ابوحمزة
04-11-2003, 11:43 PM
الـتراث لايزال شاهدا
إذا كان لكل حضارة مدينة تعد رمزا لها وركنا صائنا لوثائقها, فإن طليطلة الأندلسية كانت في حجم هذا الصرح الحضاري الذي شيده الفكر الأندلسي في حقبة من الزمن, منذ أن فتحها المسلمون.
لا يمكن للمتأمل في تاريخ الأمم والحضارات أن يسمع بالبلدان ومدائنها دون الوقوف عند الخصائص التي تعبر عن حضور مثمر للأقوام والشعوب التي شيدتها وعمرتها ردحا من الزمن. وعندما غربت شمسها خلفت وراءها مجهودا فكريا ومشروعا حضاريا دالا على تراث مشهود. فعندما نستنطق التاريخ الأندلسي عن وجود طليطلة وصيرورتها? سنجد الجواب حزينا في جرد تاريخي ممتد يقيم الحجة على أهل التفريط من ملوك أهل الطوائف, ويلقي بظلال الخيبة التي سادت فترة كانت الأمة الإسلامية في أمس الحاجة إلى تماسك الرأي وتوحيد المبدأ. فقد كان سبب سلبها واضحا في انهيار الصف الإسلامي, وتفكك عراه, ومن تداعيات ذلك استسلمت المدينة رغم تحصين عمارتها وتخزين مئونتها التي بنيت ورعيت في ظل خلافة المسلمين طيلة ثلاثة قرون.
ولعلنا من ذاكرة هذه المدينة التي ستظل إسلامية عربية شاهدة على ذلك بتراثها وعمرانها نستذكر بعض الغرائب التاريخية التي تعبر عن مظاهر متميزة لها خصائص وسمات, قل ما يتفطن إليها في الوعي الإسلامي, وفي تاريخ التشييد العمراني العربي.
حصانة جغرافية
طابع التحصين الذي تقره كتب التاريخ ويصدقه الواقع الحالي يشير إلى أن مدينة طليطلة من المدن العربية الإسلامية التي تشارك نظيراتها في هذه الخاصية. فهي محصنة في موقع جغرافي مختار, وسط الجزيرة الأيبيرية بين الجوف والشرق من قرطبة, محصنة بأسوارها ذات الطابع العربي الذي يشهد بذلك إلى اليوم. وهي مدينة محكمة الصنع في تحصين بنائها وبها أعظم القناطر تسمى بقنطرة السيف. ولعظم تحصين هذه المدينة كانت تسمى بـ (القصبة) وبـ (الدار) وهي ذات منعة عليها أسوار منيعة ويحيط بها نهر (تاجة) من جهات ثلاث في واد منبسط فسيح أدر عليها الخيرات بما يسقيه من أراض حتى اشتهرت ببعض المزروعات, كالزعفران وصنف من التين يتميز بحلاوته, وقد كان من نتائج الاهتمام الفلاحي والصيدلي بطليطلة ظهور علماء مختصين بالزراعة كعبدالرحمن بن مهند اللخمي أبي المطرف (ت467هـ) ومن مؤلفاته مجموعة الفلاحة, والأدوية المفردة.
وحينما ينتهي التأمل بالناظر إلى حاضر هذه المدينة اليوم, وفي موقعها على بعد 91 كيلومترا جنوب غرب العاصمة الإسبانية مدريد, يسترجع ماضيا حزينا يجد فيه لمسات الأمجاد التي تبين عن فطنة المشيد العربي الذي أراد لها أن تمثل بخصوصياتها مركزا للجمع والتخزين والتوثيق حسا ومعنى. وهو الكمد, الذي لا يستطيع أن يزيحه أي عربي عن قلبه وهو يزور هذه المدينة أو ينظر في واقعها التاريخي ومآلها الحالي.
فعمارة التحصين هدف استراتيجي عربي قديم يحصن من أجل مستقبل بعيد ويحافظ على بقائه لدوام السيرورة العرقية والمعمارية في آن واحد. وهذه البغية في التشييد فريدة عند العرب والمسلمين القدامى نفتقدها في حاضرنا اليوم, وذلك بسبب غياب الاستراتيجيات التي تهتم بالأبعاد التوثيقية والجوانب الأثرية في حسن اختيار المدن المركزية من العالم الإسلامي التي تؤدي هذه المهمة. وحينما نرجع إلى تاريخ طليطلة نجد كيانها الحضاري والعمراني المهم, مستهدفا طيلة وجودها التاريخي سواء لما كانت حاضرة مزدهرة أيام الرومان, أو حاضرة للدولة القوطية, وكذلك الشأن لما كانت مصونة في حضارة المسلمين إذ بسقوطها سقط أكبر صرح في الأندلس. ويمكن تشبيهها في هذا التحصين بمدينة (طبرية) في المشرق تلك المدينة التي ترجع في نشأتها إلى الروم حيث أسست حوالي 26 للميلاد أي تعود للعهد البيزنطي. وهي المدينة التي وصفها ياقوت الحموي بأنها (بليدة) على البحيرة المعروفة باسمها, تقع في الغور على طرف الجبل بينها وبين دمشق ثلاثة أيام, وكذلك بينها وبين بيت المقدس. فهي إذن تتوسط أعظم مدينتين في الشام كما هو الشأن بالنسبة لطليطلة في موقعها وسط الجزيرة الأيبيرية وكلتاهما تلتحم بالأخرى ليس في الجغرافيا أو التاريخ فحسب, بل في القضية المتوهجة في صخب المرحلة. وفي ضوء ذلك, كان سقوط القدس الذي كان خسارة كبيرة للمسلمين في الشرق الإسلامي ذلك الوقت, وسقوط الأندلس في الغرب الإسلامي. فحينما نقارن المسار التاريخي لبعض البلدان الإسلامية نجد انتكاسة متواصلة في القرن الهجري الخامس في مشرقه ومغربه,فمن سيطرة الصليبيين على (طبرية) في (499هـ) مستفيدين من حصنها العالي إلى سقوط طليطلة عام (477هـ) مستفيدين من دورها الحصين.
ذاكرة الأندلس
فمدينة طليطلة كانت خزانا مستوعبا للمنتوج الثقافي وللمحصول الزراعي. وقد وصفها ياقوت الحموي بأنها من أجل المدن قدرا وأعظمها شأنا ومن خاصيتها أن الغلال تبقى في مطاميرها سبعين سنة لا تتغير, كما أن حنطتها لا تسوس على مر السنين.ومن ارتباط طليطلة بالتخزين بمختلف أنواعه منذ القدم أي منذ أن كانت تحت حكم الرومان يذكر أنها كانت في أيام الروم مدينة ملك ومدارا لولاتها وبها وجدت مائدة سليمان بن داود عليهما السلام مع جملة ذخائر وفيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به. ومن جهة أخرى, تعتبر خزانة حافظة لذاكرة الأندلس, ومنها انتشرت الحضارة الإسلامية في أوربا في العصور الوسطى. كما أنها تعد خزانا للفقه والقضاء الذي شهدته الأندلس طيلة الخلافة الأموية وما تلاها.
فقد ظلت طليطلة من أهم الحواضر الأندلسية في التخزين الثقافي حيث انتشرت بها المكتبات العامة والخاصة, وكانت خزانا لصناعة الورق, وكان يضرب بها المثل في جودة الورق الذي لا نظير له. وكان تخزينها لمادة وصناعة الورق سببا مساعدا على ازدهار فن الكتابة والتأليف, وأيضا جمع الكتب واستنساخها وتصحيحها وترجمتها. فكانت الإشارات التي تحملها المخطوطات من خواتم وتوقيعات علامة دالة على حاضرة هذه المدينة وعلى القطر الأندلسي خصوصا من خلال إيحاءات الرسم المخطوط في علاقته بالعمران. فقد نشطت في هذا المجال أصناف من الخزانات المختلفة في العلوم والفنون التي كانت سبيلا إلى توسيع آفاق المعرفة وتنوعها. ونذكر من هذه الخزانات: خزانة ابن فطيس عبدالرحمن بن محمد التي كانت تضم مختلف العلوم وكان له ستة وراقين برواتب منتظمة يتولون عملية نسخ الكتب له. وبعد وفاته استمر بيع محتويات خزانته عاما تحصل منها أربعون ألف دينار وهو مبلغ يعادل جباية مدينة صغيرة عن سنة كاملة. ويذكر في هذا المجال أيضا خزانة الأديب اللغوي ابن المشاط الطليطلي, وكذلك خزانة ابن ميمون الطليطلي التي مع ضخامتها كان معظمها منسوخا بخطه مصححا بدقة من جانبه, حتى اعتبرت هذه الخزانة أصح كتب طليطلة. وامتلكت السيدات المثقفات خزائنهن الخاصة كما هو الشأن في عائشة بنت أحمد القرطبية وكانت أديبة لامعة, وراضية مولاة عبدالرحمن الناصر, وخديجة بنت جعفر التميمي التي حبست على ابنتها كتبا كثيرة. وكانت هذه الأخيرة تستورد كميات كبيرة من الكتب من مصر والقيروان ومراكز أخرى من المشرق, وذلك رغم ما كان يكلفها هذا الاستيراد من النفقات الباهظة والأتعاب الكـثيرة. كــمــا نقــل الـــعلامة سلمة بن سعيد من المشرق ثمانية عشر حملا من الكتب جمعها خلال سنين عديدة. وقد كان لهذه الخزانات دورها في وقوف الأندلسيين على عملية التوثيق التي استفادوها من المشارقة في عدد من المعارف والفنون منذ القرن الهجري الثاني خصوصا في مجال اللغة والأدب. وقد حظي الأندلسيون بالتوثيق المشرقي من خلال الرحلات المختلفة التي سجلت بين المشرق والمغرب في مهمات مختلفة. وكان لهذه الرحلات ومن خلالها عملية التوثيق دور مهم في توليد الخزانات الطليطلية, وتكوين نوابغ الفكر الأندلسي الذي أثمر علماء يجمعون المعارف. وهكذا استفادت الدولة الأندلسية في قطاعات مختلفة مما اختزنته طليطلة في إطارات مختلفة كالقضاء والإفتاء.
إذا كان لكل حضارة مدينة تعد رمزا لها وركنا صائنا لوثائقها, فإن طليطلة الأندلسية كانت في حجم هذا الصرح الحضاري الذي شيده الفكر الأندلسي في حقبة من الزمن, منذ أن فتحها المسلمون.
لا يمكن للمتأمل في تاريخ الأمم والحضارات أن يسمع بالبلدان ومدائنها دون الوقوف عند الخصائص التي تعبر عن حضور مثمر للأقوام والشعوب التي شيدتها وعمرتها ردحا من الزمن. وعندما غربت شمسها خلفت وراءها مجهودا فكريا ومشروعا حضاريا دالا على تراث مشهود. فعندما نستنطق التاريخ الأندلسي عن وجود طليطلة وصيرورتها? سنجد الجواب حزينا في جرد تاريخي ممتد يقيم الحجة على أهل التفريط من ملوك أهل الطوائف, ويلقي بظلال الخيبة التي سادت فترة كانت الأمة الإسلامية في أمس الحاجة إلى تماسك الرأي وتوحيد المبدأ. فقد كان سبب سلبها واضحا في انهيار الصف الإسلامي, وتفكك عراه, ومن تداعيات ذلك استسلمت المدينة رغم تحصين عمارتها وتخزين مئونتها التي بنيت ورعيت في ظل خلافة المسلمين طيلة ثلاثة قرون.
ولعلنا من ذاكرة هذه المدينة التي ستظل إسلامية عربية شاهدة على ذلك بتراثها وعمرانها نستذكر بعض الغرائب التاريخية التي تعبر عن مظاهر متميزة لها خصائص وسمات, قل ما يتفطن إليها في الوعي الإسلامي, وفي تاريخ التشييد العمراني العربي.
حصانة جغرافية
طابع التحصين الذي تقره كتب التاريخ ويصدقه الواقع الحالي يشير إلى أن مدينة طليطلة من المدن العربية الإسلامية التي تشارك نظيراتها في هذه الخاصية. فهي محصنة في موقع جغرافي مختار, وسط الجزيرة الأيبيرية بين الجوف والشرق من قرطبة, محصنة بأسوارها ذات الطابع العربي الذي يشهد بذلك إلى اليوم. وهي مدينة محكمة الصنع في تحصين بنائها وبها أعظم القناطر تسمى بقنطرة السيف. ولعظم تحصين هذه المدينة كانت تسمى بـ (القصبة) وبـ (الدار) وهي ذات منعة عليها أسوار منيعة ويحيط بها نهر (تاجة) من جهات ثلاث في واد منبسط فسيح أدر عليها الخيرات بما يسقيه من أراض حتى اشتهرت ببعض المزروعات, كالزعفران وصنف من التين يتميز بحلاوته, وقد كان من نتائج الاهتمام الفلاحي والصيدلي بطليطلة ظهور علماء مختصين بالزراعة كعبدالرحمن بن مهند اللخمي أبي المطرف (ت467هـ) ومن مؤلفاته مجموعة الفلاحة, والأدوية المفردة.
وحينما ينتهي التأمل بالناظر إلى حاضر هذه المدينة اليوم, وفي موقعها على بعد 91 كيلومترا جنوب غرب العاصمة الإسبانية مدريد, يسترجع ماضيا حزينا يجد فيه لمسات الأمجاد التي تبين عن فطنة المشيد العربي الذي أراد لها أن تمثل بخصوصياتها مركزا للجمع والتخزين والتوثيق حسا ومعنى. وهو الكمد, الذي لا يستطيع أن يزيحه أي عربي عن قلبه وهو يزور هذه المدينة أو ينظر في واقعها التاريخي ومآلها الحالي.
فعمارة التحصين هدف استراتيجي عربي قديم يحصن من أجل مستقبل بعيد ويحافظ على بقائه لدوام السيرورة العرقية والمعمارية في آن واحد. وهذه البغية في التشييد فريدة عند العرب والمسلمين القدامى نفتقدها في حاضرنا اليوم, وذلك بسبب غياب الاستراتيجيات التي تهتم بالأبعاد التوثيقية والجوانب الأثرية في حسن اختيار المدن المركزية من العالم الإسلامي التي تؤدي هذه المهمة. وحينما نرجع إلى تاريخ طليطلة نجد كيانها الحضاري والعمراني المهم, مستهدفا طيلة وجودها التاريخي سواء لما كانت حاضرة مزدهرة أيام الرومان, أو حاضرة للدولة القوطية, وكذلك الشأن لما كانت مصونة في حضارة المسلمين إذ بسقوطها سقط أكبر صرح في الأندلس. ويمكن تشبيهها في هذا التحصين بمدينة (طبرية) في المشرق تلك المدينة التي ترجع في نشأتها إلى الروم حيث أسست حوالي 26 للميلاد أي تعود للعهد البيزنطي. وهي المدينة التي وصفها ياقوت الحموي بأنها (بليدة) على البحيرة المعروفة باسمها, تقع في الغور على طرف الجبل بينها وبين دمشق ثلاثة أيام, وكذلك بينها وبين بيت المقدس. فهي إذن تتوسط أعظم مدينتين في الشام كما هو الشأن بالنسبة لطليطلة في موقعها وسط الجزيرة الأيبيرية وكلتاهما تلتحم بالأخرى ليس في الجغرافيا أو التاريخ فحسب, بل في القضية المتوهجة في صخب المرحلة. وفي ضوء ذلك, كان سقوط القدس الذي كان خسارة كبيرة للمسلمين في الشرق الإسلامي ذلك الوقت, وسقوط الأندلس في الغرب الإسلامي. فحينما نقارن المسار التاريخي لبعض البلدان الإسلامية نجد انتكاسة متواصلة في القرن الهجري الخامس في مشرقه ومغربه,فمن سيطرة الصليبيين على (طبرية) في (499هـ) مستفيدين من حصنها العالي إلى سقوط طليطلة عام (477هـ) مستفيدين من دورها الحصين.
ذاكرة الأندلس
فمدينة طليطلة كانت خزانا مستوعبا للمنتوج الثقافي وللمحصول الزراعي. وقد وصفها ياقوت الحموي بأنها من أجل المدن قدرا وأعظمها شأنا ومن خاصيتها أن الغلال تبقى في مطاميرها سبعين سنة لا تتغير, كما أن حنطتها لا تسوس على مر السنين.ومن ارتباط طليطلة بالتخزين بمختلف أنواعه منذ القدم أي منذ أن كانت تحت حكم الرومان يذكر أنها كانت في أيام الروم مدينة ملك ومدارا لولاتها وبها وجدت مائدة سليمان بن داود عليهما السلام مع جملة ذخائر وفيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به. ومن جهة أخرى, تعتبر خزانة حافظة لذاكرة الأندلس, ومنها انتشرت الحضارة الإسلامية في أوربا في العصور الوسطى. كما أنها تعد خزانا للفقه والقضاء الذي شهدته الأندلس طيلة الخلافة الأموية وما تلاها.
فقد ظلت طليطلة من أهم الحواضر الأندلسية في التخزين الثقافي حيث انتشرت بها المكتبات العامة والخاصة, وكانت خزانا لصناعة الورق, وكان يضرب بها المثل في جودة الورق الذي لا نظير له. وكان تخزينها لمادة وصناعة الورق سببا مساعدا على ازدهار فن الكتابة والتأليف, وأيضا جمع الكتب واستنساخها وتصحيحها وترجمتها. فكانت الإشارات التي تحملها المخطوطات من خواتم وتوقيعات علامة دالة على حاضرة هذه المدينة وعلى القطر الأندلسي خصوصا من خلال إيحاءات الرسم المخطوط في علاقته بالعمران. فقد نشطت في هذا المجال أصناف من الخزانات المختلفة في العلوم والفنون التي كانت سبيلا إلى توسيع آفاق المعرفة وتنوعها. ونذكر من هذه الخزانات: خزانة ابن فطيس عبدالرحمن بن محمد التي كانت تضم مختلف العلوم وكان له ستة وراقين برواتب منتظمة يتولون عملية نسخ الكتب له. وبعد وفاته استمر بيع محتويات خزانته عاما تحصل منها أربعون ألف دينار وهو مبلغ يعادل جباية مدينة صغيرة عن سنة كاملة. ويذكر في هذا المجال أيضا خزانة الأديب اللغوي ابن المشاط الطليطلي, وكذلك خزانة ابن ميمون الطليطلي التي مع ضخامتها كان معظمها منسوخا بخطه مصححا بدقة من جانبه, حتى اعتبرت هذه الخزانة أصح كتب طليطلة. وامتلكت السيدات المثقفات خزائنهن الخاصة كما هو الشأن في عائشة بنت أحمد القرطبية وكانت أديبة لامعة, وراضية مولاة عبدالرحمن الناصر, وخديجة بنت جعفر التميمي التي حبست على ابنتها كتبا كثيرة. وكانت هذه الأخيرة تستورد كميات كبيرة من الكتب من مصر والقيروان ومراكز أخرى من المشرق, وذلك رغم ما كان يكلفها هذا الاستيراد من النفقات الباهظة والأتعاب الكـثيرة. كــمــا نقــل الـــعلامة سلمة بن سعيد من المشرق ثمانية عشر حملا من الكتب جمعها خلال سنين عديدة. وقد كان لهذه الخزانات دورها في وقوف الأندلسيين على عملية التوثيق التي استفادوها من المشارقة في عدد من المعارف والفنون منذ القرن الهجري الثاني خصوصا في مجال اللغة والأدب. وقد حظي الأندلسيون بالتوثيق المشرقي من خلال الرحلات المختلفة التي سجلت بين المشرق والمغرب في مهمات مختلفة. وكان لهذه الرحلات ومن خلالها عملية التوثيق دور مهم في توليد الخزانات الطليطلية, وتكوين نوابغ الفكر الأندلسي الذي أثمر علماء يجمعون المعارف. وهكذا استفادت الدولة الأندلسية في قطاعات مختلفة مما اختزنته طليطلة في إطارات مختلفة كالقضاء والإفتاء.