المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فقه الاستشارة ( عدة أجزاء )


عباس رحيم
07-05-2004, 03:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الموضوع : فقه الاستشارة

سبب طرح هذا الموضوع فقه الاستشارة :
هناك مشكلات ومواقف وُرطت المجتمع الإسلامي فيها وهو بغناء عنها وإذا نظرت في هذه المواقف هل الأعداء الذين جعلوه فيها لا ولو نظرت بتجرد لوجدت أن من أبرز هذه الأسباب أن بعض أفراد المجتمع غفر الله لنا ولهم يقدمون على أعمال بدون استشارة ورجوع للعلماء وكبار طلبة العلم فيتصرفون تصرفات تحمل الأمة والمجتمع تبعات تلك التصرفات الخاطئة . ومن تلك التصرفات الخاطئة أن يقوم خطيب فيخطب خطبة نارية ( كما يقولون ) لم يتبين فيها ولم يتوثق ثم بعد ذلك أتضح أن الأمر غير صحيح فيخسر هو ومن حاوله الكثير ولو استشار لكن خير له ولمن حوله .

ولو كان أحد مستغنيا عن الاستشارة لا ستغنى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ينزل عليه الوحي ومع ذلك يأمره الله بالاستشارة كما في قوله تعالي : (( وشاورهم في الأمر )) أذن غير الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالاستشارة وطلبها .

ومما يدل على أهمية الاستشارة أمور منها :
1 ) أن الله تعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستشير الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين رغم أنه مؤيد بوحي ومعية خاصة من الله تعالى قال تعالي : (( وشاورهم في الأمر ))
2 ) مدح الله تعالى المؤمنين وذلك لأن أمرهم بينهم شوري قال تعالى : (( وأمرهم شوري بينهم )) وهذه الآية نزلت فى مكة قبل قيام الدولة الإسلامية ففيها دلالة على أن الشورى المعنية هنا ليست الشورى المتعلقة بالدولة بل هي بين المسلمين عموم والدعاة خصوصاً
3 ) ممارسة الرسول للمشورة حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه : ( ما رأيت أكثر من رسول الله مشاورة لأصحابه ) إسناده ضعيف ولكن معناه صحيح
4 ) حرص الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على الاستشارة وخصوص الخلفاء الراشدين الأربعة
5 ) الآثار الايجابية في الاستشارة وكذلك الآثار السلبية للفردية وعدم الاستشارة تدل على أهمية الاستشارة
6 ) واقع كثير من المسلمين وعدم فهمهم للاستشارة وضعف ممارستهم لها وخصوصاً بعض الدعاة
7 ) الحديث ضعيف ( ما خاب من أستخار ولا ندم من استشار ) ومعناه صحيح

أخي القارئ : من صفات المؤمن الصادق عدم احتقار من يشير عليه بأمر ولو لم يطلب منه الاستشارة فقد يكون الخير فيما قاله لك فقد قبل سليمان عليه الصلاة والسلام مشورة الهدهد وهو نبي الله

أهداف وثمار الاستشارة :
1 ) الشورى بحد ذاتها عبادة لله إذا خالصة النية
2 ) الاستشارة هي البحث عن الحق ضمن الطرق الشرعية
3 ) تأليف القلوب وجمع الكلمة وسد منافذ الشر وقيل وقال
قال بعض العلماء رحمهم الله : أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم باستشارة أصحابه رضوان عليهم أجمعين كما في قوله تعالى : (( وشاورهم في الأمر )) تأليفاً لقلوبهم وجمع لكلمتهم
4 ) من فوائد الاستشارة اكتشاف العقول النابغة وتدريب المستشار على التأمل وحسن التفكير
5 ) الأمر المشاور فيه أدعى للقبول عند العامة والخاصة وكما قيل : من شاور الرجال شاركهم في عقولهم
6 ) الاستشارة غنمها لك وغرمها على غيرك وهذه حكمة عجيبة
يقول الشاعر : وأكثر من الشورى فإنك أن تصب تجد مادحاً أو تخطئ الرأي تعذر

أسباب الفردية وعدم الاستشارة :
1 ) تقديم المصالح الخاصة على المصالح العامة فإذا جاءت مصالح فرد أو جماعة هو ينتمي إليه مقابل مصلحة أمة أو مجتمع فهو لا يستشير وإنما يتبع هواه
2 ) ضعف ثقته بالناس ومن حوله وذلك بالاستهتار والاستخفاف بهم فلا يرى للناس قيمة فلا يستشير أحد
3 ) التصور بأن الاستشارة ضعف في الرأي وعدم القدرة على أن تتخذ القرار
4 ) التساهل والتهاون حتى يهل الأمر ويضيق عليه الوقت
5 ) عدم إدراك فوائد الاستشارة وخطورة الفردية
6 ) ضعف الأيمان وقلة الورع
7 ) الكبر والإعجاب بالنفس
8 ) حب السيطرة والتفرد

أركان الاستشارة ثلاثة :
1 ) المستشير 2 ) المستشار 3 ) الأمر المتشاور فيه

المستشير وهو من يطلب المشورة يجب عليه أمور:
1 ) أن يكون صادقاً فى استشارته وأنه يرد الرأي الصحيح ولو خالف هواه
2 ) أن لا يكون اتخذ قراره وإنما يستشير حتى إذا وقع الأمر قال لقد استشرت فلا يعاتب والله يقول : (( وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله )) فجعل العزيمة بعد الاستشارة
3 ) أن لا تكون استشارته لأشخاص أختارهم ليقول له ما يحب لا ما يجب
4 ) أن نختار لكل أمر ما يناسبه من أهل الشورى وهذا من منهج الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كان يسأل كل أهل اختصاص فيما يخصهم فقد استشار سعد بن معاذ رضي الله عنه في شأن ثمار المدينة ولم يستشير أبا بكر وعمر وفي غزوة بدر استشار الأنصار وفى شأن أسرى بدر استشار أبو بكر وعمر وفى الحديبية استشار الجميع
5 ) إطلاع المستشار على جميع جوانب الموضوع وملابساته وأسبابه
6 ) أن يحذر التردد بعد الاستشارة بل يجب عليه أن يعزم قال تعالى : (( فإذ عزمت فتوكل على الله ))

المستشار وينقسم أمره إلى قسمين :

ــــــــــــــــــــــــــــ

التكملة مع الجزء الثاني إن شاء الله تعالى

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عباس رحيم
07-12-2004, 02:42 AM
الجزء الثاني والأخير

المستشار وينقسم أمره إلى قسمين :
1 ) صفات المستشار 2 ) ما يجب على المستشار

أولاً : صفات المستشار
1 ) التخصص لأن النبي استشار في ثمار المدينة السعديين رضي الله عنهما ولم يستشر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وكذلك استشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها في كم تصبر المرأة على فراق زوجها لأنها أمر تعلمه النساء فقط
2 ) العلم قال البخاري : كان الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشرون الأمناء أهل العلم
3 ) التجربة أن يكون المستشار صاحب تجارب كثيرة في الأمر الذي تريد الاستشارة فيه قال البخاري في الأدب المفرد : ولا حيكم إلا ذو تجربة
4 ) الأمانة والكتمان لحديث (( المستشار مؤتمن )) رواه أبو داود وغيره وإسناده حسن
5 ) العقل وسدد الرأي والجدية فى الأمور
6 ) المعايشة للقضية المطروحة
7 ) التقوى والورع

ملاحظة : أعلم رحمك الله أنه قد لا تجتمع هذه الصفات فى شخص واحد ولكن قد تتجمع فى مجموعة أشخاص حيئنذ إستشير هؤلاء الأشخاص

ثانياً : ماذا يجب على المستشار ؟
1 ) الصدق في الرأي ومحض النصح للمستشير والتجرد وإذا كانت تشعر أنك لا تستطيع أن تقول رأيك بصدق فاعتذر ولا تطعه رأياً أعوج
2 ) التأني وعدم التسرع
3 ) التأمل والتفكير الطويل والنظر فى جميع جوانب الموضوع وأبعاده
4 ) طلب التفصيل والسؤال عن كل كبيرة وصغيرة في الموضوع
5 ) الأمانة والكتمان لحديث (( المستشار مؤتمن )) رواه أبو داود وغيره وسنده حسن
6 ) طلب الاستشارة من الغير عند عدم معرفة الصواب في الأمر وذلك بعد موافقة المستشير

الأمر المستشار فيه :
الأمور التي يستشار فيها يجب مراعاة ما يلي :
1- لا يجوز الاستشارة فى أمر فيه نص شرعي
2- أن تكون الاستشارة في الأمور المباحة أو الاجتهادية التي ليس فيها نص شرعي

ما هي الاستشارة الغير مباشرة :
الاستشارة هي صناعة رأي معين فى بعض الأحيان يتوصل إلى هذا الرأي عن طريق الاستشارة الغير مباشرة كوسائل الأعلام تصف قضية معينة لتصنع رأياً محدداً

ومن أخطار الاستشارة الغير مباشرة ما يسمى برأي العامة . كيف ؟
أحيان يقع حدث ما فيأتي العامة أو بعض الشباب للداعية أو يتصلون عليه بالهاتف فيقولون له وقع كذا وكذا لماذا لا تفعل كذا لماذا لا تلقى محاضرة أو خطبة جمعة . فيتأثر بهؤلاء وبرأيهم فيلقى محاضرة أو خطبة تكون نارية ( كما يقولون ) أو فيها كلام لا يناسب ذكره على العامة ثم قد يتعطل بعد ذلك خير عظيم كان سببه الاستشارة الغير مباشرة وتأثره برأي العامة أصبح الداعية بدل أن يقود هو العامة أصبحوا هم العامة الذين يقودون الداعية وهذه مسألة خطيرة فى صناعة الرأي وفى أتخذ المواقف

قصة :
أحد العلماء إلقاء محاضرة في أمريكا وقال رأيه عن حرب الخليج فى تلك الفترة فلما يناسب بعض الحضور الذين أخذوا يردوا على العالم ويقاطعه . فقال لهم العالم بهدوء : أنتم لا ترضون للعالم أن يكون عالم سلطه أليس كذلك قالوا : بل قال : وأنا لا أرضى لنفسى أن أكون عالم عامة إذا كنتم لا ترضون أن يكون العالم أداءه فى يد السلطة توجه كيف تشاء فأنا أيضاً لا أرضى لنفسى أن أكون عالم عامة توجهونني أنتم

موضوع الأقلية والأكثرية :
لا عبرة للأقلية والأكثرية فى الاستشارة قد يستشير عليك أنسان واحد برأي يكون صواب ويستشير عليك ألف برأي يكون خطأ .
العزيز لما أستشار قومه فى مصر بخصوص الرؤية التى رآه ماذا قالوا له كلهم قالوا : (( أضغاث أحلام وما نحن بتأوئل الأحلام بعالمين )) وكان الصواب مع واحد من هذه الجموع حيث قال : (( أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق ))

فالقاعدة في باب الاستشارة : من استشارة لا كم استشارة
وكم قلنا سابقا : الاستشارة غنمها لك وغرمها على غيرك

ولا يلزم أن يكون المستشار أكبر منك سناً فقد يكون الصواب مع الصغير فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستشير ابن عباس رضي الله عنهما وعمر ابن عباس رضي الله عنهما حين تولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة 15 عام

استشارة المرأة :
1 ) استشارة المرأة أمر مشروع ضمن أطار محدود لا إفراط ولا تفريط فقد جاءت مشاورة المرأة في القرآن في قوله تعالي : (( فإن أرادا فصالاً عن تراض وتشاور بينهما فلا جناح عليهما )) وذلك في شأن رضاعة الطفل فكيف بمستقبل الأبناء ونحو ذلك
2 ) أستشار الرسول صلى الله عليه وسلم لأم سلمه رضي الله عنها في الحديبية
3 ) كان عمر رضي الله عنه يستشير المرأة قال ابن سريع رحمه الله عن عمر رضي الله عنه : كان يستشير حتى كان يستشير المرأة فإذا أبصر في قولها الصواب أخذ به
4 ) أستشار عمر حفصة رضي الله عنهما في أمر المرأة كم تصبر عن زوجها ونزل عند رأيها

وأخيرا : لا تنسى لو كان أحد مستغنيا عن الاستشارة لا ستغنى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ينزل عليه الوحي ومع ذلك يأمره الله بالاستشارة كما في قوله تعالي : (( وشاورهم في الأمر )) أذن غير الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالاستشارة وطلبها .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

علوش 22
07-12-2004, 06:59 AM
كاتب الرسالة الأصلية عباس رحيم
موضوع الأقلية والأكثرية : لا عبرة للأقلية والأكثرية فى الاستشارة قد يستشير عليك أنسان واحد برأي يكون صواب ويستشير عليك ألف برأي يكون خطأ . العزيز لما أستشار قومه فى مصر بخصوص الرؤية التى رآه ماذا قالوا له كلهم قالوا : (( أضغاث أحلام وما نحن بتأوئل الأحلام بعالمين )) وكان الصواب مع واحد من هذه الجموع حيث قال : (( أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق )) ولا يلزم أن يكون المستشار أكبر منك سناً فقد يكون الصواب مع الصغير . [/QUOTE]


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم ... هذا كله كلام صحيح وشرعي ...
وهذا موضوع غفل عن اهميته كثيرون فلم يستشيروا من الاساس واتبعوا رايهم .. ظنا منهم بانهم الأعلم والأفهم... فندموا ..
وهناك من المسلمين من اخذوا موضوع الاستشاره على اطلاقه فلم يسالوا المختصين ... فندموا ...
تخصيص أهل العلم والخبرة :
فالواجب هو الرجـوع إلى أهـل الاختصاص في كل فن وحقل؛ فالإدارة لها خبراؤها، وللحرب من جرّبها، والسياسة أسرار وتحتاج ركامًا من الأخبار وسعة في العلاقات؛ فلها أهلها، والقائد الدعوي يمكنه أن يجعل تشاوره منقسمًا على هذه الأجزاء؛ فيشاور أصحاب التخصص، لكن هذا لا يغني عن مشاورة عدد من أهل الشمول من بعد في نفس القضايا لاتخاذ القرار الأخير؛ لما عند هؤلاء من سعة نظر تحيط بحركة الحياة من جميع أقطارها.

فهذا الموضوع المذكور هنا اعطى التوجيهات الاسلامية في الشورى والمشورة والاستشارة .... فمن اراد الفوز والفلاح والنجاة , فعليه بها وباتباعها ..

فبارك الله فيك اخي الكريم عباس رحيم على اختيارك لهذا الموضوع وحسن طرحك واستيعابك له ..

اما بالنسبة للكلام الذي اقتبسته من مقالك الرائع والمستوفى , فان ذلك بهدف توضيح نقطة واحدة لم تشبعها بحثا في مقالك .. وهي نقطة انواع الاستشارة وهل الاستشارة ملزمة على الدوام وبكل الاحوال .
انت ذكرت حالة واحدة من انواع الاستشارة وهي حالة الاستشارة من حيث موضوع الأقلية والأكثرية , ثم قلت : لا عبرة للأقلية والأكثرية فى الاستشارة فقد يكون الصواب مع واحد من هذه الجموع , بل وقد يكون الصواب مع الصغير .

من اجل ايضاح هذه النقطة نقول التالي :
الشورى في الاسلام هي تبادل الاراء اتجاه قرار معين , بطرح اراء او نقدها بغية الوصول لأفضل القرارات . فالشورى خلق في الفرد، وسمة في الجماعة المسلمة، ونظام أساسيّ للدولة. والشورى تدل على رجاحة العقل وعلى متانة التنظيم ، كما أنها واجب شرعي على كل أمير. لأن المشورة تقطع الاستبداد بالرأي والاعتداد بالنفس ، والحكم بالهوى والتشفي . وهي رقيب على الحكام في اتخاذ القرارات و الاحكام ، وفيها _ المشورة_ رفع لأقدار القوم وأهل الاختصاص ، وتقليل من احتمال الوقوع في الخطأ الذي عادة مايقع فيه من يتخذ القرار بصفة فردية .
فقوله :‏ (‏ وأمرهم شورى بينهم )‏ يحدد إحدى القسمات التى تعرف بها هذه الأمة ،‏ وتتميز بهذه الشورى عن غيرها من الأمم .‏ حين يأمر الله رسوله المؤيد بالوحى والذى ينزل عليه القرآن ليل نهار -‏ حين يأمره بالشورى فإنما يحدد لهذه الشورى مكانا لا يجوز إغفاله حتى مع نزول الوحى ،‏ وإذا كانت الأمة تملك الحق فى ممارسة الشورى مع وجود الوحى فمن باب أولى أن تملك هذه الشورى بعد انقطاع الوحى .‏

بين الشورى والمشاورة :

إن من المستحسن التمييز منهجيا بين مبدإ الشورى ومبدإ والمشاورة، إذ الشورى ترتبط بالمداولات المتعلقة بوجود السلطة ابتداء وشرعيتها وتداولها، أما المشاورة فترتبط بالمداولات المتعلقة بأداء السلطة وإدارتها وتسييرها.
وهذا التمييز المنهجي مبني على اعتبار شرعي :وهو أن المشاورة وردت في القرآن الكريم في سياق الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "وشاورهم في الأمر"، أما الشورى فقد وردت في سياق الحديث عن المؤمنين: "وأمرهم شورى بينهم" فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالشورى، وإنما أُمر بالمشاورة، أما المؤمنون فهم مأمورون بالشورى نصا، ومأمورون بالمشاورة ضمنا، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. فإن فقه خلافة الحكام أو نظام الحكومة يجب أن يدرس باعتباره فرعًا من فقه الشورى، فالشورى هي الأصل، إذ أنها خلافة الأمة، أما خلافة الخلفاء وولاية الحكام فهي فرع، لذا فإن فقه الخلافة في عصرنا يجب أن يعود إلى الشورى، أي إلى سلطان الأمة، ويتأسس على البيعة الحرة أو الولاية التعاقدية التي تتيح للأمة الرقابة على الحكام ومحاسبتهم، فالشورى أسمى من الدولة.

إن حدود المشاورة هي ما يمليه الموقف وتقتضيه المصلحة، وأنها يمكن أن تكون عامة أو خاصة، في أمر عام أو خاص . وقد حرص صلى الله عليه وسلم على أن يكون المعنيون بكل أمر، المتأثرون بما سيؤول إليه، أول من تتم استشارتهم فيه، مثل المهاجرين في أمر أسرى بدر، والأنصار في أمر تمر المدينة.
الشورى تتميز بأنها ملزمة وواجبة، في حين أن الاستشارة هي طلب النصيحة وهي مشورة غير ملزمة.


والاستشارة " المشاورة : لها حالتان :
1- حالة يكون فيها وجوب الاخذ بالراي الصواب , ولو كان هذا الراي هو راي الاقلية ....
2- حالة يكون فيها وجوب الاخذ براي الاغلبية .... وترك الراي الاخر ولو كان هو الصواب .

طبعا وهذه المسالة تحتاج الى مزيد من البحث والتوضيح ... مما يجعلنا نتوجه بها الى الاخوة اعضاء المنتدي ليساهموا في البحث والكتابة فيها بالتفصيل الذي يوضحها كما يجب ....

والمسالة الاخرى الجديرة بتوسيع البحث فيها هي مسالة : معروف ان الشورى امر لازم " وشاورهم في الامر " , ولكن هل المشورة ملزمة بالاتباع أم غير ملزمة ؟ ؟ واذا كانت غير ملزمة فما الحكمة منها ؟

طبعا وهذه المسالة -- أيضا -- تحتاج الى مزيد من البحث والتوضيح ... مما يجعلنا نتوجه بها الى الاخوة اعضاء المنتدي ليساهموا في البحث والكتابة فيها بالتفصيل الذي يوضحها كما يجب ....


سؤالي عن الشورى في الإسلام هل هي ملزمة للحاكم أو الخليفة أم أنه يجوز له بعد عرض الأمر للشورى أن ينفذ هو ما يراه صحيحا بغض النظر عن رأي الأغلبية؟ وما فائدة الشورى حنيئذ؟ وإذا كانت الشورى ملزمة فما قولكم في إخراج سيدنا أبي بكر لجيش أسامة مع مخالفة الصحابة له؟ وإذا كانت الشورى غير ملزمة فهل يجوز للجماعة أن تتفق فيما بينها على نظام لاتخاذ القرارات بالأغلبية مثلا؟ والسؤال الأخير في موضوع الشورى، هو‏:‏ كيف الوصول إلى الرأي الأخير في الشورى‏.‏ هل الإمام مخير في أن يقبل مذعناً لرأي أغلبيتهم أم له أن يرفض ذلك ويعدل إلى رأي القلة‏؟‏ وما يجب أن يلتزم بإجماعهم أم له أن يرفض رأياً أجمعوا عليه ويمضي ويحمل الأمة على رأيه هو وإن خالف هذا الإجماع‏.‏

في هذه المسألة نجد للباحثين المعاصرين والمحدثين من المسلمين آراء‏.‏

رأي يقول بأن الإمام مخير في قبول رأي الأكثرية من أهل الشورى أو رفض ذلك، والحكم الأخير له مطلقاً سواء وافق آراء الناس أم خالفها ويجب على الأمة -مع ذلك- السمع والطاعة له ما دام أن هذا اجتهاده ورأيه، بل لا يجوز له -في نظر هؤلاء- أن يذعن لآرائهم، وأن يرضخ لجمهورهم‏.‏‏.‏

ويرون أن الشورى بالنسبة للإمام ما هي إلا للاستنارة‏.‏ والتوضيح فقط‏.‏ فهي كما يقال إعلام للأمير لا إلزام‏.‏

ورأي آخر يقول بل الإمام في الإسلام ملزم برأي الأغلبية، ويجب عليه تنفيذ ما اتفقوا وأجمعوا عليه، ولا يجوز له أن يخالف جمهورهم ولذلك يقولون الشورى ملزمة للأمير لا معلمة له فقط‏.‏

ورأي ثالث يقول بل الأمر في ذلك حسب رأي الأمة إن رأت أن تجعل الأمر للأمير مطلقاً فعلت وإن رأت أن تقيده بآراء أكثرية المستشارين فعلت لأن الإمام نائب عن الأمة والأمر دائر على المصلحة فإن وجدت الأمة أن مصلحتها في تفويض الحاكم لكفاءته وظروف الناس كان لها ذلك، وإن رأت أنه يجب تقيد صلاحياته بإجماع أهل الشورى أو برأي أكثريتهم فلها ذلك أيضاً‏.‏

ونحن نناقش بحول الله هذه الآراء جميعاً فنعرض حجة كل فريق منهم وأدلتهم ونناقش هذه الأدلة ونرجح بالدليل الرأي الصواب بحول الله وقوته‏.‏

والتالي يساعد على الوصول الى الراي الارجح او حتى الراي الاصوب :
هل الشورى ملزمة أم معلمة؟
هذه المسألة مثار خلاف بين المفكرين المعاصرين، غير أن الذي تميل له النفس ويرجحه العقل ويرتاح له القلب أنها ملزمة للأمير.
- فبالرغم من رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم قبل غزوة أحد -ورؤيا الأنبياء حق- أن بقرًا له تذبح، وأن سيفه ينثلم، وأنه وضع يده في حصن منيعة، وأوّل ذلك بأن البقر التي تذبح أنه سيُقتل عدد من أصحابه، وأن سيفه الذي ينثلم سيُقتل رجل من أهل بيته، بالرغم من الرؤيا الحق هذه فإنه عليه الصلاة والسلام عندما استشار في الخروج للقوم أو البقاء في المدينة ورجحت كفة الذين يقولون بالخروج لهم -وغالبيتهم من الشباب- أخذ برأيهم، ورأوا في وجهه بعض التأثر، وعرضوا عليه أن يتنازلوا عن رأيهم، فأبى وأمضى رأي الشورى، وكانت النتيجة ما هو معلوم، ثم نزلت آية آل عمران تؤكد مبدأ الشورى من جديد كي تتعلم الأمة أن هذا المبدأ لا بد أن يقر في النفوس وفي ضمير الأمة حتى لو كان بالدماء الطاهرة من الصحابة الكرام، حتى لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم نتائج المعركة قبل أن تقع، لكنها تربية الأمة على ترسيخ الأسس.

- وفي غزوة الخندق لما حاصر المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، واشتد البلاء على المسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف قائدي غطفان، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة حتى يرجعا بمن معهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجرى بينه وبينهم الصلح، وقبل أن يقع ذلك استشار عليه الصلاة والسلام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في ذلك فقالا: "إن كان الله أمرك فسمعًا وطاعة، وإن كان شيئًا تحب أن تصنعه صنعناه، وإن كان شيئًا تصنعه لنا فلا، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف".. فصوّب رأيهما، وقال: (إنما هو شيء أصنعه لكم، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة).

ويقول المودودي إلى أنه ينبغي التسليم بما يجمع عليه أهل الشورى أو أكثريتهم، أما أن يستمع ولي الأمر إلى آراء جميع أهل الشورى، ثم يختار ما يراه هو نفسه بحرية تامة، فإن الشورى في هذه الحالة تفقد معناها وقيمتها.
فالله لم يقل: تؤخذ آراؤهم ومشورتهم في أمورهم. وإنما قال: "وَأَمْرُهُمْ شُوْرَى بَيْنَهُمْ" يعني أن تسير أمورهم بتشاورهم فيما بينهم، وتطبيق هذا القول الإلهي لا يتم بأخذ الرأي فقط، وإنما من الضروري لتنفيذه وتطبيقه أن تجري الأمور وفق ما يتقرر بالإجماع أو بالأكثرية، مع إعادة التنبيه على أن الشورى محددة بحدود الدين.
أي أنه لو أجمع الآن أهل الحل والعقد أو أكثرهم بالفعل على توضيح وتفسير نص شرعي، أو قياسي، أو اجتهاد أو استنباط أو إجراء أو مصلحة في مسألة ما ، فلا بد من أن يصير إجماعهم حجة ويُعترف به قانونًا.

وبهذا كله يصبح الأمر بالشورى ملزما لكل من ولى أمر المسلمين عبر الزمان والمكان . أما زعم استدلال بعض المسلمين على أن الشورى غير ملزمة بقوله تعالى بعد الأمر (‏ فإذا عزمت فتوكل على الله )‏ وأن هذا معناه :‏ امض أنت لما تطمئن إليه وينشرح له صدرك ولا حاجة لرأى الناس فهو استدلال مغلوط لأن المراد ليس عدم الالتزام بنتيجة الشورى ،‏ وإنما هو للنهى عن التردد وطلب للمضى فى الأمر الذى عقد المسلمون بالشورى عزمهم عليه .‏ وقد تصدى المخلصون من العلماء لهذه المزاعم فأتوا على بنيانها من القواعد وكشفوا عن الوجه المشرق لحقيقة موقف الإسلام من هذه القضية ذات الأهمية البالغة . وأما الموقف من الرأى الآخر فهو الثمرة الطبيعية لأمة صفتها الشورى أى تبادل الآراء وتمحيصها بالحوار الإيجابى البناء الذى عبر عنه أحد أئمتنا بقوله رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى خطأ يحتمل الصواب .‏ وحين تتداخل الاحتمالات فلا مكان أبدا لمستبد برأيه بل المكان دائما للشورى .


للموضوع تتمة .............

علوش 22
07-12-2004, 07:02 AM
ما يعرضه الطرف الآخر القائل بأن الشورى معلمة وليست ملزمة :
الشورى غير ملزمة بنتيجتها :
إن توسيع صلاحيات الأمير أو القائد في الإسلام لا تعنى إنه مطلق التصرف والوصول إلى جواب حاسم هنا يتحتم معرفة نوعية الآراء الموجودة وكيف ينبغي للقائد أن يتصرف حيال كل منها.

إن الآراء الموجودة كل الآراء لا تعدوا أن تكون واحدة من ثلاثة :

أولاً : - فهي إما أن تكون حكما شرعياً فيه نص واضح فليس لقائد أو لأمير حبال ذلك إلا التنفيذ .

ثانياً : -أو أن تكون حكماً شرعياً خلافياً ويتقيد تصرف القائد حيال هذا النوع من الآراء بقوة الدليل الذي يمكن الوصول إليه عن طريق المجتهدين من أهل الحل والعقد ."أهل الشورى"، ولا يلزم أن تكون الشورى من خلال "مجلس شورى" واحد جامع كما ذهب البعض، إذ أنها مسألة تخضع لتقدير المصلحة وطريقة إدارة المجتمع الذي قد يتفاوت حجمًا ونظامًا اقتصاديًّا وتركيبًا اجتماعيًّا .

ثالثاً : - أو أن تكون رأياً في موضوع طارئ كرسم سياسة أو تحديد علاقة أو ما شابه ذلك وللقائد حيال هذا النوع من الآراء أن يرجح جانب الصواب بعد الاستشارة بصرف النظر عن موقف الأكثرية أو الأقلية فالرسول صلى الله عليه وسلم خرج بالمسلمين من المدينة يوم بدر والمسلمون كارهون للخروج { يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } وهو الذي استصوب رأى الحباب بن المنذر في تغير الموقع العسكري من غير الرجوع إلى رأى الآخرين وهو الذي أستصوب رأى سعد بن معاذ في مسألة بناء العريش ورأى أبى بكر في مصير أسرى بدر .وهو الذي استعمل أبا لبابه على المدينة وعمر بن أم مكتوم على الصلاة ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير كل ذلك من غير أن يرجع إلى رأى الأكثرية أو الأقلية..

والرسول صلى الله عليه وسلم بقى مصراً على الخروج لملاقاة المشركين يوم أحد بالرغم من تراجع المسلمين عن رأيهم في الخروج وقال لهم قولته المشهورة (ما كان لنبي لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل ) . والرسول صلى الله عليه وسلم بقى مصراً على صلح الحديبية ، وقتال بني قريضة ، وغزوة تبوك.
""" قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما اعترض على الصلح‏:‏ ‏[‏إنه ربي ولن يضيعني‏]‏ أي نص أوضح من هذا يبين أن صلح الحديبية كان بأمر ووحي‏.‏ """ولقد درج المسلمون جميعاً بعد عصر النبوة على نفس الطريق فقد كان القائد أو الأمين يقرر السياسة ويرسل الوفود ويعين الولاة ويعزلهم ويجهز الجيوش ويخوض الحروب كل ذلك من غير التزام برأي أكثرية أو أقلية وإنما كان يستصوبه هو وترتاح إليه نفسه هو بعد استمزاج الآراء وأخذ المشورة.
- قتال المرتدين وإصرار أبي بكر على ذلك رغم مخالفة الغالبية له؛ ذلك لأنه لا شورى في موضوع النص، والنص مع ما ذهب له أبو بكر الصديق في ضرورة قتال من ارتد.
- جيش أسامة وإصرار أبي بكر الصديق رضوان الله تعالى عليه على بعثه؛ لأن أبا بكر قال: "ما كنت لأمنع جيشًا أذن له النبي صلى الله عليه وسلم"، فهناك قرار مسبق لإمضاء الجيش من النبي صلى الله عليه وسلم، وما منع الجيش عن الانطلاق إلا مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته.
فأبو بكر رضى الله عنه أنفذ جيش المسلمين إلى الشام بالرغم من معارضة كبار الصحابة لذلك وعلى رأسهم عمر ابن الخطاب الذي قال لأبى بكر ( كيف ترسل هذا الجيش والعرب قد اضطربت عليك ) قال أبو بكر ( والله لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة ما رددت جيشاً أنفذه رسول الله )وحين عزم أبو بكر على قتال المرتدين وقال له عمر وغيره ( إذا منعك العرب الزكاة فاصبر عليهم ) قال رضى الله عنه ( والله لأقاتلنهم ما استمسك السيف بيدي ) وحين سألوه قائلين ( ومع من تقاتلهم ؟ قال : وحدي حتى تنفذ سالفتي أي تقطع عنقي ..
فإعطاء القائد صلاحية الترجيح من الأساس - إن اختلفوا - يصبح أفضل وأسلم ومن باب أولى بعد المشورة وتقليب الآراء .فالشورى الثابتة في القرآن والروايات هي عبارة عن الاستنارة بالآراء عن طريق المشورة، وليست عبارة عن نفوذ رأي الأكثرية على الأقلية.

فالرأي الثاني يرى أصحابه أن التشاور أمر، وإصدار القرار وإبرامه أمر آخر، وذلك راجع إلى فردية القيادة في الإسلام، وواقع الرأي الذي تجري فيه المشورة.

فإذا كان الرأي موضع القرار أمرًا من أمور التشريع يؤخذ بالرأي الأقوى دليلاً، إلا أن الذي يجعل من الرأي الأقوى دليلاً قانونًا ينفذ على المسلمين إنما هو رئيس الدولة وحده، والدليل على ذلك ما حدث في صلح الحديبية لما عارض المسلمون ما أبرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش، فاتبع الوحي وضرب برأيهم عُرض الحائط، وكذلك ما فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين عزم على قتال المرتدين، فقد حكم بالدليل الراجح عنده برغم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان عنده دليل.

وعلى حين قال المودودي: إن الآية في سورة آل عمران تفيد أن العزم يأتي وفق المشاورة ورأي الأغلبية، يرى أنصار هذا الرأي قول الله: "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله" بعد قوله: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر" جعل الأمر يرجع إليه بعد التشاور؛ لينفذ ما عزم عليه هو، لا أهل الشورى.

أما الرأي في الأمور الفنية والفكرية فالمرجح فيه هو ظهور جانب الصواب، إلا أن الصواب وحده غير كافٍ في إثبات الحجية إلا إذا اقترن بتبني الإدارة السياسية (السلطة التنفيذية) له.

أما الرأي في الأمور العامة، فلا بد أن تنزل فيه السلطة التنفيذية على إرادة الأغلبية، فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم) نزل عند رأي الأكثرية، وترك رأيه رغم أنه تبين خطأ رأي الأغلبية لاحقاً. ففي الأمور العامة ليس على الرئيس سوى بذل الجهد في عرض وجهة نظره، فإن عجز فالشرع قد ألزمه تنفيذ ما تراه الأغلبية من أهل الرأي.

والجدير بالذكر أن أبا الأعلى المودودي نفسه قد ذكر في كتاب "نظرية الإسلام وهديه" أن الأمير له الحق في أن يوافق الأقلية أو الأغلبية في رأيها، وكذلك له أن يخالف أعضاء المجلس كلهم ويقضي برأيه، ولكن على جمهور المسلمين أن يراقبوا الأمير وسيرته في الرعية مراقبة شديدة، وهل هو يتصرف في الأمور ويحكم فيها على تقوى من الله أم بهوى من نفسه. فإن رأوه يتبع الهوى في عمله، فلهم أن يعزلوه ويخلعوه عن منصبه هذا، برغم أنه كتب في الحكومة الإسلامية يرى أن إجماع أو أغلبية أهل الحل والعقد يجب أن ينفذ رأيهم.

والواقع أن هذه المسألة اجتهادية صرفة، وللأمة أن تقرر إلزام رئيس الدولة بتنفيذ رأي الشورى في أمور معينة، وأن تعطي له في سائر الأمور حق الاعتراض على القرار الصادر عن أهل الحل والعقد، ويرى البعض أن يتم التخاصم في هذه الحالة إلى "اللجنة العليا للشورى" وما تقرره يكون نافذًا.

كيف نتشاور؟

لكل إنسان الحق في أن يستشير في أموره الخاصة- كما في الأمور العامة- أُناساً ممن يثق بهم أمانةً وديناً وعلماً وحكمةً وعقلاً , من باب الاسترشاد وزيادة المعلومات ومن باب الاستطلاع حول الآراء الأخرى ومن باب مقارنة المعلومات والرأي الشخصي بآراء الآخرين من حوله.

هل يمكن أن يكون أسلوب التشاور هذا ملزماً؟

بالطبع لا يمكن, لأنه سيصدر عن آراء متضادة أو على الأقل متعددة, فبأيها سيلتزم من سيتخذ القرار؟! قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:"يُستحب لمن همَّ بأمر أن يُشاور فيه",... ثمَّ قال:" ويتأكد الأمر بها في حق ولاة الأمور العامة كالسلطان والقاضي ونحوهما" من بدائع السلك لأبي عبد الله الأندلسي. فالشورى نوعان :

النوع الأول: الشورى العادية غير الرسمية وهذه لا أحد يقول بأنها ملزمة. وهذا النوع يفعله كثير من الناس رؤساء ومرؤوسين , أصدقاء أو أفراد أسرة أو عشيرة, عوّام أو علماء. فهذه شورى حرة مفتوحة لا تأخذ الصفة الرسمية.

النوع الثاني: الشورى الرسمية, وهي التي تكون بين أهل الحل والعقد في الأمة في مجالسهم الرسمية, فهذه لا يمكن ولا يصح شرعاً ولا عقلاً أن تكون كالنوع الأول , وتُساوى به. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعطيها وزنها عندما يجمع الأنصار و المهاجرين أو فئةً من الصحابة ليستشيرهم في أمر ما , فكان يُعطي هؤلاء الناس ومشورتهم وزنا, حتى أنه كان يأخذ بمشورتهم وان خالفت رأيه إن لم يكن هناك وحيٌّ يحسم المسألة, وهذا سبق أن بيـَّناه في عدة مواقف.

يقول توفيق الشاوي في فقه الشورى والاستشارة:"إن عدم انتباه البعض لهذا الفارق بين الاستشارة والشورى أوقعهم في الظن بأن الشورى غير مُلزمة, في حين أنهم لو أدركوا التمايز النوعي بين الشورى والاستشارة لما خاضوا في ذلك الجدل أصلاً". ولا مُشاحَّة في الاصطلاح فالتفريق بين هذه المعاني الاصطلاحية ليس منصوصاً عليه, إنما نتج عن استقراء واجتهاد من عُلماء بعد تمعن وتدبر لما وصلهم من سنة الرسول (ص) وسنة خلفائه الراشدين المهديين من بعده(رض), فقد أحدث علماء الإسلام المجتهدون مصطلحاتٍ تعارفوا على معانيها من خلال استقرائهم وتدبرهم لما وصلهم من معلومات غزيرة وفيرة من السنة ,فاتفقوا على أغلبها واختلفوا في بعضها, ومن تلك الاصطلاحات في الحديث: (الحسن والصحيح), وفي الفقه: (الفرض والواجب) على خلاف في المصطلح بين الأحناف والجمهور, ولفظة سُنَّة يُقصد بها أحيانا المستحب وأحيانا الواجب في اصطلاحات العلماء في باب الأحكام الشرعية التكليفية, وهناك الكثير من الأمثلة على هذا.

يقول فهمي هويدي في كتابه(الحركات الإسلامية والديموقراطية): " إن ثَمَّة فارق مهم للغاية بين الاستشارة والشورى, فالأولى هي طلب الرأي أو المشورة ممن يكون محلَّ ثقةٍ من الطالب. وطالب الاستشارة هو وحده صاحب الحق في اتخاذ القرار, أما الشورى فهي الوسيلة الجماعية الشرعية التي تصدر بها الجماعة أو الأمة قراراً في شأن من شؤونها العامة". فهل الخلافة هي شأن خاص بالخليفة وحده؟!

وكان الخلفاء الراشدون غالباً ما يلتزمون بهذا النهج الذي رباهم عليه قدوتُـنَا وقدوتُهم محمدٌ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم , ولا يمكن أن ندعي إقامة الشورى حقيقة إلا إذا التزمنا بهذا النهج النبوي العظيم الذي يحترم الشورى ويحترم أهلها وان خالفوا رأيه . والفتاوى والاجتهادات التي ساهمت بقصد أو بغير قصد, بحسن نية وحرص على الإسلام أو بدون ذلك, ساهمت في تمكين المستبدين من الاستبداد بالأمة وتجميد وتقييد كل رقيبٍ أو مُصْلحٍ- فرداً كان أو حركة إصلاحية- ووضعهم في محل اتهامٍ بالخروج عن الإمام أو شق الصف أو إثارة الفتنة أو الحرص والسعي وراء المناصب والكراسي, ومن ثم تبرير قمعهم ووأدِ فكرةِ دعوتِهمُ الإصلاحية, بدلاً من مناقشتهم العلنية لإبراز الحق أمام الناس واثبات صحة الموقف القائم أو تصحيحه إذا ثبت عكس ذلك, مع احترامٍ وتقديرٍ لآراءِ الناس واجتهادا تهم, وخاصة في مجالات اختصاصاتهم وخبراتهم.
ومن هنا فالحسم في هذه القضية : متى تكون الشورى ملزمة ؟ ومتى تكون معلمة ؟ يرجع إلى الأمة الإسلامية التي عليها أن ترجع في ذلك إلى مبدأ الشورى نفسه ، لتختار على أساس هذا المبدأ نفسه في أي المسائل وفي أي المستويات وفي أي التطبيقات تكون الشورى ملزمة ، وفي أيها تكون معلمة ، وتضمن ذلك في دستورها الذي يتم إقراره بالشورى كذلك ..ولها أن تقرر في هذا الدستور – في نطاق مبدأ الشورى – مدة ولاية الخليفة أو الحاكم
وهنا نلمح خاصة من خواص الذاتية الإسلامية من حيث كونه الصالح لكل زمان ومكان ، والذي - بناء على ذلك - ترك في هذا الباب تحديد التفاصيل ، ليضعها المسلمون وفق أحوالهم وأزمانهم ، آخذين في كل حال بمبادئ الشريعة الإسلامية .
وهنا تظهر خاصة من خواص الذاتية الإسلامية تبرز في موضوع الشورى ، حيث لا تكون الشورى قط في أمر حسمته الشريعة الإسلامية ، فتستبعد من ثم كل الموضوعات التي تعارضها فلا يستشار فيها ، وإنما هي لازمة بغير الشورى ، والشورى غير صالحة لأن تمسها بتغيير ، وفي هذا ضمان ضد ظهور الاستبداد البشري بشتى أشكاله .

علوش 22
07-12-2004, 07:29 AM
يقول محمد بن المختار الشنقيطي في مجلة الفقه السياسي :
الشورى بين الإلزام والإعلام
كثيرا ما دار الجدل حول إلزامية الشورى وإعلاميتها، بمعنى هل يجب الالتزام بمقتضى رأي أغلب الناس في المسألة المتناولة أم لا. لكن هذا الجدل غالبا ما انطلق من خلط بين الشورى ذات الصلة ببناء السلطة، والمشاورة ذات الصلة بأدائها، فأدى إلى تشويش وبلبلة.
وبالانطلاق من هذا التمييز المنهجي تتضح الصورة أكثر:
فالشورى ذات الصلة ببناء السلطة لا بد أن تكون ملزمة، وإلا فقدت مدلولها الشرعي وثمرتها المصلحية. وكل نصوص السنة في الموضوع تدل على وجوبها ابتداء وإلزاميتها انتهاء، بل تتوعد الخارج على جماعة المسلمين بعد أن يستقر رأيهم على اختيار قائد يرضونه لدينهم ودنياهم، ومن يفتات عليهم في أمر اختيار قادتهم.
وأول ما يسترعي الانتباه هنا هو حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يترك لأمته حق اختيار قادتها، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو كنت مستخلفا أحدا دون مشورة لاستخلفت عليهم ابن أم عبد" " (43). وفي روايات أخرى: "لو كنت مستخلفا أحدا دون مشورة لاستخلفت ابن أم عبد" (44) "لو كنت مستخلفا أحدا على أمتي دون مشورة لاستخلفت عليهم عبد الله بن مسعود" (45) "لو كنت مؤمرا على أمتي أحدا دون مشورة منهم لأمرت عليهم ابن أم عبد" (46) وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
43- المستدرك 3/359 وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"
44- ابن ماجة 1/49
45- النسائي 5/73
46- الطبراني في الأوسط 6/272 والبزار 3/73 وأحمد 1/107. وانظر أيضا في اختلاف ألفاظ الحديث: الترمذي 5/673 وابن أبي شيبة 6/384 والبزار 3/83 وأحمد 1/76 وأحمد 1/95

وقد جهِد النبي صلى الله عليه وسلم واجتهد لأمته نصحا، لكنه لم يلزمها باختيار شخص بعينه قائدا لها من بعده. لذلك حين "قيل يا رسول الله من نؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وإن تؤمروا عمرا تجدوه قويا أمينا لا يخاف بالله لومة لائم، وإن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم إلى الطريق المستقيم" (47).
47- عبد الله بن أحمد بن حنبل: كتاب السنة 2/541 والمقدسي: الأحاديث المختارة 2/86 وابن حجر: الإصابة 2/503 وقال محقق "السنة" د. محمد سعيد القحطاني: "إسناده حسن" وقال محقق "المختارة" عبد الملك بن دهيش: "إسناده صحيح"، وذكر ابن حجر أن الحديث "في مسند أحمد بسند جيد"

أما ربط بناء السلطة بالشورى فقد قال فيه عمر رضي الله عنه: "من بايع رجلا دون مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا" (48) "ألا من بايع رجلا دون مشورة من المسلمين فإنه لا يبايع لا هو ولا من بويع له تغرة أن يقتلا" (49) "ألا وإنه بلغني أن فلانا قال لو قد مات عمر بايعت فلانا، فمن بايع امرأ دون مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له ولا للذي بايعه" (50) وقول عمر: "لا خلافة إلا عن مشورة" (51).
ومن وصية عمر رضي الله عنه وهو على فراش الموت "ثم اجمعوا في اليوم الثالث أشراف الناس وأمراء الأجناد فأمروا أحدكم، فمن تأمر من غير مشورة فاضربوا عنقه" (52) وفي رواية "تشاوروا ثم أجمعوا أمركم في الثلاث واجمعوا أمراء الأجناد، فمن تأمر منكم دون مشورة من المسلمين فاقتلوه" (53).
بل إن في تحذير النبي صلى الله عليه وسلم كفاية للمستكفي: " عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" (54). ومن المعلوم أنه بدون الشورى لن يكون أمر الناس مجتمعا على رجل واحد. ويكفي هذا دلالة على وجوب الشورى المتعلقة ببناء السلطة، وعلى إلزامية نتيجتها.
48- البخاري 6/2505 وعبد الرزاق 5/445
49- البزار 1/302
50- ابن حبان 2/148
51- النسائي 4/272 وابن أبي شيبة 7/431
52- البيهقي في الكبرى 8/151
53- عبد الرزاق 5/481
54- مسلم 3/1480 والطبراني في الكبير 17/145 وأبو عوانة 4/412

ولا يشترط الإجماع في اختيار الحاكم لتعذره عادة، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع من "منهاج السنة"، وإنما يكفي حصول أغلبية. بل هذا هو عمل الصحابة رضي الله عنهم فلا يؤثر في شرعية قيادته ووجوب طاعته.

المشاورة بين الإلزام والإعلام

وأما المشاورة ذات الصلة بأداء السلطة وتسييرها، فهي واجبة ابتداء، لكن نتيجتها قد تكون ملزمة أو معلمة حسب الحالة. وتدل السنة السياسية على أن النبي صلى الله عليه وسلم التزم بنتيجة المشاورة في الأمور العامة إلا في حالتين:
· الحالة الأولى: أن يكون لديه وحي من الله من تعالى في الأمر، فليس له خيار سوى الإذعان، وليست مشاورته لأصحابه في هذه الحالة سوى إعلام وإقناع باتباع التوجيه الرباني في هذا الشأن. ومن أوضح الأمثلة على ذلك صلح الحديبية الذي أصر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، رغم رفض السواد الأعظم من أصحابه للصلح ابتداء، كما يتضح من قصة أم سلمة المتقدمة. وسبب رفض المسلمين لصلح الحديبية ابتداء هو أنه " كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه. فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك" (57) وقد كان عمر رضي الله عنه أرفع الناس صوتا برفض هذا الشرط الذي رآه ورآه المسلمون معه مجحفا " فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال يا بن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا" (58) وفي رواية: "قال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري" (59) وفي روايات أخرى: " قال: إني رسول الله ولست أعصي ربي وهو ناصري" (60) " قال: إني رسول الله ولن أعصيه ولن يضيعني" (61). ومن الواضح أنه صلى الله عليه وسلم لم يصر على الصلح يوم الحديبية عن رأي منه واجتهاد، وإنما عن أمر إلهي ليس له أن يحيد عنه، وهو ما تنطق به عبارات الروايات الأخيرة التي أوردناها:"ولست أعصي ربي" "ولن أعصيه" "ولست أعصيه". فليس لمسلم - فكيف بنبي - أن يعصي أمر الله تعالى مراعاة لخواطر الناس، أو حرصا على الأخذ بمشورتهم.
57- البخاري 2/967
58- البخاري 3/1411 وأبو عوانة 4/296 والهيثمي 6/237 والبيهقي 9/222 والنسائي 6/463 وابن أبي شيبة 7/385 وأحمد 3/485 وأبو يعلى 1/365 والطبراني في الكبير 6/90
59- البخاري 2/978 والبيهقي في الكبرى 9/220 وعبد الرزاق 5/339 وأحمد 4/330 والطبراني في الكبير 20/14
60- ابن حبان 11/224
61- ابن أبي شيبة 7/388

· الحالة الثانية: إذا كانت عملية المشاورة قد اكتملت، واستقر رأي الجماعة على خيار بعينه، وصدر القرار بتبني ذلك الخيار. بحيث يصبح التراجع والتردد أمرا لا يحتمل، نظرا لما يترتب عليه من ظهور الضعف والتخاذل داخل الصف المسلم. ولعل قصة الخروج إلى قريش لقتالها عند جبل أحد تصلح مثالا هنا. فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم رأى السواد الأعظم من أصحابه بالخروج إلى أحد، ولم يكن ذلك رأيه، بل كان يرى المقام واتخاذ موقف دفاعي في المدينة. لكن حينما ندم بعض الناس على رأيهم الأول، وطلبوا منه الرجوع إلى موقفه الأول، أبى ذلك، لأنه ترددٌ يفضي إلى ظهور الضعف وعدم القدرة على الحسم لدى القيادة النبوية، وهو ما لا يجوز في حق القادة السياسيين والعسكريين الناجحين في أي زمان ومكان، فكيف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وقد جاء رده صلى الله عليه وسلم معبرا: "ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه". والحق أن إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على الخروج إلى أحد بعد أن عزم أمره، ليس رفضا لرأي الأكثرين من أصحابه، بل هو إلزام لهم برأيهم الذي ارتأوه، وصيانة لقوة المسلمين وهيبتهم في نفوس أعدائهم، في وقت يوحي فيه التردد بالضعف والتخاذل، وهو أمر لا يحتمل في الحرب.
وكل من الحالتين متضمن في قوله تعالى: "فإذا عزمت فتوكل على الله" فقد وردت الآية بصيغة المتكلم: "فإذا عزمتُ" بضم التاء وإسناد العزم إلى الله تعالى (62) وهو ما يقضي بعدم اعتبار آراء الناس إذا ورد وحي يحسم الأمر. كما وردت بصيغة المخاطب: "فإذا عزمتَ" بفتح التاء، وهو ما يقضي بأن أمر الجماعة إذا استقر على خيار بعينه، فلا مجال للتراجع، لأن كل تراجع في هذه الحالة - خصوصا في أوقات الحرب- سيكون تخاذلا وضعفا في لحظة الحزم والحسم، وذلك هو "العزم والتبين" الوارد في كلام البخاري الآتي. وقد امتثل صلى الله عليه لمعنى الآية - على القراءتين - الآية يوم الحديبية ويوم أحد.
62- تفسير البيضاوي 1/300
وقد أحسن الإمام البخاري حين بوب في صحيحه لفقه هذه المسألة، فقال: "باب قول الله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم" و"شاورهم في الأمر" وأن المشاورة قبل العزم والتبين، لقوله "فإذا عزمت فتوكل على الله". فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله. وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج فلما لبس لأمته وعزم قالوا: أقم، فلم يمل إليهم بعد العزم، وقال: "لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله". وشاور عليا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة، فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين، ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله.

وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تابعه بعدُ عمر، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه " (63).
63- البخاري 6/2682 وانظر أيضا: ابن حجر: تغليق التعليق 5/330

والذي نفهمه من مجمل النصوص أن الشورى في بناء السلطة واجبة ابتداء ملزمة انتهاء، وأن المشاورة فيها تفصيل:
· فهي واجبة ونتيجتها ملزمة في الأمور العظيمة التي لا تدخل في اختصاصات الحاكم، نظرا لخطورتها وتأثيرها على مجمل الأمة، كإعلان الحرب، وإبرام الصلح، وما إلى ذلك..
· وهي واجبة ونتيجتها غير ملزمة في الأمور التي تدخل في صلاحيات الحاكم كتعيين رجال الدولة التابعين له وعزلهم. فبيعة الأمة له تقضي له بحق التصرف في هذه الأمور، والأمة تراقب وتصحح.
· وهي غير واجبة ونتيجتها غير ملزمة في الأمور الشخصية التي يتحمل الفرد مسؤوليتها ونتيجتها، ولكنها مستحبة تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا يتبين أن الشورى والمشاورة في الإسلام عملية سياسية وترويض ذهني ومنهاج تربوي، وليست مجرد إجراء شكلي لتطييب الخواطر، رغم أن ذلك من ضمن فوائدها.
لقد عانت أمة الإسلام خلال تاريخها الطويل الكثير من الشقاق والاقتتال ناتج عن عدم الاحتكام إلى سنة نبينا صلى الله عليه وسنة خلفائه الراشدين في الشورى والمشاورة والعدل في الحكم والقسْم. ولن تخرج الأمة من أزمتها التاريخية هذه حتى تعود إلى ربها، وتسترشد بهدي نبيها صلى الله عليه وسلم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

علوش 22
07-12-2004, 07:30 AM
هل يؤخذ برأي الأغلبية؟
نعم، وليس هذا تقليدًا للديمقراطية الغربية، كلا.. بل هو منهج أصيل في شرعنا الحنيف، ورأينا كيف أخذ النبي عليه الصلاة والسلام برأي الأكثرية في مسألة أسرى بدر، مع أن الصواب في رأي عمر، ويدل عليه ما رواه ابن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند نزول قوله تعالى: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)، قال: "لو أنزل الله من السماء عذابا لما نجا منه غير عمر بن الخطاب"؛ فاستثناء عمر رضوان الله عليه يدل على الأخذ بالأغلبية.

إن الشورى غير الديمقراطية تماماً ... وهي تخالفها من وجوه عدة .... فالديمقراطية كلمة يونانية تعني (حاكمية الشعب وسيادته في الدول الديمقراطية ) وهي تجعل الشعب مصدر السلطات فهو الذي يشرع القوانين ويسن الدساتير ....أما الشورى في الإسلام فإنها لا تعدو أن تكون استطلاع رأي فرد أو فريق من الناس في تفسير حكم شرعي أو فهمه أو اجتهاد في أمر من أمور في ضوء التشريع الإسلامي وفي حدود أصوله وقواعده ... إن (الشعب ) في النظم الديمقراطية هو الذي يحكم نفسه بنظام يصنعه بنفسه ...أما في الإسلام فإن الشعب يحكم بنظام (منزَّل ) لا يملك تعديله أو تبديله كائناً ما كانت الظروف والأحوال ... والنظام الديمقراطي يجعل الأكثرية صاحبه الصلاحية في نقض الأمور وإبرامها بصرف النظر عن أخطائها وصوابها بينما تتقيد الشورى بمبدأ شرعية المقررات والتصرفات دونما كثرة المؤيدين لها أو قلتهم ...,...(فالكيف) في الشورى الإسلامية هو الذي تستهدفه المشورة وتتقيد به للوصول إلى الأسلم والأقوم ولو كان لفرد واحد في الجماعة كلها .
وقد أصبح هذا الأسلوب أمراً مستقراً لدى المسلمين، ففي ما رواه سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "قلت يا رسول الله، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن، ولم تمض فيه منك سنة، قال: اجمعوا له العالمين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد".
وبعض الإسلاميين يقول : الشورى فيها خلاف هل ملزمة أو معلمة ؟أن أهل الشورى في الإسلام يسمون (أهل الحل والعقد) فإذا لم يكن رأيهم ملزماً فماذا يحلون؟ وماذا يعقدون إذن؟. لماذا لا نتفق على أنها ملزمة – كما ذهب إلى ذلك كثير من المشايخ المفكرين والدعاة – ونجعلها نظاماً عاماً ننادي به ونطالب ، بل نعرضه على العالم كله على أنه نظام شرعي محكم فيه من الإيجابيات ما هو أفضل من إيجابيات النظام الديمقراطي ، وفي الوقت نفسه يتفادى سلبيات الديمقراطية ومهلكاتها الاجتماعية.

علوش 22
07-12-2004, 07:37 AM
طبعا ولا تزال هذه المسالة -- بنظري -- تحتاج الى مزيد من البحث والتوضيح ... مما يجعلنا نتوجه بها الى الاخوة اعضاء المنتدي ليساهموا في البحث والكتابة فيها بالتفصيل الذي يوضحها كما يجب .... حتى نصل الى الحكم الارجح والاصوب .

هاتان هما المسألتان :

الاستشارة " المشاورة : لها حالتان :
1- حالة يكون فيها وجوب الاخذ بالراي الصواب , ولو كان هذا الراي هو راي الاقلية ....
2- حالة يكون فيها وجوب الاخذ براي الاغلبية .... وترك الراي الاخر ولو كان هو الصواب .
فما هي احوال ومواصفات هذه الحالات ؟

والمسالة الاخرى هل المشورة ملزمة بالاتباع أم غير ملزمة ؟ ؟ واذا كانت غير ملزمة فما الحكمة منها ؟