المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مواصفات جيل التمكين


المربي
04-10-2003, 05:26 PM
من مواصفات جيل التمكين
1- بين يدي الموضوع:
يتطلع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربـها إلى ذلك اليوم الذي يعز فيه جنده بالتمكين والإيواء ويخذل أعداءه بالدحر وكسر الشوكة، فيتفيأ الناس في ظلال حكم قائم على المنهج الرباني لا سيادة ولا فضل فيه لأحد إلا على أساس معيار التقوى، ولا غلبة أو قهر يمارسه أحد مهما علا منصبه أو نسبه وحسبه، بل الكل سواء لأنـهم عبيد لقيوم السماوات والأرض.
بينما المسلمون على هذه الحال من انشداد الأفئدة واشرئباب الأعناق ظهرت فيهم حركات تنشد التغيير الذي يتطلعون له من خلال الشعارات التي يرفعونـها، فاستبشر الناس خيراً وعادت لهم بارقة الأمل التي كادت تخبو في زمن الهزائم المرة، وأضحى حديث الناس العودة للخلافة، ودولة الإسلام، والاحتكام إلى شرع الله وغيرها من اللافتات التي تمثل مكسباً في حد ذاته حتى وإن لم يتجسد على أرض الواقع، لأن الهجمة التي تعرض لها المسلمون عبر القرون أريد منها محو مثل هذه المفاهيم من الأفئدة والصدور.
غير أن الذي يتتبع مسيرة هذه الحركات على اختلاف مشاربـها ومناهجها يدرك بأن أخطاء قاتلة قد ارتكبت، رغم الإيجابيات العديدة التي لا ينكرها إلا جاحد معاند، مما جعل المسيرة تتقدم خطوة وتتراجع خطوات، بل إن المدقق في السنين الأخيرة يدرك بأن حدوث هذه النكبات أظهر ثغرات كبيرة وولدت محناً وإحناً جعلت العمل الإسلامي يراوح مكانه، بل ويتراجع القهقرى في كثير من الميادين والدول، مما تسبب في أن يصرف كثير من الجهود وأن توجه كثير من السهام إلى داخل الصف لتفت عضده، وتنفر الناس من مسألة العمل الجماعي المنظم الذي لا يمكن تحقيق ما نصبو إليه إلا من خلاله كوسيلة وليس غاية، بدل من أن تصرف تلك الجهود والسهام إلى ما هو أجدى ومن هو أحق.
انطلاقاً من هذا الواقع المر انبرى كاتب هذه السطور لتناول هذا الموضوع - من مواصفات جيل التمكين - وذلك لقناعته من أنه كما أن للنصر أسباباً وسنناً يجب توافرها ومراعاتـها فإن أمر تحقيقه لا يستحقه كل أحد مهما ادعى الانتساب إلى الإسلام الصفي النقي الذي بينه لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم وبلغه لنا صحابته الكرام بكل أمانة واعتزاز أو رفع من شعارات، وإنما يحقق النصر من اتصف بصفات وتحلى بخلال حتى يراها الناس واقعاً يحياه من يدعيها لا يافطة أو شعاراً يرفعه للمزايدة أو التباهي والتسلط على غيره من العاملين بغير حق.
ومما هو جدير بالأخذ في عين الاعتبار في هذا المضمار أن أمر تحقيق التمكين والتحلي بـهذه الصفات إنما هو منة من الله عز وجل: ]وليتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين[، ]ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم[، وكلا النصين جاء في معرض الحديث عن أمر قد يطرأ على الجماعة المسلمة وهو الهزيمة أو الارتداد عن دين الإسلام والعياذ بالله، لكن أمر اكتساب هذه الصفات منوط بأن يكون لدى الذين يسعون إلى تحقيقها إخلاص وصدق في الطلب مع بذل الجهد المطلوب: ]والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين[، وهذه مسألة في غاية الدقة والخطورة يجب الانتباه لها وأخذها في الحسبان في كل الأحوال والاعتبارات حتى لا نتعلق بمنة الله دون بذل للجهد، فنظلم تلك المنة، أو نركن إلى الجهد والسعي، تاركين وراءنا ظهرياً أمر الاعتماد واللجأ إلى الله سبحانه وتعالى.
أسأل الله أن يهيئ للمسلمين أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية، كما أسأله أن يوفقنا إلى الالتزام بما نقول أو نكتب إنه سميع مجيب. والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

2- التمكين في القرآن الكريم:
عند العودة إلى كتاب الله نجد أن كلمة مكَّن ومشتقاتـها وردت في ما يقرب من (16 آية)، اثنتا عشرة آية منها دار مدلول الكلمة فيها حول المعنى الذي نريده؛ وهو أن يجعل الله سبحانه الممكن لهم خلفاء الأرض أي أئمة الناس والولاة عليهم، ولهم تخضع البلاد والعباد، وتصلح في حال تولي المؤمنين .
ومن شأن هذا الأمر أن يسمح للممكن لهم أن تكون لهم اليد الطولى وبسط نفوذهم على من يقع تحت إمرتـهم أو إشرافهم، فيستطيعوا من خلال ذلك الموقع فرض أنظمتهم وسن قوانينهم فيسايرهم في ذلك إما طوعاً أو كرهاً من يقع تحت دائرة تأثيرهم.
ومن خلال استعراض الآيات في كتاب الله يتضح هذا الأمر بكل جلاء، ويمكن تقسيم هذا الاستعراض إلى أربعة أقسام:
1 - التمكين لنبي الله يوسف عليه السلام، قال تعالى: ]وكذلك مكنا ليوسف في الأرض[ [يوسف: 21]، وقال عز من قائل: ]وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين[ [يوسف: 56]. تمكين يوسف عليه السلام كان في بلاد مصر، كما ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله.
2 - التمكين لذي القرنين، قال تعالى: ]ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً، إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً[ [الكهف: 84]، وقال سبحانه: ]قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً[ [الكهف: 95]. قال ابن كثير: أي أعطيناه ملكاً عظيماً متمكناً فيه، له من جميع ما يؤتى الملوك، من التمكين والجنود، وآلات الحرب والحصارات؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم من العرب والعجم.
3 - التمكين للذين كفروا، نذكر منه على سبيل المثال بعض الآيات، قال سبحانه وتعالى في سورة الأعراف، الآية العاشرة بعد أن أقسم جل وعلا أنه سيسأل المرسلين والأقوام الذين أرسلوا فيهم: ]ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون[، وقال في سورة الأنعام [6]: ]ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنـهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبـهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين[، وقال سبحانه في سورة القصص [57]: ]وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء[، وغير ذلك من الآيات.
4 - التمكين للمؤمنين أو الوعد لهم بذلك، قال سبحانه عن أصحاب موسى عليه السلام: ]وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربـها[ [الأعراف: 137]، وقال في سورة القصص [5 - 6]: ]ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونُمكن لهم في الأرض[، وقال لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والذين يأتون من بعدهم: ]وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأمر كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً[ [النور: 55]، قال ابن كثير: "هذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمة الناس، والولاة عليهم، وبـهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد". وقال في سورة الحج [41]: ]الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونـهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور[.
هذه معظم المواطن التي وردت فيها كلمة مكَّن ومشتقاتـها وتلك هي معانيها وكلها تدور، كما ذكرنا سابقاً، حول إمامة الناس والتولي عليهم وإخضاعهم لسلطة ونفوذ الأقوام الممكن لهم. ولنا كلمة أو وقفة حول الوعد بالتمكين للمؤمنين حيث أنه عند استعراض الآيات التي يتعلق أمر التمكين فيها للمؤمنين نجد أن الله يتحدث على ما بعد التمكين وما يجب أن يكون عليه أمر الفئة المُمَكَّن لها، وهو الأمر الخطير، وذلك لأن النفوس في حال النصر والتمكين والظفر برقاب الناس قد يخالط سويداء قلوبـها ما يجعلها تتكبر على الخلق وتنتقم منهم، فاقتضى المقام التنبيه على ذلك، كما قال موسى عليه السلام لقومه المستضعفين: ]عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون[، وتذكير المؤمنين أن تمكينهم يختلف عن تمكين غيرهم، فهم يمثلون مبدأ ورسالة سماوية وليس منهجاً أرضياً، وهم فوق ذلك مؤتمنون عليها، فهذا الذي ائتمنهم - وهو الله جل جلاله - يقول لهم: هذا هو الحال الذي أطلب منكم أن تكونوا عليه عند حصول التمكين لكم.
ونحن نتطلع إلى ذلك اليوم الذي يعز الله فيه الإسلام وجنده، ويخذل الشرك وأهله، يجب علينا أن نضع هذه المعاني نصب أعيننا حتى نزيل العوائق التي تحول بين هذا الواقع المشرق المضيء وبين واقع الذل والهوان الذي نتجرع كؤوسه كل يوم.

3 - بين الوعد والتهديد:
وعد الله الذين آمنوا بالنصر والتمكين ثم الظفر بأعدائهم في آيات كثيرة من كتابه العزيز، والله لا يخلف وعده، فإذا ما تخلف هذا الوعد وتأخر فعلى المؤمنين أن يراجعوا مسيرتـهم وأن يتهموا أنفسهم ليكتشفوا المثالب والأخطاء التي وقعوا فيها حتى يتجنبوها، ويجب عليهم أن يقتلعوها من جذورها حتى لا تألفها النفوس وتعتاد على العيش في مستنقعها الآسن كما هو واقعنا اليوم فإلى الله المشتكى.
فالحق جل في علاه يقول: ]إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد[، ]وكان حقاً علينا نصر المؤمنين[، ]والعاقبة للمتقين[، ]واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره[، ]وأخرى تحبونـها نصر من الله وفتح قريب[، وغير ذلك مما هو مبسوط في كتاب الله، أو مبين في سنة رسوله عليه السلام.
هذا الرب الرحيم الودود الذي قطع على نفسه هذا الوعد، هو الذي هدد من يتقاعس أو يتوانى أو يرتد عن نصرة هذا الدين بالاستبدال في حال الإقدام على هذه الأمور الذميمة.
فقال في سورة المائدة [54]: ]يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم[.
وقال في سورة التوبة: ]قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تحشون كسادها ومساكن ترضونـها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين[، وقال: ]يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله إثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً، والله على كل شيء قدير[.
وقال في آخر سورة محمد صلى الله عليه وسلم: ]ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم[، قال القرطبي: "أي في الجهاد وطرق الخير".
وبالعودة إلى أسباب النـزول وبعض ما تضمنته هذه الآيات من أحكام نستخلص ما يلي:
1
في الحلقة القادمة نكمل الموضوع

المربي
04-10-2003, 05:33 PM
وبالعودة إلى أسباب النـزول وبعض ما تضمنته هذه الآيات من أحكام نستخلص ما يلي:
1 - ذكر المفسرون عند آيات سورة المائدة بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين ما سيقع في هذه الأمة من ارتداد بعض الطوائف عنالإسلام، وذلك لأن هذه الآية كانت من أواخر ما نزل في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول هذه الآية وما قبلها في سورة المائدة: "فالمخاطبون بالنهي عن موالاة اليهود والنصارى هم المخاطبون بآية الردة، ومعلوم أن هذا يتناول جميع قرون الأمة، وهو سبحانه لما نـهى عن موالاة الكفار، وبين أن من تولاهم من المخاطبين فإنه منهم؛ بين أن من تولاهم وارتد عن دين الإسلام لا يضر الإسلام شيئاً، بل سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، فيتولون المؤمنين دون الكفار، ويجاهدون في سبيل الله؛ لا يخافون لومة لائم - إلى أن قال - فهؤلاء الذين لم يدخلوا في الإسلام، وأولئك الذين خرجوا منه بعد الدخول فيه؛ لا يضرون الإسلام شيئاً، بل يقيم الله من يؤمن بما جاء به رسوله وينصر دينه إلى قيام الساعة" [من وسائل دفع الغربة، ص 63 - 64].
2 - آيات سورة التوبة، جاءت عقب النهي عن موالاة الآباء والإخوة الكفار وختم ذلك بقوله: ]والله لا يهدي القوم الفاسقين[، يقول الألوسي رحمه الله: "أي الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين وتقديم محبة من ذكر على محبة الله عز وجل ورسوله..." اهـ.
3 - ]يستبدل قوماً غيركم[، "وصفهم بالمغايرة لهم لتأكيد الوعيد والتشديد في التهديد بالدلالة على المغايرة الوصفية والذاتية المستلزمة للاستئصال، أي قوماً مطيعين، مؤثرين للآخرة على الدنيا ليسوا من أولادكم ولا أرحامكم وهم أبناء فارس كما قال سعيد بن جبير، أو أهل اليمن، كما روي عن أبي روق، أو ما يعم الفريقين كما اختاره بعض المحققين" [نفس المرجع: ص 133].
4 - آية التوبة: ]يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير[، قال ابن عطية: "ولا اختلاف بين العلماء في أن هذه الآية نزلت عتاباً على تخلف من تخلف عن غزوة تبوك..." اهـ.
يتبين من خلال الجمع بين هذه النصوص؛ نصوص الوعد ونصوص التهديد أن أمر التمكين والظفر بالأعداء لا يستحقه كل من انضوى تحت مسمى الإيمان وهو مع ذلك راكد لا تـهز كيانه ولا تحرك مشاعره ووجدانه نداءات الوحي ومتطلبات الإيمان. كلا، إن هذا الأمر لا يستحقه إلا من تخلى عن الصفات الذميمة التي ذكرها الله في معرض التهديد، واتصف بالصفات الإيجابية التي ذكرت في تلك الآيات أو في غيرها، وسنتناول أخي الكريم في مناسبات قادمة إن شاء الله بياناً تفصيلياً، بما يسمح به المقام، لبعض تلك الصفات التي نسأل الله أن يوفقنا لامتثالها في حياتنا وفي أنفسنا حتى يغير الله ما بنا من واقع الذل والهوانuuu
3 - بعض المواصفات: يصعب حصر تلك الصفات وتناولها بشيء من التفصيل في مثل هذا الحيز المتاح، وما سيرد ذكره هو على سبيل المثال ومما استدعى المقام الإشارة إليه لأهميته وتذكير أنفسنا به. ومما يجب التنبيه عليه هو أن جيل الصحابة رضوان الله عليهم قد مثل تلك الصفات أحسن تمثيل وجعلها واقعاً يراه الناس فحقق الله على أيديهم أمر العز والتمكين لهذا الدين. فمن أراد اذن المزيد والتفصيل حول بعض ما نذكره أو غيره فما عليه إلا أن يراجع سيرة أولئك الرجال أو سير الذين أتوا من بعدهم وساروا على نـهجهم واقتفوا آثارهم،
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
أ - أولى هذه المواصفات

في الحلقة القادمة نكمل الموضوع

ابوحمزة
04-11-2003, 01:06 AM
جزاك الله خير


ووفقك الله لما يحب ويرضى


وننتظر البقية

المربي
04-15-2003, 03:49 PM
أ - أولى هذه المواصفات:
أنه جيل يحب الله ويحبه الله.
قال تعالى: ]فسوف يأتي الله بقوم يحبهم الله ويحبونـهم[، وهذه أول صفة ذكرها الله في معرض تـهديد من ارتد عن الإسلام في الآية التي وردت في سورة المائدة، وبالعودة إلى الآيات التي ذكرناها سابقاً نجد أن هذه الصفة من أهم الخصال التي يجب أن يتحلى بـها من يريد أن يحقق الله على يديه أمر إعزاز الإسلام والمسلمين.
فتقديم محاب الله ورسوله على الأمور التي جبل الإنسان على محبتها مثل المال والولد والزوج والعشيرة أو النفس أو غيرهما دلالة كذلك على صدق هذه المحبة ومحك لاختبار دعوى من يتشدق بـها. ]ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً[ لماذا؟ ]إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً[.
ولهذا نقل عن السلف قولهم أن قوماً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعوا محبة الله فاختبرهم الله جل وعلا بقوله في سورة آل عمران: ]قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله[ [آل عمران: 31]، وتسمى هذه الآية آية المحنة لامتحانـها القلوب في ادعائها هذا.
ومحبة الله عبده رضاه عنه وتيسير الخير له، ومحبة العبد ربه انفعال النفس نحو تعظيمه والأنس بذكره وامتثال أمره والدفاع عن دينه [ابن عاشور: 236].
وإننا في هذه الأيام وفي هذه الديار لفي أشد الحاجة إلى تذكر هذه المعاني والعمل بمقتضاها وترك ما ينافيها وذلك بعرض أعمالنا وأقوالنا على المحجة البيضاء التي تركنا عليها خير الورى.
وسنعيش لحظات مع بعض المعاني والآثار التي أوردها ابن القيم رحمه الله في سفره النفيس "مدارج السالكين" وذلك بتناول الأمور التالية:
1 - أهمية المحبة: وهي المنـزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بـها فعيشه كله هموم وآلام.
وهي سمة هذه الطائفة المسافرين إلى ربـهم، الذين ركبوا جناح السفر إليه، ثم لم يفارقوه إلى حين اللقاء، وهم الذين قعدوا على الحقائق، وقعد من سواهم على الرسوم.
وهي عنوان طريقتهم ودليلها، فإن العنوان يدل على الكتاب، والمحبة تدل على صدق الطالب، وأنه من أهل الطريق.
كما إنـها "معقد النسبة" أي النسبة التي بين الرب وبين العبد، فإنه لا نسبة بين الله وبين العبد إلا محض العبودية من العبد والربوبية من الرب، وليس في العبد شيء من الربوبية، ولا في الرب شيء من العبودية، فالعبد عبد من كل وجه، والرب تعالى هو الإله الحق من كل وجه.
ومعقد نسبة العبودية هو المحبة، فالعبودية معقودة بـها، بحيث متى انحلت المحبة انحلت العبودية، والله أعلم.
وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونـها أبداً واصليها، وتبوئهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائماً إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبـهم أوفر نصيب، وقد قضى الله - يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة - : أن المرء مع من أحب، فيالها من نعمة على المحبين سابغة. ومضى يقول رحمه الله: "فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان، ولتعطلت منازل السير إلى الله، فإنـها روح كل مقام ومنـزلة وعمل، فإذا خلا منها فهو ميت لا روح فيه، ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها، بل هي حقيقة الإخلاص، بل هي نفس الإسلام، فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله، فمن لا محبة له لا إسلام له ألبتة، بل هي حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، فإن "الإله" هو الذي يألهه العباد حباً وذلاً، وخوفاً ورجاء، وتعظيماً وطاعة له. بمعنى "مألوه" وهو الذي تألهه القلوب، أي تحبه وتذل له".
2 - حقيقتها: لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادّعى الخلي حرقة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إلا ببينة ]قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله[ [آل عمران: 31].
فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة بتزكية: ]يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم[ [المائدة: 54].
فتأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم. فهلموا إلى بيعة ]إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة[ [التوبة: 111].
فلما عرفوا عظمة المشتري، وفضل الثمن، وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع، عرفوا قدر السلعة، وأن لها شأناً، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي، من غير ثبوت خيار، وقالوا: "والله لا نقيلك ولا نستقيلك".
فلما تم العقد، وسلموا المبيع، قيل لهم: مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت، وأضعافها معاً: ]ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربـهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله[ [آل عمران: 169، 170].
إذا غرست شجرة المحبة في القلب، وسقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب، أثمرت أنواع الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربـها، أصلها ثابت في قرار القلب، وفرعها متصل بسدرة المنتهى.
ومن أجمع ما قيل فيها: ما ذكره أبو بكر الكتاني، قال: جرت مسألة في المحبة بمكة أعزها الله تعالى - أيام الموسم - فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سناً، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي، فأطرق رأسه، ودمعت عيناه، ثم قال: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله.
فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جزاك الله ياتاج العارفين.
3 - الأسباب الجالبة لها: في الأسباب الجالبة للمحبة، والموجبة لها وهي عشرة:
أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به.
الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإنـها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة.
الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب، والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر.
الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى.
الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتـها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة.
السادس: مشاهدة بره وإحسانه وآلائه، ونعمه الباطنه والظاهرة، فإنـها داعية إلى محبته.
السابع: وهو من أعجبها - انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى، وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات.
الثامن: الخلوة به وقت النـزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.
التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما تنتقى أطايب الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمت أن فيه مزيداً لحالك، ومنفعة لغيرك.
العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل.
فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبون إلى منازل المحبة، ودخلوا على الحبيب، وملاك ذلك كله أمران: استعداد الروح لهذا الشأن، وانفتاح عين البصيرة، وبالله التوفيق.
4 - بعض الآثار في تبيين حقيقتها وأهميتها: ففي الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر - بعد إذ أنقذه الله منه - كما يكره أن يلقى في النار" .
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد أذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بـها، ورجله التي يمشي بـها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" ، وفي الصحيحين عنه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أحب الله العبد دعا جبريل، فقال: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" . وذكر في البغض عكس ذلك.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنهما في حديث أمير السرية الذي كان يقرأ ]قل هو الله أحد[ لأصحابه في كل صلاة، وقال: لأنـها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بـها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخبروه أن الله يحبه" .
والقرآن والسنة مملوءان بذكر من يحبه الله سبحانه من عباده المؤمنين، وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم، كقوله تعالى: ]والله يحب الصابرين[ [آل عمران: 146]، ]والله يحب المحسنين[ [آل عمران: 134]، ]إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين[ [البقرة: 222]، ]إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنـهم بنيان مرصوص[ [الصف: 4]، ]فإن الله يحب المتقين[ [آل عمران: 76].
وقوله في ضد ذلك: ]والله لا يحب الفساد[ [البقرة: 205]، ]إن الله لا يحب كل مختال فخور[ [لقمان: 18]، ]والله لا يحب الظالمين[ [آل عمران: 57، 140]، ]إن الله لا يحب من كان مختالاً كفوراً[ [النساء: 36].
وكم في السنة: "أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا"، و "إن الله يحب كذا وكذا"، وكقوله: "أحب الأعمال إلى الله: الصلاة على أول وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله" ، و "أحب الأعمال إلى الله: الإيمان بالله، ثم الجهاد في سبيل الله، ثم حج مبرور" ، و "أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه" ، وقوله: "إن الله يحب أن يؤخذ برخصه" .
وبعد؛ لقد حاولنا الطواف والوقوف على بعض المعاني والآثار التي تبين حقيقة وأهمية محبة العبد لله ومحبة الله للعبد، فعلينا أن نلزم تلك الحدود وأن لا نتعداها أو نبخسها حقها، وعلينا فوق ذلك أن نعرض أعمالنا وأقوالنا على هذه الموازين الثابتة لننظر هل نحن فعلاً صادقون في دعوانا أننا نحب الله؟ فإذا كانت إجابتنا إيجاباً حمدنا الله على ذلك وشمرنا عن ساعد الجد والاجتهاد لطلب المزيد. وإذا كانت غير ذلك فما علينا إلا أن نسارع إلى تدارك ما فاتنا من نقص حتى لا نكون سبباً في هلاك أنفسنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ونكون سبباً في زيادة بلايانا ورزايانا بما كسبت أيدينا من معاص وآثام.

المربي
04-20-2006, 10:33 PM
بقية الصفات
الثاني: أنـه جيل مجاهد لا تأخذه في الله لومة لائم:
الثالث: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين:
الرابع: صابر وثابت على المبدأ مهما ادلهمت الخطوب:


جزا الله خيرا
الدكتور أحمد بلوافي
على اعداده هذا البحث

ومع بقيته في الملف المرفق

المربي
04-20-2006, 10:41 PM
وهذا ملف له علاقة بالموضوع



المنهج السلفي وصناعة جيل التمكين
اعداد : محمد السعيدي


وعناصر الموضوع

الطريق إلى إيجاد و تربية جيل التمكين من منظور سلف :

(1) التربية على الإيمان الصحيح، والتوحيد الخالص ونبذ الشرك
(2) الاتباع وترك الابتداع
(3) الشمولية لأخذ الدين وتطبيقه
(4) غرس مفهوم الحاكمية لله في قلوب الجيل المسلم
(5) الاهتمام بتزكية النفوس
(6) العلم الشرعي والحرص عليه
(7) التربية على الانقياد للحق والثبات عليه
(8) إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

المغترب
04-21-2006, 01:44 PM
جزاك ربي الجنة .