المربي
04-15-2003, 03:47 PM
ستة معايير للنجاح التنظيمي
لم يعد التنظيم موهبة فردية تتوقف على عبقرية القائد الفرد، بل أصبح علما راسخا له أصول وقواعد يحتاج العاملون للإسلام إلى استيعابها، فخدمة الدين بوسائل متخلفة عن عصرها تفريط لن يقود إلى النصر، بل الأسوأ من ذلك أنه يؤثر سلبا على رؤية الناس للدين ذاته، ويقنطهم من تحقيق العدل في ظلاله ..
وفيما يلي ستة معايير للنجاح التنظيمي، يميل المطلعون على العلوم الاستراتيجية والتنظيمية إلى اعتبارها صالحة للحكم على التنظيمات عموما ، بغض النظر عن التفاصيل والخصوصيات، أرجو أن تكون فيها عبرة للمتأمل :
أولا : معيار المرونة
فكلما كان مستوى المرونة عاليا ، كان ذلك أدعى لنجاح التنظيم . والمرونة أنواع ثلاثة:
? مرونة وظيفية تتعلق بأهداف التنظيم ووظائفه ، بأن يكون التنظيم قادرا على تغيير بعض أهدافه المرحلية ووظائفه العملية التي تم إنجازها أو تعذر ، واستبدالها بأهداف ووظائف أهم في الظروف الجديدة أو أيسر من حيث الإنجاز . وكل تنظيم لا يستطيع التحرر من بعض وظائفه وأهدافه المرحلية ، وتبنِّي وظائف وأهداف أكثر انسجاما مع إمكاناته في الظروف المتغيرة ، فهو محكوم عليه بالجمود والموت البطيء . على أن التحرر من الأهداف المرحلية أو بعض الوظائف ، لا يعني تحررا من المبادئ والغايات العليا التي هي مبرر وجود التنظيم .
? مرونة إجرائية تتعلق ببنية التنظيم وإجراءاته الداخلية ذات الصلة بتغيير قادته واتخاذ قراراته . بأن يكون التنظيم قادرا على تغيير قيادته بيسر، وبأسلوب مرن يفتح باب الصعود إلى القيادة والنزول منها ، بناء على معايير موضوعية لا شخصية ، ودون انقطاع في المسيرة أو تمزق في الصف ، وقادرا على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب دون تلكؤ أو عرقلة.
? مرونة عملية تتمثل في تعاطي التنظيم مع التحديات المتغيرة بأسلوب متغير، دون جمود على الأساليب السابقة ، حتى ولو أثبتت جدواها في الماضي . بل إن نجاحها في الماضي قد يكون أحيانا مغريا بالتشبث بها في واقع مغاير، فيدخل الخلل من هذا الباب ، ويسقط التنظيم ضحية لنجاحاته وأمجاده السالفة .
ثانيا : معيار التماسك
فكلما كان تماسك التنظيم أقوى ، كان ذلك قرينة على نجاحه وإمكانية صموده أمام التحديات. ويتطلب التماسك الفعال قدرا كبيرا من الإجماع الداخلي حول أمور جوهرية ثلاثة :
? طبيعة التنظيم ورسالته ، لا على مستوى الهدف الأسمى ومبرر وجود التنظيم فحسب - فذلك أمر سهل - بل على مستوى الأهداف المرحلية الأساسية ، والوسائل الفعالة التي ينبغي تبنيها لتحقيق تلك الأهداف .
? قيادة التنظيم : هيكلا وصلاحيات وأشخاصا . وتلك هي الشرعية الداخلية التي تعتبر أكبر ضامن للتماسك وأعظم حام للوحدة .
? وسائل حل الخلافات الداخلية طبقا لترتيبات متفق عليها ، بحيث يمكن احتواء تلك الخلافات - سواء تعلقت بالتوجه أو بالمسيرة أو بالقيادة - بأسلوب سلمي مرن ، لا يؤثر انشقاقا في هيكل التنظيم ، أو تعثرا في مسيرته ، أو انحرافا في وجهته .
ثالثا : معيار الاستقلالية
والمراد به أن يكون للتنظيم كيان معنوي وشخصية اعتبارية متميزة عن غيره من الأفراد والقوى الاجتماعية ، بحيث لا يتوقف في وجوده ولا في فاعليته على غيره من القوى ، ولا يكون أداة لخدمة أي منها . بل يكون مُكرَّسا لخدمة الأهداف التي من أجلها أُنشئ . إن تنظيما استطاعت فئة اجتماعية - أسرة أو قبيلة أو جهة أو طبقة - تسخيره لمصالحها الخاصة لا يمكن وصفه بالاستقلالية . فالتنظيم المستقل تنضوي تحته القوى الاجتماعية وتخدمه وتتبنى أهدافه . وقد تحصل هذه القوى على ثمرات من وراء انضوائها تحت رايته ، لكن أهدافها تكون تبعا لأهداف التنظيم ونتيجة عرضية لتقدمه في تحقيق رسالته . فإذا أصبحت أهداف الأفراد أو القوى الاجتماعية المكوِّنة للتنظيم في درجة فوق أهداف التنظيم أو منافسة لها ، فقدْ فقدَ التنظيم معيار الاستقلالية
رابعا: معيار التركيب
والمراد به مضاعفة الهياكل وتنوعها وتشعبها . ويشمل التركيب التمايز بين البُنى والوحدات التنظيمية ، والفصل بينها هرميا ووظيفيا وجغرافيا ، مع التكامل والتوازن فيما بينها ، باستناد بعضها إلى بعض ، وتحكم بعضها في بعض . فالتركيب يساعد التنظيم على بناء هويته الذاتية المستقلة عن الأشخاص ، وتوطيد استقراره واستمراره ، وتأكيد شخصيته الاعتبارية التي لا تتوقف في وجودها ولا في مسيرتها على وجود زعيم مؤسس ، أو جيل رائد . وقد لا يروق التركيب التنظيمي للقادة الذين يميلون إلى الاستبداد والهيمنة ، فيُبقون تنظيماتهم في حال من السذاجة والبساطة يمكِّنهم من التحكم فيها . لكن هؤلاء بقدر ما يخدمون سلطتهم الشخصية على المدى القريب ، فإنهم يضعفون التنظيم كمؤسسة على المدى البعيد .
خامسا : معيار الاستيعاب
فالغاية من بناء أي تنظيم هي الإحساس بالحاجة إلى تنسيق جهود جماعية ، وترشيدها وتسديدها، وتصويبها نحو هدف مشترك ، وتجنب تبديد الجهود أو تضاربها أو تناسخها ، بسبب التوارد على نفس المكان دون تنسيق أو تناغم . فإذا استطاع التنظيم أن يستوعب أعضاءه ، وينسق بين جهودهم ، بحيث يجد كل منهم مكانه المناسب دون إحساس بالغبن أو التهميش أو استئثار رفقاء الدرب بأمور التنظيم من دونه ، دل ذلك على أن التنظيم يسير في الاتجاه الصحيح . أما إذا حدث العكس ، وفقد بعض الأعضاء ثقتهم في التنظيم لضعف في الإيمان بالأهداف ، أو لنقص في الثقة بالقيادة ، أو لمجرد الإحساس بالغبن ، أو سوء توجيه الجهد ، فذلك مؤشر سلبي يدل على أن التنظيم بدأ يفقد رسالته ، ويتحول إلى قيد على الطاقات الفردية التي كان أداة ترشيدها وتسديدها .
سادسا : معيار الإيجابية
والمراد به أن يحافظ التنظيم على زمام المبادرة في شؤونه ، ويتفاعل بإيجابية مع تطورات مجتمعه . فذلك هو المدخل الوحيد إلى نمو التنظيم نموا طبيعيا دون طفرات مباغتة غير محسوبة ، ويحميه من الجمود والبقاء على هامش المجتمع . وتستلزم الإيجابية قدرا من الواقعية تشجع الخير مهما لابسه
من غبش ، وتتعايش مع الشر من أجل تغييره ، دون يأس من الناس ، أو تسرُّع غير منضبط، أو خروج على المجتمع . ولا تترك فراغا يعين عوامل الشر والسلبية على التمكن والرسوخ . وتؤمن بالجهد الدؤوب مهما كان متواضعا ، وبالعمل الصامت المؤثر ، وبالسير المتدرج في تحقيق الغايات المبتغاة . ولا يتم هذا إلا باستيعاب عوامل القوة والضعف في المجتمع ، وجوانب التقدم والقصور في المسيرة ، ووسائل الاكتساب والتأثير ، وعوامل التسريع بالتغيير ، مع انتباه لأي ثغرة تُفتح ، واستغلال لكل فرصة تَسنح . ولله الأمر من قبل ومن بعد.
محمد بن المختار الشنقيطي/ مجلة الفقة السياسي
لم يعد التنظيم موهبة فردية تتوقف على عبقرية القائد الفرد، بل أصبح علما راسخا له أصول وقواعد يحتاج العاملون للإسلام إلى استيعابها، فخدمة الدين بوسائل متخلفة عن عصرها تفريط لن يقود إلى النصر، بل الأسوأ من ذلك أنه يؤثر سلبا على رؤية الناس للدين ذاته، ويقنطهم من تحقيق العدل في ظلاله ..
وفيما يلي ستة معايير للنجاح التنظيمي، يميل المطلعون على العلوم الاستراتيجية والتنظيمية إلى اعتبارها صالحة للحكم على التنظيمات عموما ، بغض النظر عن التفاصيل والخصوصيات، أرجو أن تكون فيها عبرة للمتأمل :
أولا : معيار المرونة
فكلما كان مستوى المرونة عاليا ، كان ذلك أدعى لنجاح التنظيم . والمرونة أنواع ثلاثة:
? مرونة وظيفية تتعلق بأهداف التنظيم ووظائفه ، بأن يكون التنظيم قادرا على تغيير بعض أهدافه المرحلية ووظائفه العملية التي تم إنجازها أو تعذر ، واستبدالها بأهداف ووظائف أهم في الظروف الجديدة أو أيسر من حيث الإنجاز . وكل تنظيم لا يستطيع التحرر من بعض وظائفه وأهدافه المرحلية ، وتبنِّي وظائف وأهداف أكثر انسجاما مع إمكاناته في الظروف المتغيرة ، فهو محكوم عليه بالجمود والموت البطيء . على أن التحرر من الأهداف المرحلية أو بعض الوظائف ، لا يعني تحررا من المبادئ والغايات العليا التي هي مبرر وجود التنظيم .
? مرونة إجرائية تتعلق ببنية التنظيم وإجراءاته الداخلية ذات الصلة بتغيير قادته واتخاذ قراراته . بأن يكون التنظيم قادرا على تغيير قيادته بيسر، وبأسلوب مرن يفتح باب الصعود إلى القيادة والنزول منها ، بناء على معايير موضوعية لا شخصية ، ودون انقطاع في المسيرة أو تمزق في الصف ، وقادرا على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب دون تلكؤ أو عرقلة.
? مرونة عملية تتمثل في تعاطي التنظيم مع التحديات المتغيرة بأسلوب متغير، دون جمود على الأساليب السابقة ، حتى ولو أثبتت جدواها في الماضي . بل إن نجاحها في الماضي قد يكون أحيانا مغريا بالتشبث بها في واقع مغاير، فيدخل الخلل من هذا الباب ، ويسقط التنظيم ضحية لنجاحاته وأمجاده السالفة .
ثانيا : معيار التماسك
فكلما كان تماسك التنظيم أقوى ، كان ذلك قرينة على نجاحه وإمكانية صموده أمام التحديات. ويتطلب التماسك الفعال قدرا كبيرا من الإجماع الداخلي حول أمور جوهرية ثلاثة :
? طبيعة التنظيم ورسالته ، لا على مستوى الهدف الأسمى ومبرر وجود التنظيم فحسب - فذلك أمر سهل - بل على مستوى الأهداف المرحلية الأساسية ، والوسائل الفعالة التي ينبغي تبنيها لتحقيق تلك الأهداف .
? قيادة التنظيم : هيكلا وصلاحيات وأشخاصا . وتلك هي الشرعية الداخلية التي تعتبر أكبر ضامن للتماسك وأعظم حام للوحدة .
? وسائل حل الخلافات الداخلية طبقا لترتيبات متفق عليها ، بحيث يمكن احتواء تلك الخلافات - سواء تعلقت بالتوجه أو بالمسيرة أو بالقيادة - بأسلوب سلمي مرن ، لا يؤثر انشقاقا في هيكل التنظيم ، أو تعثرا في مسيرته ، أو انحرافا في وجهته .
ثالثا : معيار الاستقلالية
والمراد به أن يكون للتنظيم كيان معنوي وشخصية اعتبارية متميزة عن غيره من الأفراد والقوى الاجتماعية ، بحيث لا يتوقف في وجوده ولا في فاعليته على غيره من القوى ، ولا يكون أداة لخدمة أي منها . بل يكون مُكرَّسا لخدمة الأهداف التي من أجلها أُنشئ . إن تنظيما استطاعت فئة اجتماعية - أسرة أو قبيلة أو جهة أو طبقة - تسخيره لمصالحها الخاصة لا يمكن وصفه بالاستقلالية . فالتنظيم المستقل تنضوي تحته القوى الاجتماعية وتخدمه وتتبنى أهدافه . وقد تحصل هذه القوى على ثمرات من وراء انضوائها تحت رايته ، لكن أهدافها تكون تبعا لأهداف التنظيم ونتيجة عرضية لتقدمه في تحقيق رسالته . فإذا أصبحت أهداف الأفراد أو القوى الاجتماعية المكوِّنة للتنظيم في درجة فوق أهداف التنظيم أو منافسة لها ، فقدْ فقدَ التنظيم معيار الاستقلالية
رابعا: معيار التركيب
والمراد به مضاعفة الهياكل وتنوعها وتشعبها . ويشمل التركيب التمايز بين البُنى والوحدات التنظيمية ، والفصل بينها هرميا ووظيفيا وجغرافيا ، مع التكامل والتوازن فيما بينها ، باستناد بعضها إلى بعض ، وتحكم بعضها في بعض . فالتركيب يساعد التنظيم على بناء هويته الذاتية المستقلة عن الأشخاص ، وتوطيد استقراره واستمراره ، وتأكيد شخصيته الاعتبارية التي لا تتوقف في وجودها ولا في مسيرتها على وجود زعيم مؤسس ، أو جيل رائد . وقد لا يروق التركيب التنظيمي للقادة الذين يميلون إلى الاستبداد والهيمنة ، فيُبقون تنظيماتهم في حال من السذاجة والبساطة يمكِّنهم من التحكم فيها . لكن هؤلاء بقدر ما يخدمون سلطتهم الشخصية على المدى القريب ، فإنهم يضعفون التنظيم كمؤسسة على المدى البعيد .
خامسا : معيار الاستيعاب
فالغاية من بناء أي تنظيم هي الإحساس بالحاجة إلى تنسيق جهود جماعية ، وترشيدها وتسديدها، وتصويبها نحو هدف مشترك ، وتجنب تبديد الجهود أو تضاربها أو تناسخها ، بسبب التوارد على نفس المكان دون تنسيق أو تناغم . فإذا استطاع التنظيم أن يستوعب أعضاءه ، وينسق بين جهودهم ، بحيث يجد كل منهم مكانه المناسب دون إحساس بالغبن أو التهميش أو استئثار رفقاء الدرب بأمور التنظيم من دونه ، دل ذلك على أن التنظيم يسير في الاتجاه الصحيح . أما إذا حدث العكس ، وفقد بعض الأعضاء ثقتهم في التنظيم لضعف في الإيمان بالأهداف ، أو لنقص في الثقة بالقيادة ، أو لمجرد الإحساس بالغبن ، أو سوء توجيه الجهد ، فذلك مؤشر سلبي يدل على أن التنظيم بدأ يفقد رسالته ، ويتحول إلى قيد على الطاقات الفردية التي كان أداة ترشيدها وتسديدها .
سادسا : معيار الإيجابية
والمراد به أن يحافظ التنظيم على زمام المبادرة في شؤونه ، ويتفاعل بإيجابية مع تطورات مجتمعه . فذلك هو المدخل الوحيد إلى نمو التنظيم نموا طبيعيا دون طفرات مباغتة غير محسوبة ، ويحميه من الجمود والبقاء على هامش المجتمع . وتستلزم الإيجابية قدرا من الواقعية تشجع الخير مهما لابسه
من غبش ، وتتعايش مع الشر من أجل تغييره ، دون يأس من الناس ، أو تسرُّع غير منضبط، أو خروج على المجتمع . ولا تترك فراغا يعين عوامل الشر والسلبية على التمكن والرسوخ . وتؤمن بالجهد الدؤوب مهما كان متواضعا ، وبالعمل الصامت المؤثر ، وبالسير المتدرج في تحقيق الغايات المبتغاة . ولا يتم هذا إلا باستيعاب عوامل القوة والضعف في المجتمع ، وجوانب التقدم والقصور في المسيرة ، ووسائل الاكتساب والتأثير ، وعوامل التسريع بالتغيير ، مع انتباه لأي ثغرة تُفتح ، واستغلال لكل فرصة تَسنح . ولله الأمر من قبل ومن بعد.
محمد بن المختار الشنقيطي/ مجلة الفقة السياسي