اليقظان
04-12-2003, 11:09 PM
وقفات كاشفة في الحرب الظالمة ؟ 2/2/1424هـ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ، وارض اللهم عن صحابته أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
عباد الله ، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله ، ففيها المخرج من الكروب ، وفيها الرزق حين تشتد الخطوب ، التقوى أمانُ الخائفين ، ولباس المؤمنين، وسلاح المجاهدين، هي الحصن لمن حُصر ، والذكرى لمن غفل، والمبصرة لمن عمي ، بالتقوى يكثر القليل ، ويقوى الضعيف ، ويُهزم الباطل ، وينتصر الحق ، هي نداء الرحمن " يا عبادِ فاتقون " ( الزمر/16).
أيها المسلمون ، تتلاحق الخطوب على أمتنا ، ونصبح ونمسي على كيد أعدائنا ، وكلما اندمل جُرحٌ أو كاد انفتح آخر من جراحِنا ، حروب ظالمة ، ومكائدٌ متنوعة ، وخصومٌ تفترق ثم تتفق على غزونا ، وإلى الله نشكو ضعف قوتِنا وقِلة حيلتِنا ، وهوانَنا على الناس ؟ والمأساة حين لا نعلم من أين أُتينا ؟
وما المخرج لنا ؟ ، وفي كتاب ربنا هدى وشفاء وتوجيه ورحمة ، وتحديد لسبب المصيبة وعلاجها ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) (الشورى/30) هذا في السبب ، وفي العلاج " إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم ".
إخوة الإسلام ، وحين تُصم آذان إخواننا المسلمين – في العراق – من أصوات أم القنابل المتفجرة ، ويصبح القوم ويمسون على أزيز الطائرات ، ونيران القاذفات، والقصفِ الوحشي ، وتكفين الأطفال والنساء في ثيابهم ، لابد من وقفاتٍ كاشفة ، تُنوِّر بصائر المسلمين وبها يُستبان سبيل المجرمين.
الوقفة الأولى: أهدافٌ وأهداف !! لا يُستنكر على من رصد هدفاً سياسياً أو اقتصادياً ،أو استراتيجياً أو نحوه لهذه الحرب الظالمة ، ولا يَرجم بالغيب من أبرز الهدف الديني للحرب . فليست فلتة حين أعلنها (بوش) حرباً صليبية ، فقد شهد عليه شاهدٌ من أهله ، وقال (جيمي كارتر) وهو يُعارض الحرب: أن (بوش) مدفوع بعقيدة الكنيسة الإنجيلية المعمدانية ، كما تحدثت إحدى صحفهم(نيوزويك) عن التوجه الديني لدى الرئيس الأمريكي(د. عبد الوهاب الطريري/ النخبة
26/1/1424هـ)بأن نشرت الصحف أن الكونجرس الأمريكي تبنى قراراً يوصي الأمريكيين بالصوم والصلاة لتأمين الحماية الإلهية لأمريكا ضد الإرهاب وللقوات التي تحارب في العراق .(جريدة: الوطن)
وفوق هذا فليس يخفى أن ثمة مشروعاً غربياً وصهيونياً - هو من تعانق اليهود مع النصارى، ولو قيل أكثر مستفيد من هذه الحرب هم اليهود لم يكن غريباً – يُراد في منطقتنا وعلى شعوبنا المسلمة ولكن الغزاة حاولوا (عبثاً ) تبريره بنزع أسلحة الدمار الشامل من العراق ، والقضاء على نظام صدام العراق ، وإحقاق الحرية لشعب العراق .. هكذا روّجوا لمشروعهم ولكن الشعوب واعية – وبنسب مختلفة – لهذا المخطط المدروس المسيس .. ولعل بوادر فشله أن شعب العراق استقبلوا هؤلاء الغزاة بالبارود بدل الورود ؟ وأن شعوب العالم – فضلاً عن المسلمين – باتت تدرك تفاهة هذه المقولات ، وكذِبَ وتزوير القائلين لها . إن من مكاسب الحرب للمسلمين أن يرو أن القيم الغربيه تذبح على قارعة الطريق بل ويصلى على مجموعة من هذه القيم صلاة الحاضر أو الغائب التي طالما روج لها غير المسلمين بل ربما شاركهم بها بعض المسلمين
من المهم أن ندرك أهداف وأطماع وخطط هؤلاء المستعمرين حتى لا نؤخذ على غِرة أو نؤكل يوم أُكل الثور الأبيض ؟
الوقفة الثانية : والظلم مرفوض والبغي مستنكر ممن وقع منه !
فنحن – المسلمين – لا نفرق بين ظلم غربي أو شرقي ، ولا بين تسلطٍ أو فسادٍ عربيٍ أو غربي وما نسينا ولا نسي إخواننا في العراق ما حل بهم على يد صدام وحزب البعث ولكنّا نفرق بين شعب العراق المسلم ونظام صدام إلا إن هداهم الله والقلوب بين إصبعين من أصابعه .. ولا نعتقد بحال أن الغرب جاء لإنقاذ الشعب العراقي من نظام صدام وبطشه – كما يقولون – فأين هؤلاء عن مذبحة حلبجة ..وأين هم عن الجرائم الأخرى – بل ربما كان الضرب بأسلحتهم ومشورتهم وحين نسند العراق اليوم لأنه بوابة لهؤلاء المستعمرين ، وهو الشبح المخيف لهم ، وحين يُفلحون – لا قدر الله – في تحطيم قوة العراق – وهي بكل حال قوة للعرب والمسلمين – يُصبح الطريق سهلاً أمامهم لتحطيم القوى والكيانات الأخرى ، وبكل حال فالمسلمون في العراق إخواننا لهم حق النصرة ، وبلدُ العراق وموارده جزء من بلادنا ومواردنا .
الوقفة الثالثة : يا ويح أمة الإسلام ؟
وتكاد الأكباد تتفطر من أمة المليار .. أمة القرآن ، أين اجتماع كلمتهم وتوحُدهم والله يقول(وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) " المؤمنون/52"
أين أخوة الإيمان ومستلزماتها ونبيهم صلى الله عليه وسلم يقول [ مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ] " رواه احمد ومسلم في صحيحه". تُرى هل تشتكي أجسادنا لما يحل بإخواننا .. وسماء العراق في كل يوم بل في كل ساعة تُمطَر بوابل من الصواريخ والقنابل المروعة .. وأرض العراق تلتهب ناراً وعلى صدور إخواننا هناك تتفجر أفتك وأحدث أنواع الأسلحة.. وانتهت خرافة الأسلحة الذكية بل عادت غبيّة أسلحة القوم حين لم تسلم منها القوات المتحالفة فضلاً أن يسلم منها الأبرياء المدنيون ؟
يا ويح أمتنا وكيف ترقى إلى مستوى هدي النبوة في التراحم والنُصرة للمظلومين. ومن بيننا من يسند هذه القوات الغازية ؟ ومن أرض المسلمين تُتخذ القواعد .. ومن قواعدهم تدار الحرب .. ومن أرضهم وأجوائهم تنطلق المدمرات تقصف المسلمين ؟ .. يا ويح الأمة وفي عناصرها من يتاجر بالقضية ، ومن يُطَمَّع بالوعود أو يُدفع له مقدماً (فاتورة) الخيانة والنفاق ؟ أين الدين أو الشهامة أو على الأقل التفكير ( بعمق ) في عواقب الأمور .. فتاريخ المستعمر يشهد على الكذب والمراوغة ، وعلى التصفية بعد التهدئة ؟ وهو من الجشع والغطرسة بحيث لا تعنيه إلا مصالحه الخاصة في نهاية المطاف ؟
يا ويح أمةٍ يصمت علماؤها – في وقت البلاغ وأداء الميثاق – أو يتحدثون لكن بنوع من المجاملة والمداهنة ، إذا سكت العالِم نطق الجاهل ، وإذا داهن المتفقِّه نافق غيره من باب أولى ، ومصيبة حين ينتج عن هذا أن يتصدر الأمة من ليس مؤهلاً لها أو يُمسك بالزناد ومن قد يتسرع بإطلاق النار؟ لا يكفي أن نلوم المتعجلين ، بل لابد من التوجيه الصائب وتقديم البديل المناسب ، ومن المهم أن تتوحد الكلمة وأن تتحقق فيها المشورة وأن نقدر لأهل العلم العاملين ، وللقادة الناصحين المخلصين قدرَهم ، ومؤلم أن تتحالف القوى الكافرة ويتنافر المسلمون؟
الوقعة الرابعة : صفحة من تأريخنا
وهنا صفحةٌ بل صفحاتٌ مضيئة في تاريخنا تشهد على تحالف المسلمين واجتماعهم وتعاونهم في حال هجوم الأعداء على بلادهم حتى وإن كانوا قبل ذلك مختلفين ، وما أشبه الليلة بالبارحة ، وفي الحروب الصليبية الماضية ذكرى لهذه الحروب الصليبية المعاصرة .. وإذا تشابهت ظروف وأطماع وخطط الصليبيين بين الماضي والحاضر ، فالفرق كبير بين حال المسلمين في المقاومة للصليبيين في الحاضر والماضي ، ودونكم هذا الأمثلة فاعقلوها ، ففي أولى حملات الصليبيين على بلاد المشرق الإسلامي سنة تسعين وأربعمائة للهجرة (490هـ) حيث هاجم الصليبيون المتحالفون من غرب أوربا بلاد المسلمين في الأناضول حين كان يحكمها السلاجقة المسلمون – وكانت هذه الحملة الصليبية الأولى تتقاطر على شكل دفعات كان آخرها المجموعة الرابعة المكونة من الفرنسيين بزعامة
( روبرت) وصهره ( ستيفن) وابن عمه (روبرت الثاني ) وكانت إقامة جحافل هذه الحملة في عاصمة البيزنطيين النصارى الذي ساندوهم بل وفرحوا بهم ليخلصوا مدنهم من سيطرة المسلمين .
وفي ظل هذا التجمع النصراني الكبير ، وعلى إثر هجومهم على بلاد المسلمين .. رأى السلاجقة أنهم غير قادرين وحدهم على المواجهة ، لا سيما وقد سقطت (نيقية) بأيدي الصليبيين والبيزنطيين واستنجدوا بالقوى الإسلامية الأخرى الممثلة بقوة ( الدنشمنديين) لتكوين جبهة تركية إسلامية لمنع الخطر الصليبي ، وعلى الرغم من الخلاقات بل الحروب الواقعة بين هاتين القوتين الإسلاميتين إلا أنهم رأوا المصلحة اجتماعهم وتعاونهم في مقاومة الصليبيين وصد خطرهم الذي كان يهدد كافة الدول الإسلامية داخل الأناضول وخارجها . وقد كان ، ومهما أحرز الصليبيون من انتصارات على المسلمين في هذه الحملة ، إلا أن توحدهم خفف من مصابهم ، وقلل من مكاسب الصليبيين عليهم (د. علي المحيميد ، الدانشمنديون وجهادهم) .
واستمرت الحملات الصليبية تزحف على بلاد المسلمين ، واستمر المسلمون في التحالف والمقاومة ، وفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة للهجرة قدمت حملة صليبية يقودها إمبراطور ألمانيا ( الإمبراطورية المقدسة ) كما يقولون ، وملك فرنسا ، متجهة إلى ( دمشق ) وهنا هبّ المسلمون لجهاد الصليبيين ، وقام نور الدين ( حاكم حلب ) وسيف الدين الموصلي ( حاكم منطقة الجزيرة الفراتية) لنجدة المسلمين في (دمشق) متناسين العداء الذي كان بينهم وبين الدولة (البورية) التي كانت تحكم (دمشق ) حينها وأثمر هذا التحالف الإسلامي في فشل هذه الحملة الصليبية الكبرى بعد خمسة أيام .
أيها المسلمون، أما (حطين 583هـ) فكانت ملحمة الإسلام الظافرة الخالدة الشهيرة ضد الصليبيين واستطاع القائد البطل (صلاح الدين الأيوبي الكردي) أن يوحد صفوف المسلمين أولاً ، ويخلص الأمة من المرتزقة والمنافقين والمتخاذلين ، ثانياً، وأن يصيح في المسلمين المصطفين صيحة الجهاد المرعبة للنصارى . ثالثاً ، وأن يتقدم صلاح الدين صفوف المسلمين خطيباً واعظاً ومجاهداً صادقاً.
رابعاً ، ورغم النزال وشدة بأس الأعداء إلا أن النصر – في النهاية – كان لصالح الإسلام والمسلمين ، وتحت راية الإسلام هُزم الصليبيون ، وبالإيمان والجهاد الصادق انتصر المسلمون، واجتمع على الصليبيين – كما يقول المؤرخون حر العطش وحر الزمان وحر النار والدخان ، وحر القتال ، وكانت هزيمتهم فاضحة ، وكان قتلاهم وأسراهم فوق المتوقع كثرة ، حتى قيل : من يرى القتلى لا يظن أن المسلمين أسروا منهم أحداً ، ومن يرى الأسرى لا يظن أن المسلمين قتلوا منهم أحداً، وقال ابن الأثير: وما أصيب الفرنج منذ خرجوا إلى الساحل – وهو سنة احدى وتسعين وأربعمائة – إلى الآن بمثل هذه الوقعة (الكامل11/534-537)
تلكم معاشر المسلمين صفحة من جهادنا وبطولاتنا – وتلك مشاهد من حملات الصليبيين وزحفهم إلى بلاد المسلمين ، والتاريخ يعيد نفسه ، والأيام دول ، وفي الأحداث عبر لمن اعتبر ( ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنه سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون )
الوقفة الخامسة : الضعيف يقوى والقوي يضعف
لا مقارنة – على الإطلاق – بين القوات الغازية وقوة العراق ، الأمر الذي جعل هؤلاء المستكبرين من يراهنون على انتهاء الحرب لصالحهم خلال ساعات أو أيام قلائل .. ولكنهم أصيبوا بصدمة حين سارت مجريات الحرب على غير تقديرهم ، بل بات يحتدم الجدل – في مجالسهم واجتماعاتهم – من المسئول عن هذه التقديرات الأولية المخططة للحرب ؟! نعم إن الضعيف قد يقوى وقد ينتصر .. وقد يضعف القوي ويُهزم .. والأحداث الجارية في العراق ومهما كانت نتائجها لو لم يكن من دروسها إلا أنها كشفت للعالم أن هذه القوة المرعبة يمكن أن تتراجع وتُهزم وأن القوة الضعيفة يمكن أن تصمد وتقاوم .. لكان كافياً في إسقاط جوانب من الهيمنة الغربية ، وإذا جرى ذلك مع دولة منهكة محاصره .. فكيف لو جرت الحرب مع دولة أقوى من العراق ، بل كيف سيكون الحال لو انضم إلى العراق دول أخرى ، لا شك ستنتهي الأسطورة وسينتهي زمن تفرد القوة، وغطرسة العم سام(كما يقال)
والمسلم يعتقد جازماً أن القوة لله جميعاً وان الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ، وارض اللهم عن صحابته أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
عباد الله ، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله ، ففيها المخرج من الكروب ، وفيها الرزق حين تشتد الخطوب ، التقوى أمانُ الخائفين ، ولباس المؤمنين، وسلاح المجاهدين، هي الحصن لمن حُصر ، والذكرى لمن غفل، والمبصرة لمن عمي ، بالتقوى يكثر القليل ، ويقوى الضعيف ، ويُهزم الباطل ، وينتصر الحق ، هي نداء الرحمن " يا عبادِ فاتقون " ( الزمر/16).
أيها المسلمون ، تتلاحق الخطوب على أمتنا ، ونصبح ونمسي على كيد أعدائنا ، وكلما اندمل جُرحٌ أو كاد انفتح آخر من جراحِنا ، حروب ظالمة ، ومكائدٌ متنوعة ، وخصومٌ تفترق ثم تتفق على غزونا ، وإلى الله نشكو ضعف قوتِنا وقِلة حيلتِنا ، وهوانَنا على الناس ؟ والمأساة حين لا نعلم من أين أُتينا ؟
وما المخرج لنا ؟ ، وفي كتاب ربنا هدى وشفاء وتوجيه ورحمة ، وتحديد لسبب المصيبة وعلاجها ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) (الشورى/30) هذا في السبب ، وفي العلاج " إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم ".
إخوة الإسلام ، وحين تُصم آذان إخواننا المسلمين – في العراق – من أصوات أم القنابل المتفجرة ، ويصبح القوم ويمسون على أزيز الطائرات ، ونيران القاذفات، والقصفِ الوحشي ، وتكفين الأطفال والنساء في ثيابهم ، لابد من وقفاتٍ كاشفة ، تُنوِّر بصائر المسلمين وبها يُستبان سبيل المجرمين.
الوقفة الأولى: أهدافٌ وأهداف !! لا يُستنكر على من رصد هدفاً سياسياً أو اقتصادياً ،أو استراتيجياً أو نحوه لهذه الحرب الظالمة ، ولا يَرجم بالغيب من أبرز الهدف الديني للحرب . فليست فلتة حين أعلنها (بوش) حرباً صليبية ، فقد شهد عليه شاهدٌ من أهله ، وقال (جيمي كارتر) وهو يُعارض الحرب: أن (بوش) مدفوع بعقيدة الكنيسة الإنجيلية المعمدانية ، كما تحدثت إحدى صحفهم(نيوزويك) عن التوجه الديني لدى الرئيس الأمريكي(د. عبد الوهاب الطريري/ النخبة
26/1/1424هـ)بأن نشرت الصحف أن الكونجرس الأمريكي تبنى قراراً يوصي الأمريكيين بالصوم والصلاة لتأمين الحماية الإلهية لأمريكا ضد الإرهاب وللقوات التي تحارب في العراق .(جريدة: الوطن)
وفوق هذا فليس يخفى أن ثمة مشروعاً غربياً وصهيونياً - هو من تعانق اليهود مع النصارى، ولو قيل أكثر مستفيد من هذه الحرب هم اليهود لم يكن غريباً – يُراد في منطقتنا وعلى شعوبنا المسلمة ولكن الغزاة حاولوا (عبثاً ) تبريره بنزع أسلحة الدمار الشامل من العراق ، والقضاء على نظام صدام العراق ، وإحقاق الحرية لشعب العراق .. هكذا روّجوا لمشروعهم ولكن الشعوب واعية – وبنسب مختلفة – لهذا المخطط المدروس المسيس .. ولعل بوادر فشله أن شعب العراق استقبلوا هؤلاء الغزاة بالبارود بدل الورود ؟ وأن شعوب العالم – فضلاً عن المسلمين – باتت تدرك تفاهة هذه المقولات ، وكذِبَ وتزوير القائلين لها . إن من مكاسب الحرب للمسلمين أن يرو أن القيم الغربيه تذبح على قارعة الطريق بل ويصلى على مجموعة من هذه القيم صلاة الحاضر أو الغائب التي طالما روج لها غير المسلمين بل ربما شاركهم بها بعض المسلمين
من المهم أن ندرك أهداف وأطماع وخطط هؤلاء المستعمرين حتى لا نؤخذ على غِرة أو نؤكل يوم أُكل الثور الأبيض ؟
الوقفة الثانية : والظلم مرفوض والبغي مستنكر ممن وقع منه !
فنحن – المسلمين – لا نفرق بين ظلم غربي أو شرقي ، ولا بين تسلطٍ أو فسادٍ عربيٍ أو غربي وما نسينا ولا نسي إخواننا في العراق ما حل بهم على يد صدام وحزب البعث ولكنّا نفرق بين شعب العراق المسلم ونظام صدام إلا إن هداهم الله والقلوب بين إصبعين من أصابعه .. ولا نعتقد بحال أن الغرب جاء لإنقاذ الشعب العراقي من نظام صدام وبطشه – كما يقولون – فأين هؤلاء عن مذبحة حلبجة ..وأين هم عن الجرائم الأخرى – بل ربما كان الضرب بأسلحتهم ومشورتهم وحين نسند العراق اليوم لأنه بوابة لهؤلاء المستعمرين ، وهو الشبح المخيف لهم ، وحين يُفلحون – لا قدر الله – في تحطيم قوة العراق – وهي بكل حال قوة للعرب والمسلمين – يُصبح الطريق سهلاً أمامهم لتحطيم القوى والكيانات الأخرى ، وبكل حال فالمسلمون في العراق إخواننا لهم حق النصرة ، وبلدُ العراق وموارده جزء من بلادنا ومواردنا .
الوقفة الثالثة : يا ويح أمة الإسلام ؟
وتكاد الأكباد تتفطر من أمة المليار .. أمة القرآن ، أين اجتماع كلمتهم وتوحُدهم والله يقول(وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) " المؤمنون/52"
أين أخوة الإيمان ومستلزماتها ونبيهم صلى الله عليه وسلم يقول [ مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ] " رواه احمد ومسلم في صحيحه". تُرى هل تشتكي أجسادنا لما يحل بإخواننا .. وسماء العراق في كل يوم بل في كل ساعة تُمطَر بوابل من الصواريخ والقنابل المروعة .. وأرض العراق تلتهب ناراً وعلى صدور إخواننا هناك تتفجر أفتك وأحدث أنواع الأسلحة.. وانتهت خرافة الأسلحة الذكية بل عادت غبيّة أسلحة القوم حين لم تسلم منها القوات المتحالفة فضلاً أن يسلم منها الأبرياء المدنيون ؟
يا ويح أمتنا وكيف ترقى إلى مستوى هدي النبوة في التراحم والنُصرة للمظلومين. ومن بيننا من يسند هذه القوات الغازية ؟ ومن أرض المسلمين تُتخذ القواعد .. ومن قواعدهم تدار الحرب .. ومن أرضهم وأجوائهم تنطلق المدمرات تقصف المسلمين ؟ .. يا ويح الأمة وفي عناصرها من يتاجر بالقضية ، ومن يُطَمَّع بالوعود أو يُدفع له مقدماً (فاتورة) الخيانة والنفاق ؟ أين الدين أو الشهامة أو على الأقل التفكير ( بعمق ) في عواقب الأمور .. فتاريخ المستعمر يشهد على الكذب والمراوغة ، وعلى التصفية بعد التهدئة ؟ وهو من الجشع والغطرسة بحيث لا تعنيه إلا مصالحه الخاصة في نهاية المطاف ؟
يا ويح أمةٍ يصمت علماؤها – في وقت البلاغ وأداء الميثاق – أو يتحدثون لكن بنوع من المجاملة والمداهنة ، إذا سكت العالِم نطق الجاهل ، وإذا داهن المتفقِّه نافق غيره من باب أولى ، ومصيبة حين ينتج عن هذا أن يتصدر الأمة من ليس مؤهلاً لها أو يُمسك بالزناد ومن قد يتسرع بإطلاق النار؟ لا يكفي أن نلوم المتعجلين ، بل لابد من التوجيه الصائب وتقديم البديل المناسب ، ومن المهم أن تتوحد الكلمة وأن تتحقق فيها المشورة وأن نقدر لأهل العلم العاملين ، وللقادة الناصحين المخلصين قدرَهم ، ومؤلم أن تتحالف القوى الكافرة ويتنافر المسلمون؟
الوقعة الرابعة : صفحة من تأريخنا
وهنا صفحةٌ بل صفحاتٌ مضيئة في تاريخنا تشهد على تحالف المسلمين واجتماعهم وتعاونهم في حال هجوم الأعداء على بلادهم حتى وإن كانوا قبل ذلك مختلفين ، وما أشبه الليلة بالبارحة ، وفي الحروب الصليبية الماضية ذكرى لهذه الحروب الصليبية المعاصرة .. وإذا تشابهت ظروف وأطماع وخطط الصليبيين بين الماضي والحاضر ، فالفرق كبير بين حال المسلمين في المقاومة للصليبيين في الحاضر والماضي ، ودونكم هذا الأمثلة فاعقلوها ، ففي أولى حملات الصليبيين على بلاد المشرق الإسلامي سنة تسعين وأربعمائة للهجرة (490هـ) حيث هاجم الصليبيون المتحالفون من غرب أوربا بلاد المسلمين في الأناضول حين كان يحكمها السلاجقة المسلمون – وكانت هذه الحملة الصليبية الأولى تتقاطر على شكل دفعات كان آخرها المجموعة الرابعة المكونة من الفرنسيين بزعامة
( روبرت) وصهره ( ستيفن) وابن عمه (روبرت الثاني ) وكانت إقامة جحافل هذه الحملة في عاصمة البيزنطيين النصارى الذي ساندوهم بل وفرحوا بهم ليخلصوا مدنهم من سيطرة المسلمين .
وفي ظل هذا التجمع النصراني الكبير ، وعلى إثر هجومهم على بلاد المسلمين .. رأى السلاجقة أنهم غير قادرين وحدهم على المواجهة ، لا سيما وقد سقطت (نيقية) بأيدي الصليبيين والبيزنطيين واستنجدوا بالقوى الإسلامية الأخرى الممثلة بقوة ( الدنشمنديين) لتكوين جبهة تركية إسلامية لمنع الخطر الصليبي ، وعلى الرغم من الخلاقات بل الحروب الواقعة بين هاتين القوتين الإسلاميتين إلا أنهم رأوا المصلحة اجتماعهم وتعاونهم في مقاومة الصليبيين وصد خطرهم الذي كان يهدد كافة الدول الإسلامية داخل الأناضول وخارجها . وقد كان ، ومهما أحرز الصليبيون من انتصارات على المسلمين في هذه الحملة ، إلا أن توحدهم خفف من مصابهم ، وقلل من مكاسب الصليبيين عليهم (د. علي المحيميد ، الدانشمنديون وجهادهم) .
واستمرت الحملات الصليبية تزحف على بلاد المسلمين ، واستمر المسلمون في التحالف والمقاومة ، وفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة للهجرة قدمت حملة صليبية يقودها إمبراطور ألمانيا ( الإمبراطورية المقدسة ) كما يقولون ، وملك فرنسا ، متجهة إلى ( دمشق ) وهنا هبّ المسلمون لجهاد الصليبيين ، وقام نور الدين ( حاكم حلب ) وسيف الدين الموصلي ( حاكم منطقة الجزيرة الفراتية) لنجدة المسلمين في (دمشق) متناسين العداء الذي كان بينهم وبين الدولة (البورية) التي كانت تحكم (دمشق ) حينها وأثمر هذا التحالف الإسلامي في فشل هذه الحملة الصليبية الكبرى بعد خمسة أيام .
أيها المسلمون، أما (حطين 583هـ) فكانت ملحمة الإسلام الظافرة الخالدة الشهيرة ضد الصليبيين واستطاع القائد البطل (صلاح الدين الأيوبي الكردي) أن يوحد صفوف المسلمين أولاً ، ويخلص الأمة من المرتزقة والمنافقين والمتخاذلين ، ثانياً، وأن يصيح في المسلمين المصطفين صيحة الجهاد المرعبة للنصارى . ثالثاً ، وأن يتقدم صلاح الدين صفوف المسلمين خطيباً واعظاً ومجاهداً صادقاً.
رابعاً ، ورغم النزال وشدة بأس الأعداء إلا أن النصر – في النهاية – كان لصالح الإسلام والمسلمين ، وتحت راية الإسلام هُزم الصليبيون ، وبالإيمان والجهاد الصادق انتصر المسلمون، واجتمع على الصليبيين – كما يقول المؤرخون حر العطش وحر الزمان وحر النار والدخان ، وحر القتال ، وكانت هزيمتهم فاضحة ، وكان قتلاهم وأسراهم فوق المتوقع كثرة ، حتى قيل : من يرى القتلى لا يظن أن المسلمين أسروا منهم أحداً ، ومن يرى الأسرى لا يظن أن المسلمين قتلوا منهم أحداً، وقال ابن الأثير: وما أصيب الفرنج منذ خرجوا إلى الساحل – وهو سنة احدى وتسعين وأربعمائة – إلى الآن بمثل هذه الوقعة (الكامل11/534-537)
تلكم معاشر المسلمين صفحة من جهادنا وبطولاتنا – وتلك مشاهد من حملات الصليبيين وزحفهم إلى بلاد المسلمين ، والتاريخ يعيد نفسه ، والأيام دول ، وفي الأحداث عبر لمن اعتبر ( ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنه سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون )
الوقفة الخامسة : الضعيف يقوى والقوي يضعف
لا مقارنة – على الإطلاق – بين القوات الغازية وقوة العراق ، الأمر الذي جعل هؤلاء المستكبرين من يراهنون على انتهاء الحرب لصالحهم خلال ساعات أو أيام قلائل .. ولكنهم أصيبوا بصدمة حين سارت مجريات الحرب على غير تقديرهم ، بل بات يحتدم الجدل – في مجالسهم واجتماعاتهم – من المسئول عن هذه التقديرات الأولية المخططة للحرب ؟! نعم إن الضعيف قد يقوى وقد ينتصر .. وقد يضعف القوي ويُهزم .. والأحداث الجارية في العراق ومهما كانت نتائجها لو لم يكن من دروسها إلا أنها كشفت للعالم أن هذه القوة المرعبة يمكن أن تتراجع وتُهزم وأن القوة الضعيفة يمكن أن تصمد وتقاوم .. لكان كافياً في إسقاط جوانب من الهيمنة الغربية ، وإذا جرى ذلك مع دولة منهكة محاصره .. فكيف لو جرت الحرب مع دولة أقوى من العراق ، بل كيف سيكون الحال لو انضم إلى العراق دول أخرى ، لا شك ستنتهي الأسطورة وسينتهي زمن تفرد القوة، وغطرسة العم سام(كما يقال)
والمسلم يعتقد جازماً أن القوة لله جميعاً وان الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .