيف حدث ذلك؟
حدث من خلال:
تحويل التفوق النوعي له (بالقنابل والصواريخ المتطورة وغيرها) إلى قوة محايدة! وتهشيم بنية الردع العسكري، وإحباط نظرية المجتمع الآمن و إحلال مفهوم المجتمع المذعور محلّها، فقد انتهجت الانتفاضة أسلوب ضرب كل هدف في كل مكان بأي شيء ممكن، وهكذا فقدت الأسلحة التقليدية من وسائل الهجوم أو الردع قيمتها أو كادت، فالصاروخ المطور بمعونة أمريكية يمكنه تهديد عاصمة عربية أو تدمير قاعدة عسكرية عربية، لكنه لا يستطيع التقاط استشهادي من مستوطنة أو حافلة! والمفاعلات النووية تتحول من مركز القوة الأعظم إلى هدف مفضل للمهاجمين الاستشهاديين، وإلى مصدر خطر هائل على الدولة، وهلم جرا...، وهكذا يصدق على الدولة اليهودية قوله تعالى عن أسلافهم: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) [الحشر: الآية2]
القاعدة الثالثة: ( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ )[النساء: الآية104]
ما أكثر آلام إخواننا في الأرض المحتلة وما أشد معاناتهم، لكننا لن نتحدث عن هذا الجانب فالإعلام اليومي كفانا هذا العناء، والإعلام العربي -كما أشرنا- يحاول أن يجعل المعاناة هي المشكلة، ربما لكي يكون إيقاف الانتفاضة هو الحل!
أما الإيلام الواقع باليهود فهو مما لم يشهدوه في تاريخهم كله :
وسوف نعرض ذلك مع الاهتمام بالجانب الأبلغ منه، وهو الألم بالقتل الذي هو أشد شيء على قوم هم أحرص الناس على حياة، وهنا نجد الخط البياني شاهداً بوضوح على أن الانتفاضة في تقدم، وعلو وأن العدو في انحطاط ودنو:
عند قيام الانتفاضة كانت نسبة القتلى من العدو 1 إلى 50 من الفلسطينيين، ومع ذلك فقد كان اندلاعها والإخفاق في إيقافها سبباً في إسقاط (باراك) وترشيح (شارون)، وهو أشقى المغضوب عليهم، وأشدهم وحشية وهمجية، وقد علق اليهود آمالهم عليه لذلك، وصدقوه حين وعد بالقضاء على الانتفاضة خلال مئة يوم.
فما الذي حدث؟
استمرت الانتفاضة وتضاعفت آثارها، وارتفع معدل عدد القتلى من المستوطنين من 3 قتلى شهريا أيام (باراك)، إلى 17 قتيلا بعد مجيء السفاح المخلِّص (شارون).
وبعد 400 يوم من الإفراط في العنف؛ وجد شارون أن القتلى من اليهود بلغوا في شهر واحد (إبريل 2002) أكثر من 140 قتيلا!، وهو ما يعادل خسائر العشرة شهور الأولى من الانتفاضة كاملة، وهنا جن جنونه أو كما عبر عن ذلك رئيس الموساد: "اضطربت قواه العقلية " فجاء بمشروع الجدار الواقي، واجتياح المدن الفلسطينية.
كما جاء في شهادة وزير المالية اليهودي التي أوردها في خطابه أثناء مناقشة ميزانية هذا العام، حيث قال: " كنا نحارب ونحارب على الحدود، أما في هاتين السنتين فإننا نحارب ونحارب في كل مكان: في الشوارع، والفنادق، والمطاعم، والمستوطنات، في البر وفي البحر"
وصدق الله تعالى( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ... ) [النساء: الآية104]