المختار
04-24-2003, 06:49 AM
المنهج العلمي للاستدلال
المنهج العلمي للاستدلال
بين أهل السنة وأهل البدعة
(1)
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
يعتمد المنهج العلمي للاستدلال عند أهل السنة والجماعة على كتاب الله (تعالى)، وسـنــة نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، وإجماع السلف الصالح (رضي الله عنهم) .
قـــال الله تعالـى: ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَـــــرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا)) [النساء: 59].
وقال الله تعالى: ((وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ)) [الشورى: 10].
وقال الله تعالى: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)) [الحشر: 7].
والاعتماد على الأصول الـثــلاثــة المعصومة هو أساس دين الإسلام ، ويرتكز على القواعد التالية:
القاعدة الأولى : تعظيم النصوص الشرعية والانقياد لها.
القاعدة الثانية: الاعتمـاد على الأحــاديـث الصحيحة.
القاعدة الثالثة: صــحــــة فـــهــــم الـنــصـــــــــوص.
وفي هذه المقالة سأتحدث عن هذه القواعد الثلاث بشيء من الإيجاز ، مبيناً منهاج أهل السنة في الاستدلال ، وفي الحلقة التالية سأتحدث عن منهج المبتدعة في الاستدلال ، وقواعدهم في التلقي.
قاعدة الأولى: تعظيم النصوص الشرعية:
إن أصـــل ديـــن الإســلام الذي ارتضاه الله (تعالى) لعباده المؤمنين الاستسلام والخضوع والانقياد ، قال الله (تعالى): ((وَأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ)) [الزمر: 54].
وحقيقة الاستسلام: تعظيم أمر الله (سبحانه وتعالى) ونهيه ، والوقوف عند حدود ما أنزله على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، قال الله (تعالى): ((ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ)) [الحج: 32]. فكل ما أمر به الشارع أو نهى عنه ، فحقه التعظيم والإجلال والامتثال ، قال الله (تعالى): ((إنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)) [النور: 51]
فإذا جاء الأمر من الله فلا مجال للاختيار أو التردد ، قال الله (تعالى): ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)) [الأحزاب: 36]. وقد نفى الله (عز وجل) الإيمان بالكلية عمّن أعرض عن حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يرض به ، أو وجد في نفسه حرجاً من ذلك ، قال الله (تعالى): ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء: 65].
وقد توعد الله سبحانه وتعالى المخالفين لأوامره بقوله: ((فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابِ أليم))[النور: 63].
منهج السلف الصالح في تعظيم النصوص:
سطر السلف الصالح (رضي الله عنهم) أروع الأمثلة وأصدق الصفات في الالتزام بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعظيمه ، والوقوف عند حدوده بدون زيادة أ و نقصان ، ومن أمثلة ذلك:
* عن أبي قتادة قال: كنا عند عمران بن حصين في رهط منا ، وفينا بُشير بن كعب فحدّثنا عمران يومئذ فقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (الحياءُ خير كله) أو قال: (الحياء كله خير) ، قال بشير: إنّا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة: أنّ منه سكينة ووقاراً لله ، ومنه ضعفٌ! قال: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه ، وقال أراني أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعارض فيه؟! قال: فأعاد عمران الحديث ، قال: فأعاد بشير ، فغضب عمران. قال: فمازلنا نقول فيه: إنّه منّا يا أبا نجيد ، إنّه لا بأس به!!(1) يعني: أنه ليس متهماً بالنفاق!!.
* وعن عبد الله بن مُغَفّل (رضي الله عنه): أنه رأى رجلاً من أصحابه يخذف. فقال له: لاتخذف ، فإنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكره ـ أو قال ـ ينهى عن الخذف؛ فإنه لايُصطاد به الصيد ، ولا ينكأ به العدو ، ولكنه يكسر السن ويفقأ العين ، ثم رآه بعد ذلك يخذف! فقال له: أخبرك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكره أو ينهى عن الخذف ، ثم أراك تخذف ، لا أكلمك كذا وكذا..!(2).
* عن قبيصة الشامي: أن عبادة بن الصامت خرج مع رجل إلى أرض الروم ، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسرة الذهب بالدنانير ، وكسرة الفضة بالدراهم ، فقال: يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا ، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لا تَبايعوا الذهب إلا مثلاً بمثلٍ لازيادة بينهما ولا نَظِـرة). فقال رجل: لا أرى الربا يكون في هذا إلا ما كان من نظرة! فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتحدّثني عن رأيك؟! لئن أخرجني الله لا أُساكنك بأرض لك عليّ فيها إمرة ، فلمّا قفل لحق بالمدينة ، فقال له عمر: ما أقدمك يا أبا الوليد؟! فقص عليه القصة ، فقال: ارجع إلى أرضك وبلدك لا إمرة له عليك ، فقبّح الله أرضاً لست فيها وأمثالك(3).
* وحدّث أبو معاوية الضرير عند هارون الرشيد بحديث أبي هريرة: (احتج آدم وموسى) ، فقال أحد الحاضرين: كيف هذا ، وبين آدم وموسى ما بينهما؟! قال: فوثب هارون ، وقال: يُحدّثك عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-وتعارض بكيف؟! فما زال يقول حتى سكت عنه(4).
* وقال رجلٌ للزهري: يا أبا بكر: حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (يس منّا من لطم الخدود ، وليس منا من لم يوقر كبيرنا) ، وما أشبه هذا الحديث؟! فأطرق الزهري ساعة ، ثم رفع رأسه فقال: (من الله (عز وجل) العلم ، وعلى الرسول-صلى الله عليه وسلم- البلاغ ، وعلينا التسليم)(5).
* من أجل ذلك كله كان السلف الصالح (رضي الله عنهم) في أشد التثبت والتحري والتوقي في فعل السنة ، فلا يفعلون شيئاً إلا بعلم صحيح ، فها هو ذا رجلٌ يعطس إلى جنب عبد الله بن عمر ، فيقول: الحمد لله ، والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقال له عبد الله بن عمر: (وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله ، وليس هكذا علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، علمنا أن نقول: الحمد لله على كلّ حال)(6).
* ونظير هذا أن سعيد بن المسيب رأى رجلاً يُصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين ، يُكثر فيهما الركوع والسجود ، فنهاه ، فقال: يا أبا محمد ، يعذبني الله على الصلاة؟! فقال: (لا.. ولكن يُعذبك على خلاف السنة)(7).
وأمثلة هذا الباب كثيرة جداً ، وفيما ذكر كفاية ـ إن شاء الله ـ لبيان المقصود. وبهذا يتبيّن أن الكتاب والسنة هما أصل الاستدلال ، وهما المعيار الذي توزن به الآراء والاجتهادات ، ولايستقيم إيمان المرء إلا بتعظيمهما وامتثال ما دلا عليه من القول والفعل والاعتقاد ، ويُلخّص الطحاوي منهج أهل السنة بقوله: (ولاتثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام ، فمن رام علم ما حظر عنه علمه ، ولم يقنع بالتسليم فهمه ، حجبه مرامه عن خالص التوحيد ، وصافي المعرفة ، وصحيح الإيمان)(8).
وقال البربهاريّ: (إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ، أو يرد الآثار ، أو يريد غير الآثار: فاتهمه على الإسلام ، ولاتشك أنّه صاحب هوى مبتدع)(9).
وقال ابن تيمية: (وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم ـ يعني أهل السنة ـ اعتصامهم بالكتاب والسنة ، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان: أنه لايقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه ولاذوقه ، ولامعقوله ولاقياسه ، ولاوَجْدِهِ ، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات: أنّ الرسول جاء بالهدى ودين الحق ، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم)(10).
وقال أيضاً: (فمن بنى الكلام في العلم (الأصول والفروع) على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين ، فقد أصاب طريق النبوة ، وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد وأصحابه فقد أصاب طريقة النبوة ، وهذه طريقة أئمة الهدى...)(11).
القاعدة الثانية: الاعتماد على السنة الصحيحة:
أمرالله (سبحانه وتعالى) بطاعة نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- في آيات كثيرة ، منها قوله (تعالى): ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)) [الحشر: 7] ، وقوله تعالى: ((مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله)) [النساء: 80].
وثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إني أوتيتُ القرآن ومثله معه)(12) ، فكل ما ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو حق وصدق لاريب فيه ، قال الله (تعالى): ((وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم: 3 ، 4].
وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- هي الموضحة والمبينة لكتاب الله (عز وجل) ، كما قال سبحانه وتعالى: ((وَأََنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ)) [النحل: 44].
المنهج العلمي للاستدلال
بين أهل السنة وأهل البدعة
(1)
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
يعتمد المنهج العلمي للاستدلال عند أهل السنة والجماعة على كتاب الله (تعالى)، وسـنــة نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، وإجماع السلف الصالح (رضي الله عنهم) .
قـــال الله تعالـى: ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَـــــرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا)) [النساء: 59].
وقال الله تعالى: ((وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ)) [الشورى: 10].
وقال الله تعالى: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)) [الحشر: 7].
والاعتماد على الأصول الـثــلاثــة المعصومة هو أساس دين الإسلام ، ويرتكز على القواعد التالية:
القاعدة الأولى : تعظيم النصوص الشرعية والانقياد لها.
القاعدة الثانية: الاعتمـاد على الأحــاديـث الصحيحة.
القاعدة الثالثة: صــحــــة فـــهــــم الـنــصـــــــــوص.
وفي هذه المقالة سأتحدث عن هذه القواعد الثلاث بشيء من الإيجاز ، مبيناً منهاج أهل السنة في الاستدلال ، وفي الحلقة التالية سأتحدث عن منهج المبتدعة في الاستدلال ، وقواعدهم في التلقي.
قاعدة الأولى: تعظيم النصوص الشرعية:
إن أصـــل ديـــن الإســلام الذي ارتضاه الله (تعالى) لعباده المؤمنين الاستسلام والخضوع والانقياد ، قال الله (تعالى): ((وَأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ)) [الزمر: 54].
وحقيقة الاستسلام: تعظيم أمر الله (سبحانه وتعالى) ونهيه ، والوقوف عند حدود ما أنزله على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، قال الله (تعالى): ((ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ)) [الحج: 32]. فكل ما أمر به الشارع أو نهى عنه ، فحقه التعظيم والإجلال والامتثال ، قال الله (تعالى): ((إنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)) [النور: 51]
فإذا جاء الأمر من الله فلا مجال للاختيار أو التردد ، قال الله (تعالى): ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)) [الأحزاب: 36]. وقد نفى الله (عز وجل) الإيمان بالكلية عمّن أعرض عن حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يرض به ، أو وجد في نفسه حرجاً من ذلك ، قال الله (تعالى): ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء: 65].
وقد توعد الله سبحانه وتعالى المخالفين لأوامره بقوله: ((فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابِ أليم))[النور: 63].
منهج السلف الصالح في تعظيم النصوص:
سطر السلف الصالح (رضي الله عنهم) أروع الأمثلة وأصدق الصفات في الالتزام بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعظيمه ، والوقوف عند حدوده بدون زيادة أ و نقصان ، ومن أمثلة ذلك:
* عن أبي قتادة قال: كنا عند عمران بن حصين في رهط منا ، وفينا بُشير بن كعب فحدّثنا عمران يومئذ فقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (الحياءُ خير كله) أو قال: (الحياء كله خير) ، قال بشير: إنّا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة: أنّ منه سكينة ووقاراً لله ، ومنه ضعفٌ! قال: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه ، وقال أراني أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعارض فيه؟! قال: فأعاد عمران الحديث ، قال: فأعاد بشير ، فغضب عمران. قال: فمازلنا نقول فيه: إنّه منّا يا أبا نجيد ، إنّه لا بأس به!!(1) يعني: أنه ليس متهماً بالنفاق!!.
* وعن عبد الله بن مُغَفّل (رضي الله عنه): أنه رأى رجلاً من أصحابه يخذف. فقال له: لاتخذف ، فإنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكره ـ أو قال ـ ينهى عن الخذف؛ فإنه لايُصطاد به الصيد ، ولا ينكأ به العدو ، ولكنه يكسر السن ويفقأ العين ، ثم رآه بعد ذلك يخذف! فقال له: أخبرك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكره أو ينهى عن الخذف ، ثم أراك تخذف ، لا أكلمك كذا وكذا..!(2).
* عن قبيصة الشامي: أن عبادة بن الصامت خرج مع رجل إلى أرض الروم ، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسرة الذهب بالدنانير ، وكسرة الفضة بالدراهم ، فقال: يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا ، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لا تَبايعوا الذهب إلا مثلاً بمثلٍ لازيادة بينهما ولا نَظِـرة). فقال رجل: لا أرى الربا يكون في هذا إلا ما كان من نظرة! فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتحدّثني عن رأيك؟! لئن أخرجني الله لا أُساكنك بأرض لك عليّ فيها إمرة ، فلمّا قفل لحق بالمدينة ، فقال له عمر: ما أقدمك يا أبا الوليد؟! فقص عليه القصة ، فقال: ارجع إلى أرضك وبلدك لا إمرة له عليك ، فقبّح الله أرضاً لست فيها وأمثالك(3).
* وحدّث أبو معاوية الضرير عند هارون الرشيد بحديث أبي هريرة: (احتج آدم وموسى) ، فقال أحد الحاضرين: كيف هذا ، وبين آدم وموسى ما بينهما؟! قال: فوثب هارون ، وقال: يُحدّثك عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-وتعارض بكيف؟! فما زال يقول حتى سكت عنه(4).
* وقال رجلٌ للزهري: يا أبا بكر: حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (يس منّا من لطم الخدود ، وليس منا من لم يوقر كبيرنا) ، وما أشبه هذا الحديث؟! فأطرق الزهري ساعة ، ثم رفع رأسه فقال: (من الله (عز وجل) العلم ، وعلى الرسول-صلى الله عليه وسلم- البلاغ ، وعلينا التسليم)(5).
* من أجل ذلك كله كان السلف الصالح (رضي الله عنهم) في أشد التثبت والتحري والتوقي في فعل السنة ، فلا يفعلون شيئاً إلا بعلم صحيح ، فها هو ذا رجلٌ يعطس إلى جنب عبد الله بن عمر ، فيقول: الحمد لله ، والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقال له عبد الله بن عمر: (وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله ، وليس هكذا علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، علمنا أن نقول: الحمد لله على كلّ حال)(6).
* ونظير هذا أن سعيد بن المسيب رأى رجلاً يُصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين ، يُكثر فيهما الركوع والسجود ، فنهاه ، فقال: يا أبا محمد ، يعذبني الله على الصلاة؟! فقال: (لا.. ولكن يُعذبك على خلاف السنة)(7).
وأمثلة هذا الباب كثيرة جداً ، وفيما ذكر كفاية ـ إن شاء الله ـ لبيان المقصود. وبهذا يتبيّن أن الكتاب والسنة هما أصل الاستدلال ، وهما المعيار الذي توزن به الآراء والاجتهادات ، ولايستقيم إيمان المرء إلا بتعظيمهما وامتثال ما دلا عليه من القول والفعل والاعتقاد ، ويُلخّص الطحاوي منهج أهل السنة بقوله: (ولاتثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام ، فمن رام علم ما حظر عنه علمه ، ولم يقنع بالتسليم فهمه ، حجبه مرامه عن خالص التوحيد ، وصافي المعرفة ، وصحيح الإيمان)(8).
وقال البربهاريّ: (إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ، أو يرد الآثار ، أو يريد غير الآثار: فاتهمه على الإسلام ، ولاتشك أنّه صاحب هوى مبتدع)(9).
وقال ابن تيمية: (وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم ـ يعني أهل السنة ـ اعتصامهم بالكتاب والسنة ، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان: أنه لايقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه ولاذوقه ، ولامعقوله ولاقياسه ، ولاوَجْدِهِ ، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات: أنّ الرسول جاء بالهدى ودين الحق ، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم)(10).
وقال أيضاً: (فمن بنى الكلام في العلم (الأصول والفروع) على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين ، فقد أصاب طريق النبوة ، وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد وأصحابه فقد أصاب طريقة النبوة ، وهذه طريقة أئمة الهدى...)(11).
القاعدة الثانية: الاعتماد على السنة الصحيحة:
أمرالله (سبحانه وتعالى) بطاعة نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- في آيات كثيرة ، منها قوله (تعالى): ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)) [الحشر: 7] ، وقوله تعالى: ((مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله)) [النساء: 80].
وثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إني أوتيتُ القرآن ومثله معه)(12) ، فكل ما ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو حق وصدق لاريب فيه ، قال الله (تعالى): ((وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم: 3 ، 4].
وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- هي الموضحة والمبينة لكتاب الله (عز وجل) ، كما قال سبحانه وتعالى: ((وَأََنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ)) [النحل: 44].