أبو اليقظان حزم
01-03-2004, 12:39 PM
باب حكم المرتد من كتاب ( منار السبيل في شرح الدليل 2/285-291 ) :
( وهو : مَن كفر بعد إسلامه ) , وأجمعوا على وجوب قتله , إن لَم يتب , لحديث ابن عباس مرفوعاً : " مَن بدّلَ دينَه , فاقتلوه " . رواه الجماعة إلا مسلماً . وروي عن أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ ومعاذِ بنِ جبل وخالدِ بن الوليد وغيرهم , وسواء الرجل والمرأة , لعموم الخبر . وروى الدارقطني : " أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام , فبلغ أمرها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر أن تستتاب , فإن تابت , وإلا قتلت " .
( ويحصل الكفر بأحد أربعة أمور :
بالقول ؛ كسبِّ الله تعالى أو رسوله أو ملائكته ) , لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد به . ( أو ادّعاء النبوة ) , أو تصديق مَن ادّعاها , لأن ذلك تكذيبٌ لله تعالى في قوله : " ولكن رسول الله وخاتم النبيين " , ولحديث : " لا نبيَّ بعدي " ونحوه .
( أو الشركة له تعالى ) لقوله تعالى : " إن الله لا يغفر أن يشرك به " . وقال الشيخ تقي الدين : أو كان مبغضاً لرسوله أو لِمَا جاء به , اتفاقاً , أو جعل بينه وبين الله وسائط ؛ يتوكل عليهم , ويدعوهم , ويسألهم : كفرَ إجماعاً .
( بالفعل : كالسجود للصنم ونحوه ) كشمس وقمر وشجر وحجر وقبر , لأنه إشراك بالله تعالى . ( وكإلقاء المصحف في قاذورة ) أو ادّعى اختلافه , أو القدرة على مثله , لأن ذلك تكذيب له .
( وبالاعتقاد كاعتقاده الشرك له تعالى ) أو الصاحبة , أو الولد , لقوله تعالى : " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله " الآية . ( أو أنّ الزّنَى والخمر حلال , أو أن الخبز حرام , ونحو ذلك مما أجمع عليه إجماعاً قطعياً ) , لأن ذلك معاندة للإسلام , وامتناع من قبول أحكامه , ومخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة .
( وبالشك في شيء من ذلك ) أي في تحريم الزنى والخمر , أو في حلِّ الخبز ونحوه , ومثلُه لا يجهله , لكونه نشأ بين المسلمين , وإنْ كان يجهله مثله , لحداثة عهده بالإسلام أو الإفاقة من جنون ونحوه : لَم يكفر , وعُرِّفَ حكمَه ودليلَه , فإنْ أصرَّ عليه , كفَرَ , لأن أدلة هذه الأمور ظاهرةٌ من كتاب الله وسنة رسوله , ولا يصدرُ إنكارها إلا من مكذبٍ لكتاب الله وسنة رسوله . قاله في الكافي .
( فمن ارتدّ - وهو مكلف مختار - استتيب ثلاثة أيام ) وجوباً لِمَا روى مالك والشافعي : " أنه قدم على عمر رجلٌ من قِبَل أبِي موسى , فقال له عمر : هل كان من مغربة خبر ؟ قال : نعم , رجلٌ كفرَ بعد إسلامه . فقال : ما فعلتم به ؟ قال : قربناه , فضربنا عنقه . قال عمر : فهلا حبستموه ثلاثاً , وأطعمتموه كلَّ يوم رغيفاً , واستتبتموه , لعله يتوب أو يراجع أمرَ الله , اللهم إنّي لَم أحضر ولَم أرضَ إذ بلغني " . فلولا وجوب الاستتابة لَمَا برئ من فعلهم , وأحاديثُ الأمر بقتله تُحمل على ذلك , جمعاً بين الأخبار .
( فإنْ تاب , فلا شيءَ عليه , ولا يحبط عمله ) , لقوله تعالى : " والذين لا يدعون مع الله إله آخر .. ) إلى قوله : " إلا من تاب .. " الآية , ولمفهوم قوله تعالى : " ومَن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم " . وعن أنس مرفوعاً : " أمرت أن أقاتل الناس , حتى يقولوا : لا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله ؛ فإذا قالوها , عصموا مني دماءهم وأموالَهم إلا بحقها " , ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفّ عن المنافقين حين أظهروا الإسلام .
( وإنْ أصرَّ , قُتل بالسيف ) لِمَا تقدم , ولحديث : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء , فإذا قتلتم , فأحسنوا القتلة " , وحديث : " من بدّل دينَه , فاقتلوه , ولا تعذبوا بعذاب الله " . يعني النار . رواه البخاري , وأبو داود .
( ولا يقتله إلا الإمامُ أو نائبه ) لأنه قتل لحق الله تعالى , فكان إلى الإمام , كرجم الزاني المحصن . ( فإن قتله غيرُهما , أساء , وعُزّر ) لافتئاته على ولِي الأمر . ( ولا ضمان ) بقتل مرتد , ( ولو كان قبل استتابته ) لأنه مهدر الدم بالردّة في الجملة , ولا يلزم من تحريم القتل الضمان ؛ بدليل نساء الحرب وذريتهم .
( ويصح إسلامُ المميز ) ذكراً أو أنثى إذا عقله " لأن علياً - رضي الله عنه - أسلم وهو ابن ثماني سنين " . رواه البخاري في تاريخه , فصحّ إسلامه , وثبت إيمانه , وعُدَّ بذلك سابقاً , ورُوي عنه قولُه :
سبقتكمو إلى الإسلام طُرّاً ... صبياً ما بلغتُ أوانَ حلمي
( وردّتُه ) أي المميز , لأن مَن صح إسلامه , صحت ردته كسائر الناس , ( لكن لا يقتل حتى يستتاب بعد بلوغه ثلاثة أيام ) , لأن بلوغه أول زمن صار فيه أهلٌ للعقوبة , لحديث : " رُفع القلم عن ثلاثة .. [ عن الصبي حتى يحتلم ] " , وتقدم .
فصلٌ
( وتوبةُ المرتدّ وكلِّ كافر : إتيانُه بالشهادتين ) لحديث ابن مسعود : " أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دخلَ الكنيسةَ , فإذا هو بيهوديٍّ , يقرأ عليهم التوراةَ , فقرأ , حتى إذا أتى على صفةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأمّتِه , فقال : هذه صفتُك وصفةُ أمتك , أشهدُ أن لا إله إلا الله , وأنك رسولُ الله . فقال - صلى الله عليه وسلم - لُوا أخاكم . رواه أحمد . وعن أنس : " أن يهودياً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : أشهد أنك رسول الله , ثم مات , فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صلوا على صاحبكم " . احتجّ به أحمدُ في رواية مهنا .
( مع رجوعه عمَّا كفَرَ به ) لأنه كذب الله ورسوله بما اعتقد , فلابدّ من إتيانه بما يدل على رجوعه عنه .
( ولا يغني قوله " محمد رسول الله " عن كلمة التوحيد ) , فلا يحكم بإسلامه حتى يوحد الله , ويقرّ بما كان يجحده .
( وقوله " أنا مسلم " توبة ) لأنه يتضمن الشهادتين , وعن المقداد أنه قال : يا رسول الله , أرأيتَ إن لقيتُ رجلاً من الكفار , فقاتلني , فضرب إحدى يدي بالسيف , فقطعها , ثم لاذَ مني بشجرة , فقال : أسلمتُ , أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال : لا تقتله , فإنه بمنـزلتك قبل أن تقتله , وإنك بمنـزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها " . وعن عمران بن حصين قال : أصاب المسلمون رجلاً من بني عقيل , فأتوا به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد ! إنّي مسلم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو كنتَ قلتَ , وأنتَ تملك أمرَك , أفلحتَ كلَّ الفلاح . رواهما مسلم . قال في المغنى : ويحتمل أن هذا في الكافر الأصلي , أو مَن جحد الوحدانية , وأمّا مَن كفر بجحد نبي أو كتاب أو فريضة ونحو هذا , فلا يصير مسلماً بذلك , لأنه ربما اعتقد أن الإسلام ما هو عليه , فإنّ أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون , ومنهم مَن هو كافر .
( وإن كتب كافر الشهادتين , صار مسلماً ) لأن الخط كاللفظ .
( وإن قال : أسلمت , أو : أنا مسلم , أو : أنا مؤمن , صار مسلماً ) بذلك , وإنْ لَم يتلفظ بالشهادتين لِما تقدم .
( ولا يُقبل في الدنيا بحسب الظاهر توبةُ زنديق , وهو المنافق الذي يظهر الإسلام , ويخفي الكفر ) , لقوله تعالى : " .. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا .. " , والزنديق لا يعلم تبين رجوعه , وتوبته , لأنه لا يظهر منه التوبة خلاف ما كان عليه , فإنه كان ينفي الكفر عن نفسه قبل ذلك , وقلبه لا يطلع عليه .
( ولا مَن تكررت ردّتُه ) لقوله تعالى : " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لَم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً " , وقوله : " إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم " , ولأن تكرار ردّته يدل على فسادِ عقيدته وقلّةِ مبالاته بالإسلام .
( أو سبَّ اللهَ تعالى أو رسولَه أو مَلَكَاً له ) لعظيم ذنبه جداً , فيدل على فساد عقيدته , قال أحمد : لا تقبل توبةُ مَن سبَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - .
( وكذا مَن قذف نبياً أو أمه ) لما في ذلك من التعرض للقدح في النبوة الموجب للكفر .
( ويُقتل , حتى ولو كان كافراً , فأسلم ) , لأن قتله حدُّ قذفِه , فلا يسقطُ بالتوبة كقذف غيرهما . ومَن قذف عائشةَ بما برأها اللهُ منه كفرَ بلا خلافٍ . انتهى
ملاحظة :
مابين القوسين : متن ( الدليل ) , وهو للشيخ مرعي الكرمي الحنبلي ت 1033 هـ .
وماعداه , فهو : ( منار السبيل في شرح الدليل ) , وهو للشيخ إبراهيم الضويان الحنبلي ت 1353 هـ .
رحمهما الله تعالى
من طبعة : مكتبة دار المعارف - الرياض , تحقيق : محمد عيد العباسي .
( وهو : مَن كفر بعد إسلامه ) , وأجمعوا على وجوب قتله , إن لَم يتب , لحديث ابن عباس مرفوعاً : " مَن بدّلَ دينَه , فاقتلوه " . رواه الجماعة إلا مسلماً . وروي عن أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ ومعاذِ بنِ جبل وخالدِ بن الوليد وغيرهم , وسواء الرجل والمرأة , لعموم الخبر . وروى الدارقطني : " أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام , فبلغ أمرها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر أن تستتاب , فإن تابت , وإلا قتلت " .
( ويحصل الكفر بأحد أربعة أمور :
بالقول ؛ كسبِّ الله تعالى أو رسوله أو ملائكته ) , لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد به . ( أو ادّعاء النبوة ) , أو تصديق مَن ادّعاها , لأن ذلك تكذيبٌ لله تعالى في قوله : " ولكن رسول الله وخاتم النبيين " , ولحديث : " لا نبيَّ بعدي " ونحوه .
( أو الشركة له تعالى ) لقوله تعالى : " إن الله لا يغفر أن يشرك به " . وقال الشيخ تقي الدين : أو كان مبغضاً لرسوله أو لِمَا جاء به , اتفاقاً , أو جعل بينه وبين الله وسائط ؛ يتوكل عليهم , ويدعوهم , ويسألهم : كفرَ إجماعاً .
( بالفعل : كالسجود للصنم ونحوه ) كشمس وقمر وشجر وحجر وقبر , لأنه إشراك بالله تعالى . ( وكإلقاء المصحف في قاذورة ) أو ادّعى اختلافه , أو القدرة على مثله , لأن ذلك تكذيب له .
( وبالاعتقاد كاعتقاده الشرك له تعالى ) أو الصاحبة , أو الولد , لقوله تعالى : " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله " الآية . ( أو أنّ الزّنَى والخمر حلال , أو أن الخبز حرام , ونحو ذلك مما أجمع عليه إجماعاً قطعياً ) , لأن ذلك معاندة للإسلام , وامتناع من قبول أحكامه , ومخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة .
( وبالشك في شيء من ذلك ) أي في تحريم الزنى والخمر , أو في حلِّ الخبز ونحوه , ومثلُه لا يجهله , لكونه نشأ بين المسلمين , وإنْ كان يجهله مثله , لحداثة عهده بالإسلام أو الإفاقة من جنون ونحوه : لَم يكفر , وعُرِّفَ حكمَه ودليلَه , فإنْ أصرَّ عليه , كفَرَ , لأن أدلة هذه الأمور ظاهرةٌ من كتاب الله وسنة رسوله , ولا يصدرُ إنكارها إلا من مكذبٍ لكتاب الله وسنة رسوله . قاله في الكافي .
( فمن ارتدّ - وهو مكلف مختار - استتيب ثلاثة أيام ) وجوباً لِمَا روى مالك والشافعي : " أنه قدم على عمر رجلٌ من قِبَل أبِي موسى , فقال له عمر : هل كان من مغربة خبر ؟ قال : نعم , رجلٌ كفرَ بعد إسلامه . فقال : ما فعلتم به ؟ قال : قربناه , فضربنا عنقه . قال عمر : فهلا حبستموه ثلاثاً , وأطعمتموه كلَّ يوم رغيفاً , واستتبتموه , لعله يتوب أو يراجع أمرَ الله , اللهم إنّي لَم أحضر ولَم أرضَ إذ بلغني " . فلولا وجوب الاستتابة لَمَا برئ من فعلهم , وأحاديثُ الأمر بقتله تُحمل على ذلك , جمعاً بين الأخبار .
( فإنْ تاب , فلا شيءَ عليه , ولا يحبط عمله ) , لقوله تعالى : " والذين لا يدعون مع الله إله آخر .. ) إلى قوله : " إلا من تاب .. " الآية , ولمفهوم قوله تعالى : " ومَن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم " . وعن أنس مرفوعاً : " أمرت أن أقاتل الناس , حتى يقولوا : لا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله ؛ فإذا قالوها , عصموا مني دماءهم وأموالَهم إلا بحقها " , ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفّ عن المنافقين حين أظهروا الإسلام .
( وإنْ أصرَّ , قُتل بالسيف ) لِمَا تقدم , ولحديث : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء , فإذا قتلتم , فأحسنوا القتلة " , وحديث : " من بدّل دينَه , فاقتلوه , ولا تعذبوا بعذاب الله " . يعني النار . رواه البخاري , وأبو داود .
( ولا يقتله إلا الإمامُ أو نائبه ) لأنه قتل لحق الله تعالى , فكان إلى الإمام , كرجم الزاني المحصن . ( فإن قتله غيرُهما , أساء , وعُزّر ) لافتئاته على ولِي الأمر . ( ولا ضمان ) بقتل مرتد , ( ولو كان قبل استتابته ) لأنه مهدر الدم بالردّة في الجملة , ولا يلزم من تحريم القتل الضمان ؛ بدليل نساء الحرب وذريتهم .
( ويصح إسلامُ المميز ) ذكراً أو أنثى إذا عقله " لأن علياً - رضي الله عنه - أسلم وهو ابن ثماني سنين " . رواه البخاري في تاريخه , فصحّ إسلامه , وثبت إيمانه , وعُدَّ بذلك سابقاً , ورُوي عنه قولُه :
سبقتكمو إلى الإسلام طُرّاً ... صبياً ما بلغتُ أوانَ حلمي
( وردّتُه ) أي المميز , لأن مَن صح إسلامه , صحت ردته كسائر الناس , ( لكن لا يقتل حتى يستتاب بعد بلوغه ثلاثة أيام ) , لأن بلوغه أول زمن صار فيه أهلٌ للعقوبة , لحديث : " رُفع القلم عن ثلاثة .. [ عن الصبي حتى يحتلم ] " , وتقدم .
فصلٌ
( وتوبةُ المرتدّ وكلِّ كافر : إتيانُه بالشهادتين ) لحديث ابن مسعود : " أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دخلَ الكنيسةَ , فإذا هو بيهوديٍّ , يقرأ عليهم التوراةَ , فقرأ , حتى إذا أتى على صفةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأمّتِه , فقال : هذه صفتُك وصفةُ أمتك , أشهدُ أن لا إله إلا الله , وأنك رسولُ الله . فقال - صلى الله عليه وسلم - لُوا أخاكم . رواه أحمد . وعن أنس : " أن يهودياً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : أشهد أنك رسول الله , ثم مات , فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صلوا على صاحبكم " . احتجّ به أحمدُ في رواية مهنا .
( مع رجوعه عمَّا كفَرَ به ) لأنه كذب الله ورسوله بما اعتقد , فلابدّ من إتيانه بما يدل على رجوعه عنه .
( ولا يغني قوله " محمد رسول الله " عن كلمة التوحيد ) , فلا يحكم بإسلامه حتى يوحد الله , ويقرّ بما كان يجحده .
( وقوله " أنا مسلم " توبة ) لأنه يتضمن الشهادتين , وعن المقداد أنه قال : يا رسول الله , أرأيتَ إن لقيتُ رجلاً من الكفار , فقاتلني , فضرب إحدى يدي بالسيف , فقطعها , ثم لاذَ مني بشجرة , فقال : أسلمتُ , أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال : لا تقتله , فإنه بمنـزلتك قبل أن تقتله , وإنك بمنـزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها " . وعن عمران بن حصين قال : أصاب المسلمون رجلاً من بني عقيل , فأتوا به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد ! إنّي مسلم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو كنتَ قلتَ , وأنتَ تملك أمرَك , أفلحتَ كلَّ الفلاح . رواهما مسلم . قال في المغنى : ويحتمل أن هذا في الكافر الأصلي , أو مَن جحد الوحدانية , وأمّا مَن كفر بجحد نبي أو كتاب أو فريضة ونحو هذا , فلا يصير مسلماً بذلك , لأنه ربما اعتقد أن الإسلام ما هو عليه , فإنّ أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون , ومنهم مَن هو كافر .
( وإن كتب كافر الشهادتين , صار مسلماً ) لأن الخط كاللفظ .
( وإن قال : أسلمت , أو : أنا مسلم , أو : أنا مؤمن , صار مسلماً ) بذلك , وإنْ لَم يتلفظ بالشهادتين لِما تقدم .
( ولا يُقبل في الدنيا بحسب الظاهر توبةُ زنديق , وهو المنافق الذي يظهر الإسلام , ويخفي الكفر ) , لقوله تعالى : " .. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا .. " , والزنديق لا يعلم تبين رجوعه , وتوبته , لأنه لا يظهر منه التوبة خلاف ما كان عليه , فإنه كان ينفي الكفر عن نفسه قبل ذلك , وقلبه لا يطلع عليه .
( ولا مَن تكررت ردّتُه ) لقوله تعالى : " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لَم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً " , وقوله : " إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم " , ولأن تكرار ردّته يدل على فسادِ عقيدته وقلّةِ مبالاته بالإسلام .
( أو سبَّ اللهَ تعالى أو رسولَه أو مَلَكَاً له ) لعظيم ذنبه جداً , فيدل على فساد عقيدته , قال أحمد : لا تقبل توبةُ مَن سبَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - .
( وكذا مَن قذف نبياً أو أمه ) لما في ذلك من التعرض للقدح في النبوة الموجب للكفر .
( ويُقتل , حتى ولو كان كافراً , فأسلم ) , لأن قتله حدُّ قذفِه , فلا يسقطُ بالتوبة كقذف غيرهما . ومَن قذف عائشةَ بما برأها اللهُ منه كفرَ بلا خلافٍ . انتهى
ملاحظة :
مابين القوسين : متن ( الدليل ) , وهو للشيخ مرعي الكرمي الحنبلي ت 1033 هـ .
وماعداه , فهو : ( منار السبيل في شرح الدليل ) , وهو للشيخ إبراهيم الضويان الحنبلي ت 1353 هـ .
رحمهما الله تعالى
من طبعة : مكتبة دار المعارف - الرياض , تحقيق : محمد عيد العباسي .