المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة إلى شيخنا السجين بظلم.. العلامة محمد الحسن بن الددو


اليقظان
05-08-2003, 06:43 PM
رسالة إلى شيخنا السجين بظلم.. العلامة محمد الحسن بن الددو
محمد بن المختار الشنقيطي

08/05/2003
لم أصدق أذني حينما سمعت عبر قناة الجزيرة خبر اعتقال الشيخ محمد الحسن بن الددو وإخوانه في موريتانيا..لم أصدق أن تتجرأ السلطة الموريتانية على احتقار الشعب المسلم إلى هذا الحد، وأن يهون عليها الإسلام لهذه الدرجة، فتعتقل علماءه الربانيين، الوارثين لأنبياء الله، الحاملين لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى العالمين. لكني أدركت أن أمة يقودها الجهل والجهلة يمكن أن ترى وتعيش ما لم تتصوره ممكنا أبدا. وصدق القائل:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جُهَّـالهم سادوا

لكنهم إن يعتقلوا الشيخ، فهم لم يعتقلوا عبادته وحبه لله ورسوله، وسخاءه وتواضعه، وخدمته للمسلمين وسعيه في حوائجهم.. وهم لم يعتقلوا علمه الذي بثه في صدور الرجال وبطون الكتب، والخير الذي حمله إلى أركان الأرض.. ولم يعتقلوا حب المسلمين له، ودعاءهم له، وتعاطفهم معه..

إن أمة يوضع فيها العلماء وراء القضبان الصدئة، وفي الزنازين القذرة، بمجرد كلمة حق وصدق، لهي أمة معرضة لكل الهزائم وكل البلايا. وإن أرضا ينتهك الجهلة فيها حرمة العلماء لبطنها خير من ظهرها. وصدق المعريُّ إذ قال:

إذا عيَّر الطائـيَّ بالبخـل مادرٌ وعيَّر قُسًّا بالفـهاهـة بـاقـلُ

وقال السُّها للشمس أنتِ ضئيلة وقال الدجى للصبح لونك حائلُ

وطاولت الأرضُ السماءَ سفاهةً ونافست الشهبَ الحصى والجنادلُ

فيا موتُ زُرْ إن الحياة ذميمـة ويا نفس جِدِّي إن دهـركِ هازلُ

لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: أنت الظالم، فقد تُوُدِّع منهم« رواه أحمد والبزار والطبراني، وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح" مجمع الزوائد 7/270.

فهنيئا لك أيها الشيخ أن قلتَ للظالم: "أنت الظالم" وقلت للمطبِّع: "أنت المطبع"، وقلت للمتخاذل: "أنت المتخاذل"، وقلت للجبان الرعديد: "أنت الجبان الرعديد".. وحسبك أنك نطقت حين سكت علماء السوء، المتاجرون بالدين، البائعو دينِهم بدنيا غيرهم..

روى الإمام البخاري في صحيحه »عن عدي بن حاتم قال: أتينا عمر في وفد، فجعل يدعو رجلا رجلا ويسميهم، فقلتُ: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمتَ إذ كفروا، وأقبلتَ إذ أدبروا، ووفَّيتَ إذ غدروا، وعرفتَ إذ أنكروا. فقال عدي: فلا أبالي إذن«.

نعم.. لا تبال أيها الشيخ الأغر، أن تقدَّم علماء السلطان، وفُتحت أمامهم الأبواب، ونُصبت لهم المنابر، ثم وُضعتَ وإخوانَك في غياهب السجون، لإسكات أصواتكم الندية.. فذلك مقام أعزكم الله به دونهم، وكرمكم به دونهم. لقد أرادوا الحط منكم والتشهير بكم، وأراد الله أن يرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات.. ولو يبق إلا أن أهديك وإخوانك السجناء بظلم أبياتَ الجرجاني - وأنت أدرى بها مني – والله معكم:

يقولون لي فيـك انقباض، وإنمـا *** *رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما

أرى الناس من داناهمُ هان عندهم **** ومن أكرمتْـه عزة النفس أُكرِمـا

ولم أقض حق العلم إن كان كلمـا **** بـدا طـمعٌ صيَّرْتُـه ليَ سُـلَّما

إذا قيل هذا منهل قلت قـد أرى **** ولكن نفس الحـر تحتمل الظَّـمـا

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجـتي **** لأخدُم من لاقـيْتُ لكن لأُخدَمـا

أأشقى به غرسا وأجنيـه ذلــة **** إذن فاتباع الجهل قد كان أحـزما

ولو أن أهل العلم صانوه صانـهم **** ولو عظموه في النفوس لعُـظِّـما

ولكن أهـانوه فهـان، ودنَّـسوا **** محـيَّـاه بالأطماع حتى تجـهَّـما