المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حرص الداعية على إيصال دعوته للمدعوين


الشيخ علي بن مصلح الزبيدي
03-19-2004, 10:04 PM
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فقد روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما بسندهما عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: " مثلي كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه، فيتقحمن فيها، فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني تقحَمون فيها ".

فهذا الحديث دليل على حرص الداعية الأول - صلى الله عليه وسلم- على إيصال الدعوة للمدعوين. ولذا بوب الإمام مسام في صحيحه في كتاب الفضائل: باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته.

وهكذا كان عليه الصلاة والسلام في دعوته منذ بعثته إلى أن توفاه الله -عز وجل –. كما قال سبحانه: [ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم.

ولذا فإن سيرته شاهدة على ذلك، مليئة بالمواقف الدالة على ذلك، بل إن قلنا أن حياته عليه الصلاة والسلام كانت كلها للدعوة لم نبعد النجعة، بل هي كذلك، حتى عاتبه ربه على حرصه الشديد على دعوتهم وهدايتهم، كما قال عز وجل: [ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً ]. وقال سبحانه: [ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ].

وهكذا كانت الأنبياء والرسل من قبله، ولو تأملنا القرآن لوجدناه مليئاً بالنماذج، فهذا سيدنا نوح -عليه الصلاة والسلام – كما أخبر الله عنه، لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً منذراً وداعياً إلى الله، ورغم هذه المدة الزمنية الطويلة إلا أنه لم يكل ولم يمل، بل بذل في الدعوة غاية المجهود وجاوز في الإنذار كل حد معهود وضاقت عليه الحيل وعيت به العلل.

فيقول الله تعالى حكاية عنه: (رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً )أي دعوتهم إلى الإيمان والطاعة دائماً من غير فتور ولا توان (فلم يزدهم دعائي إلا فراراً) مما دعوتهم إليه.

(وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم) أي سدوا مسامعهم من استماع الدعوة. (واستغشوا ثيابهم )أي بالغوا في التغطي لاحتمال كراهة أن ينظروا إليه.أو لئلا يعرفهم فيدعوهم.قال ابن عباس: تنكروا له لئلا يعرفهم. وقال سعيد بن جبير والسدي: غطوا رءوسهم لئلا يسمعوا ما يقول.
ووصل بهم الصد عن دعوته ذروتها: ( وأصروا) أي أكبوا على الكفر والمعاصي (واستكبروا استكبارا) واستنكفوا عن إتباع الحق والانقياد له.

فهل توقف سيدنا نوح ـ عليه السلام ـ عن دعوتهم؟ كلا. بل استمر: (ثم إني دعوتهم جهاراً ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً) أي دعوتهم تارة بعد تارة ومرة بعد مرة على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة.أهـ تفسير أبي السعود (5/772).

فنلاحظ في الآيات السابقة، حرص الداعية المخلص على إيصال دعوته إلى المدعوين، حرصاً منه على هدايتهم وإنقاذهم من سبل الغواية والهلكة على الرغم من طول المدة، وكثرة الصد، ومع أنه كان يتفنن في دعوتهم إلا أنهم كانوا كذلك يبتكرون أساليب مضادة في الصد والكفر والاستكبار.

فاتخذ سيدنا نوح أساليب شتى في الدعوة فتارة فردية وتارة جماعية، وتارة سرية وتارة جهرية وتارة بالترغيب وتارة بالترهيب.

فأين نحن من هذا معاشر الدعاة ؟ أين الحرص الدءوب في إيصال الخير للغير؟ وماذا تشكل الدعوة في حياتنا ؟ .

إننا نرى تقصيراً شديداً في حمل هَمَّ الدعوة، فأصبحت الدعوة عند البعض في المناسبات وعلى حسب المزاج ووقت الفراغ، فلم تعط الدعوة إلا فضول الأوقات وفضول الجهد وفضول التفكير وفضول المال...... وهكذا فأي ثمرة نرجوها من وراء دعوة هزيلة وقتية الزمان وقتية المكان. ومن المعلوم أن هذا الدين إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه، فكيف بمن أعطاه بعضه ماذا عساه سوف يعطيه ؟!!

أخي الداعية يا رعاك الله: أنت وريث تركة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فما ذا عساك أن تفعل وأنت ترى إخوانك المسلمين يتهافتون في النار، فهل أنت آخذ بحجزهم لئلا يقعوا فيها، وما أنت صانع والأمة عطشى للمعين الصافي الذي تحمله، هل ستظل تعطي من أوشك على الهلاك من الضمأ قطرات لا تقمن صلبه وأنت عندك المعين الذي لا ينضب، وأنت ترى أعداء الإسلام وقد بذلوا أموالهم ووقتهم وجهدهم وعقولهم و تكنلوجياتهم وقد تداعوا على أمة الإسلام من كل صوب ليسددوا لها سهامهم لعلها أن تلفظ الأنفاس. وما هذه القنوات المسعورة والمواقع الإباحية والإعلام الهدام بكل قنواته المسموعة منها أو المرئية المسخرة من قبل أعدائنا لمسخ وسلخ ديننا لنعيش بلا دين منا ببعيد. فما هو موقفك إذاً.

إننا معاشر الدعاة نعيش في مجتمعات مسلمة تدين بدين الإسلام وولائها للإسلام ودعوتنا لن تكون فيها كثير عناء كدعوة الأنبياء لأقوامهم، فقد كانوا يتعاملون مع أناس وثنيون مشركون أشربت قلوبهم الكفر، ولذا كانت مهمة الأنبياء والرسل شاقة، أما نحن فنتعامل مع مجتمعات تحب الإسلام وتقدسه إلا إنها عندها ذنوب وآثام وآصار واعترتها أمراض الشهوات والشبهات.

والأمة اليوم على رغم كثرة أمراضها وعللها إلا إنها متعطشة للمنقذ، ولن يكون هذا المنقذ إلا الدعاة إلى الله، ولو تركنا الساحة فارغة فسيأتي من يملأ هذا الفراغ ليتصدي لحل مشاكل الأمة من أهل الإلحاد والعلمنة، كما نعاني منهم اليوم فهم يتصدون للكتابة في الصحف والمجلات عن قضايا المجتمع فأصبحوا كالمفتين، ولم يصلوا إلى هذا إلا في وقت قصرنا في الواجب.

فلذا علينا معاشر الدعاة أن نكون على قدر المسؤولية ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) فأنت استرعاك الله هذه الدعوة وهو سائلك عما استرعاك عليه فهل أعددت للسؤال جواباً وللجواب صواباً ( وقفوهم إنهم مسؤولون).

وحرصك أخي الداعية على وصول الدعوة للمدعوين راجع إلى أمور منها:

1ـ إبراء للذمة وإقامة للحجة ( وقالوا معذرة إلى ربهم ولعلهم ينتهون ).

2ـ الرحمة والشفقة بالمدعو، فهو أخوك المسلم (فلا تكن عوناً للشيطان على أخيك).

3ـ حصول الأجر الوفير الذي رتبه الله لمن دعى إليه.(ولئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ).

فلتكن الدعوة إلى الله هي طعامنا الذي نطعمه وشرابنا الذي نشربه وهوائنا الذي نستنشقه، معنا أينما حللنا ومعنا أين ما ارتحلنا، نبذل من أجلها الغالي والنفيس من أوقاتنا وأموالنا وجهدنا، هي معنا في المسجد وفي السوق وفي السيارة وفي الشارع وفي المنتزه وفي كل مكان، هي شغلنا الشاغل في صباح أو مساء، نخطط ونبتكر أساليب جديدة ومتنوعة خدمة للدعوة، لعل الله أن يرضى عنا ويبدل أحوال أمتنا إلى ما يحب ويرضى إنه سميع مجيب، ودعونا نتعاهد على هذا ونتواصى به، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.

المربي
03-19-2004, 11:51 PM
الشيخ علي بن مصلح الزبيدي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مرحبا بك ، وهو شرف كبير أن شرفت المنتدى بطلعتك البهية
ومشاركتك لنا شرف للمنتدى

فجزاك الله خيرا