المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هوامش على الهوامش (( الطريري ))


اليقظان
04-26-2003, 10:52 AM
د. عبد الوهاب الناصر الطريري 19/2/1424
كنت كتبت مقالة في الأسبوع الماضي بعنوان (هوامش على دفتر السقوط) ضمنتها تعليقات سريعة على مشاهد مؤثرة تابعناها بعد سقوط بغداد، وقد أحدثت أصداء تباينت في موقفها من لغة المقال ومضامينه، واحتوت ردود الإخوة عبارات شديدة دفع إليها -فيما أحسب- الغيرة والحمية، فبارك الله فيهم، ولذا سأتجاوزها لأعلق بمسألتين مختصرتين:
(1) كان التحفظ من كثيرين على الذهاب للعراق قبيل الأحداث نتيجة قناعة بعدم جدوى هذا الذهاب؛ لأنه لا يحقق أهداف الجهاد من الإثخان وشفاء صدور المؤمنين، وأن الدفع بفلذات أكباد الأمة وخيرة أبنائها لا بد أن يكون في مكان تعرف أحوال أهله على التفصيل، ومن ضروري المعرفة إدراك واقع الحال للجيش بقطاعاته والشعب باختلافاته، وأحسب أن من المصادر المهمة للفتوى إدراك حال المجتمع العراقي بشقيه المدني والعسكري، ومن كان إعلام النظام هو مصدره فقد اعتمد على غير ثقة.
لقد كان ظاهراً لكثيرين حال البيئة في العراق وأنه لا ينقصهم الرجال والسلاح، ولكن البيئة غير مناسبة لدخول آخرين معهم لأن المجاهد سيقع بين أطراف عدة مخوفة وليس فقط في مواجهة القوات الأمريكية، فهناك طوائف متعددة بين العراقيين ليست كلها مرحبة بهم، وهناك فئات –أحسبك لا تجهلها- ألقت بقيادها مع القوات الأمريكية، ولذا فإن الذاهب إلى هناك يسير في حقل من الألغام وليس ضمن مواجهة موحدة مع العدو الأمريكي، فالأخ العراقي أقدر على التصرف من الطارئ على هذا المجتمع، هذا ما كنا نقوله من قبل، وهذا ما آلت إليه الأمور فيما بعد، وكانت أماراته واضحة.
إن اليقين بنفاسة نوعية المجاهدين الذاهبين إلى هناك يحمل على الشح بهم، وأن بقاءهم مرابطين في بلادهم أولى، فلأمريكا نوايا أوسع من العراق وأبعد مدى، ولكنا لن نخسر تجربة مهما كانت مرة إذا استفدنا من أخطائها، والمجاهدون وإن أصابهم القرح هنا أو هناك فإن علينا أن نتعاون في معرفة الأسباب والاستفادة من أخطاء التجارب ليتم تلافيها في كرات قادمة (فهم الكرار إن شاء الله)، ونحن لم نكن أحوج إلى المصارحة منا في هذه الفترة، ولم نكن أغنى عن المجاملة منا في هذه الفترة أيضاً.
لقد دعا إلى الجهاد في العراق علماء ودعاة باجتهاد، وتحفظ عليه علماء باجتهاد، وقد تكشفت الآن كثير من الأمور، ومن المهم دراسة أوجه الصواب والخطأ في كلا الرأيين على ضوء ما جرى بعيداً عن تضخيم الأخطاء أو تصنع المكاسب الموهومة.
إن علينا أن نتشاور في هذه الأمور الخطيرة بأريحية وصدق وتناصح، وألا نحفر خنادق من حولنا تمنع وصول الاجتهاد المخالف، فلا ندفع النصح قبلاً بتهمة التخذيل، ولانرد الاعتبار بعد بتهمة الشماتة.
(2) كان مما قلته في تلك المقالة (مأساة أن نرى في هذا المصير أصحاب النوايا الطيبة والمثالية المتألقة والذين جادوا بدمائهم "والجود بالنفس أقصى غاية الجود" ونحتسب لهم أن الله لن ينساهم وإن تناساهم الناس، ولن يلتهم من جهادهم شيئاً...) وقد فهم بعض الإخوة من هذا الشماتة أو السخرية أو التشفي ثم بنوا على ذلك أشياء أخرى والله يغفر لهم، ولكني أتساءل: كيف يكون الثناء والدعاء شماتة؟ هل الساخر يثني ويدعو؟ هل الشامت يأسى ويتألم، ويبتهل ويترحم؟.
لا والله لا نفرح عليهم، ولا نشمت بهم، ولا نشمت إلا بمن شمت بهم، ونعتقد أن هؤلاء الذين تركوا الدنيا وتنحروا الموت فيهم من نحسبه من أولياء الله "ومن عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب".
ونعتقد أنهم لم يخطئوا في اختيار طريق الجهاد فثم ذروة سنام الإسلام، ولكن أخطأت أقدامهم مواضعها في اختيار المكان الذي يرابطون فيه فسارت الأمور بهذه الطريقة التي أدت إلى ما أدت إليه فخسرناهم ونحن أحوج ما نكون إليهم.
ونعتقد أن وجود هذه النوعية والذين نعرف أناساً منهم لا ينقصهم من متع الدنيا ورفاهيتها شيء ومع ذلك –نحسبهم- يطلبون الموت مظانه غير مشوب مسعاهم بأي مطمع دنيوي عاجل أو آجل، نعتقد أن هذا تميز لهذه الأمة المحمدية، وثروة نفيسة لها تفخر به على أمم الأرض كلها، وهذا الذي أقض مضاجع أمريكا، ونحن نرى اللقاءات مع جنودها وإذا قضيتهم متى يرجعون إلى بيوتهم، بينما يذهب الخيرون من أهل الجهاد في تذاكر سفر بلا عودة.
إن هذه النوعية النفيسة لا يصح أن تبعثر في مواجهات غير معدة إعداداً قوياً، ولا مخططاً لها تخطيطاً سليماً، بحيث تخسر الأمة بذلك أنفس رجالها في مواجهات غير محسوبة ولا مدروسة، وأن يوضع هؤلاء الرجال في مواضعهم الحقيقية التي تدفع عن الأمة وتنكى بأعدائها.
إن الدول الكافرة وعلى رأسها أمريكا تحاربنا وفق تخطيط دقيق وطويل، وصراع متراكم لا يمكن مواجهته بأعمال مرتجلة تعتمد سياسة حرق المراحل واختصار المسافات.
كلا إن من الجهاد التخطيط الدقيق لمراحله، والدراسة لجدوى كل تحرك وكل عمل، وليس الاستسلام لأساليب الاستدراج من الأعداء إلى مواجهات غير متكافئة وفي مواقع يحددها العدو بطريقته وأسلوبه.
ثم دعونا نتجاوز ذلك إلى نقطة أحسب أنها أهم، وهي: أهمية التفريق بين الشعيرة والاجتهاد في عملها، إنك قد تنتقد إماماً لطول صلاته وتقول له كما قال –صلى الله عليه وسلم-:"أفتان أنت" ولا يستطيع أحد أن يقول إنك تحارب الصلاة أو تجهل قدرها، وقد تخالف محتسباً في اجتهاده وطريقته ولا يمكن القول أنك ضد الحسبة ومشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا الاجتهاد في الجهاد هو من أعمال البشر ويمكن مراجعتها مع كل أحد ولا يعتبر ذلك طعناً في أصل الشعيرة، لقد قال الحباب بن المنذر:" يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟" فما شرعه الله فطريقه التسليم، وما كان من الرأي والحرب والمكيدة فطريقه التجربة والمناقشة في جدواه.
وعندما قُتل سبعون من المسلمين في أحد قال الله عنهم:"أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ". فسمى ما أصابهم مصيبة مع أن هؤلاء الشهداء "أحياء عند ربهم يرزقون" ثم قال "هو من عند أنفسكم".
ونحن إنما أتينا من قبل أنفسنا فالأمة مصابة ومن عند أنفسها، فهناك التهوك في أنواع المعاصي والمخالفات من عقدية وسلوكية وإضاعة للواجبات.
وهناك التقصير في إعداد القوة الجهادية بمعناها العام بحيث تحولت مجتمعات المسلمين إلى مجتمعات استهلاكية إما مترفة غافلة، أو مشغولة بلقمة العيش وبقيت مواضع إعداد القوة الحقيقية للأمة مضيعة فاتسعت الفجوة في الإمكانات بين الأمة وأعدائها، وهذا كله يحتاج إلى استنفار لتلافيه، وطول نفس في إعداده.
إن الجهاد شعيرة ماضية إلى قيام الساعة وهو ذروة سنام الإسلام لا يستطيع إلغاءه إلا الذي شرعه، ولا يمكن لأي قوة عالمية أو منظمة دولية إلغاءه، وإن حاولت فلن تقدر.
أما الاجتهاد في تطبيقه فهو عمل بشري قابل للمراجعة والتسديد والمناصحة.
وأهداف الجهاد واضحة غير ملتبسة ومن أهمها إعلاء كلمة الله، وشفاء صدور المؤمنين وإذهاب غيظ قلوبهم من أعدائهم، ومن المهم جداً تقييم أي اجتهاد في الجهاد هل حقق هذه الأهداف أم تسبب في عكسها من استعلاء الكفار وشفاء صدورهم من المؤمنين؟ ولا بد في هذا التقييم من الوضوح والصراحة ومجاهدة النفس بعيداً عن خداع الذات أو جلد الذات.
وبعد فهذا ما أراه صواباً وأعتقده حقاً، ولكني أتأمل في غيره فقد يكون هو الحق، ومن هذا الرأي وذاك وفي جو الحوار الهادئ المستنير سيولد الرأي الأقرب للصواب، والذي قد لا يكون هذا ولا ذاك، وما دمنا ندعو بالحكمة، ونتحاور بالحكمة، فسنصل إلى خير كثير "وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ" [البقرة:269].

أبو مصعب المكي
04-27-2003, 06:27 PM
دراسة رائعة وموفقة وتدل على بعد نظر وتأني بعيد عن الحماس الغير منضبط

فشكر الله لمشائخنا هذا الطرح والتوجية لشباب الصحوة ..


وبارك الله فيك أخي اليقظان على جهدك المتميز