المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة ذو الخويصرة التميمي


ابو احمد المدني
12-19-2003, 11:27 PM
 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: (( ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل )).
فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟
فقال: (( دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس )).
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته. قال: فأنزلت فيه: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ}

أخرجه البخاري في كتاب: استتابة المرتدين / باب: من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس عنه رقم: 3414.

معاني الكلمات:
(لا يجاوز تراقيهم) لا يتعداها، والتراقي جمع ترقوة وهي عظم يصل ما بين ثغرة النحر والعاتق، والمراد: لا يفقهون معناه، ولا تخشع له قلوبهم، ولا يؤثر في نفوسهم، فلا يعملون بمقتضاه.
(يمرقون) يخرجون منه سريعا دون أن يستفيدوا منه.
(الرمية) هو الصيد المرمي، شبه مروقهم من الدين بمروق السهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه ويخرج منه دون أن يعلق به شيء منه، لشدة سرعة خروجه.
(نصله) حديدة السهم.
(رصافه) هو العصب الذي يلوى فوق مدخل النصل.
(قدحه) هو عود السهم قبل أن يوضع له الريش.
(قذذه) جمع قذة وهي واحدة الريش الذي يعلق على السهم.
(قد سبق الفرث والدم) أي لم يتعلق به شيء منهما لشدة سرعته، والفرث ما يجتمع في الكرش مما تأكله ذوات الكروش.
(آيتهم) علامتهم.
(البضعة) قطعة اللحم.
(تدردر) تضطرب وتذهب وتجيء.
(حين فرقة) أي زمن افتراق بينهم، وفي رواية (على خير فرقة) أي أفضل طائفة.

 وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: بعث علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهبية، فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا، قال: (( إنما أتألفهم )). فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية محلوق، فقال: اتق الله يا محمد، فقال: (( من يطع الله إذا عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنونني )).
فسأل رجل قتله - أحسبه خالد بن الوليد - فمنعه، فلما ولى قال: (( إن من ضئضئ هذا، أو: في عقب هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد )).

أخرجه البخاري في باب: قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم رقم: 3166
معاني الكلمات:
(بذهبية) قطعة من ذهب.
(صناديد) رؤساء، جمع صنديد.
(غائر العنين) عيناه داخلتان في رأسه لاصقتان بقعر الحدقة، ضد الجاحظ.
(مشرف الوجنتين) عاليهما، والوجنتان العظمان المشرفان على الخدين، وقيل لحم جلد الخدين.
(كث اللحية) كثير شعرها.
(ضئضئ) هو الأصل والعقب، وقيل: هو كثرة النسل.
(لا يجاوز حناجرهم) لا يفقهون معناه ولا ينتفعون بتلاوته.
(يمرقون) يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ من الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق بالسهم من دمه شيء.
(الرمية) الصيد المرمي.
(قتل عاد) أي أستأصلهم بالكلية بأي وجه، ولا أبقي أحدا منهم]

قال البخاري في "صحيحه" : ( وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين ) فتح الباري (12/282)

قال ابن حجر في وصف بعض أنواع الخوارج: " والقَعَدية الذين يُزَيِّنون الخروجَ على الأئمة ولا يباشِرون ذلك "
((هدي الساري)) ص (483) وانظر (( الإصابة )) عند ترجمة عمران بن حطّان

وقال عبد الله بن محمد الضعيف: " قَعَدُ الخوارج هم أخبث الخوارج "
رواه أبو داود في (( مسائل أحمد )) ص (271) بسند صحيح

صفة مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة أربعين من الهجرة :

كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه خير أهل الأرض في ذلك الزمان أعبدهم وأزهدهم وأعلمهم وأخشاهم لله عز وجل ومع هذا كله خذلوه أهل العراق وتخلوا عنه حتى كره الحياة وتمنى الموت وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن فكان يكثر أن يقول: ما يحبس اشقاها؟. أي: ما ينتظر؟ ماله لا يقتل؟ ثم يقول: والله لتخضبن هذه ويشير إلى لحيته من هذه ويشير إلى هامته.

عن عثمان بن صهيب عن أبيه قال: قال علي رضي الله عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أشقى الأولين )) قلت: عاقر الناقة. قال: (( صدقت)) قال: ((فمن أشقى الآخرين)) قلت: لا علم لي يا رسول الله. قال: (( الذي يقتلك ))
رواه الطبراني وأبو يعلى وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح1088)

قال الحافظ ابن كثير في (( البداية والنهاية )) (6/7):
ذكر ابن جرير وغير واحد من علماء التاريخ والسير وأيام الناس أن ثلاثة من الخوارج وهم عبد الرحمن بن عمرو المعروف بابن ملجم الحميري ثم الكندي حليف بني حنيفة من كندة المصري وكان أسمر حسن الوجه أبلج شعره مع شحمة أذنيه وفي وجهه أثر السجود. والبرك بن عبد الله التميمي. وعمرو بن بكر التميمي ايضا.
اجتمعوا فتذاكروا قتل علي إخوانهم من أهل النهروان، فترحموا عليهم، وقالوا ماذا نصنع بالبقاء بعدهم؟! كانوا من خير الناس وأكثرهم صلاة وكانوا دعاة الناس إلى ربهم، ولا يخافون في الله لومة لائم. فلو شرينا أنفسنا، فأتينا أئمة الضلالة فقتلناهم فأرحنا منهم البلاد وأخذنا منهم ثأر إخواننا.
فقال ابن ملجم: أما أنا فأكفيكم على ابن أبي طالب.
وقال البرك: وأنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان.
وقال عمرو بن بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص.
فتعاهدوا وتواثقوا أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم فسمّوها واتعدوا لسبع عشرة من رمضان؛ أن يبيت كل واحد منهم صاحبه في بلده الذي هو فيه.

فأما ابن ملجم، فسار إلى الكوفة فدخلها وكتم أمره حتى عن أصحابه من الخوارج الذين هم بها، فبينما هو جالس في قوم من بني الرباب يتذاكرون قتلاهم يوم النهروان إذ أقبلت امرأة منهم يقال قطام بنت الشجنة قد قتل على يوم النهروان أباها وأخاها، وكانت فائقة الجمال، مشهورة به، وكانت قد انقطعت في المسجد الجامع تتعبد فيه، فلما رآها ابن ملجم سَلَبَتْ عقله ونسي حاجته التي جاء لها وخطبها إلى نفسها، فاشترطت عليه ثلاثة آلاف درهم، وخادما، وقينة، وأن يقتل لها علي بن أبي طالب، قال: فهو لك، ووالله ما جاء بي إلى هذه البلدة إلا قتل علي.
فتزوجها ودخل بها، ثم شرعت تحرضه على ذلك، وندبت له رجلا من قومها من تيم الرباب يقال له وردان ليكون معه ردءا، واستمال ابن ملجم رجلا آخر يقال له شبيب بن نجدة الأشجعي الحروري قال له ابن ملجم: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ فقال: وما ذاك؟! قال: قتل علي. فقال: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئا إدّاً، كيف تقدر عليه؟ قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه فان نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا وإن قتَلَنا فما عند الله خير من الدنيا. فقال: ويحك! لو غير علي كان أهون علىَّ؛ قد عرفت سابقته في الإسلام وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أجدني أنشرح صدرا لقتله فقال: أما تعلم أنه قتل أهل النهروان؟ فقال: بلى. قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا. فأجابه إلى ذلك بعد لأيٍ.
ودخل شهر رمضان، فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت، وقال: هذه الليلة التي واعدت أصحابي فيها أن يثأروا بمعاوية وعمرو بن العاص فجاء هؤلاء الثلاثة وهم ابن ملجم ووردان وشبيب وهم مشتملون على سيوفهم، فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج جعل يُنهض الناس من النوم إلى الصلاة؛ ويقول: الصلاة، الصلاة، فثار إليه شبيب بالسيف فضربه فوقع في الطاق، فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه فسال دمه على لحيته رضي الله عنه.
ولما ضربه ابن ملجم قال (لاحكم إلا لله) ليس لك يا علي ولا لأصحابك، وجعل يتلو قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد) ونادى علي: عليكم به، وهرب وردان فأدركه رجل من حضرموت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه، وفات الناس، ومُسك ابن ملجم وقدم على جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس صلاة الفجر، وحمل علي إلى منزله وحمل إليه عبد الرحمن بن ملجم، فأوقف بين يديه وهو مكتوف قبحه الله، فقال: له أي عدو الله؛ ألم أحسن إليك؟. قال: بلى. قال: فما حملك على هذا؟. قال: شحذته أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه فقال له علي: لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا من شر خلق الله. ثم قال: إن مت فاقتلوه وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به.

وقال ابن ملجم: والله لقد ضربته ضربة لو أصابت أهل المصر لماتوا أجمعين والله لقد سممت هذا السيف شهرا ولقد اشتريته بألف وسممته بألف.

وقد امتدح ابن ملجم بعض الخوارج المتأخرين في زمن التابعين وهو عمران بن حطان([1]) وكان أحد العباد ممن يروى عن عائشة في ((صحيح البخاري)) فقال فيه :

يا ضربة من تقى ما أراد بها *** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إنـي لأذكـره يوما فأحسبه *** أوفـى البريـة عند الله ميزانـا

فعارضه الامام أبو الطيب الطبري فقال:
اني لابرأ مما أنت تذكره *** عن بن ملجم الملعون بهتانا
اني لأذكره يوما فألعنه *** دينا وألعن عمران بن حطان

وأما صاحب معاوية وهو البرك فأنه حمل عليه وهو خارج إلى صلاة الفجر في هذا اليوم فضربه بالسيف وقيل بخنجر مسموم فجاءت الضربة في وركه فجرحت إليته ومسك الخارجي فقتل وقد قال لمعاوية اتركني فأني أبشرك ببشارة فقال وما هي فقال إن أخي قد قتل في هذا اليوم علي بن أبي طالب قال فلعله لم يقدرعليه قال بلى إنه لا حرس معه فأمر به فقتل وجاء الطبيب فقال لمعاوية إن جرحك مسموم فاما أن أكويك وأما أن أسقيك شربة فيذهب السم ولكن ينقطع نسلك فقال معاوية أما النار فلا طاقة لي بها وأما النسل ففي يزيد وعبد الله ما تقر به عيني فسقاه شربة فبرأ من ألمه وجراحه واستقل وسلم رضي الله عنه ومن حينئذ عملت المقصورة في المسجد الجامع وجعل الحرس حولها في حال السجود فكان أول من اتخذها معاوية لهذه الحادثة
وأما صاحب عمرو بن العاص وهو عمرو بن بكر فأنه كمن له ليخرج إلى الصلاة فاتفق أن عرض لعمرو بن العاص مغص شديد في ذلك اليوم فلم يخرج إلا نائبه إلى الصلاة وهو خارجة بن أبي حبيبة من بني عامر بن لؤي وكان على شرطة عمرو بن العاص فحمل عليه الخارجي فقتله وهو يعتقده عمرو بن العاص فلما أخذ الخارجي قال أردت عمرا وأراد الله خارجة فأرسلها مثلا وقتل قبحه الله وقد قيل إن الذي قالها عمرو بن العاص وذلك حين جىء بالخارجي فقال ما هذا قالوا قتل نائبك خارجة ثم أمر به فضربت عنقه فلما مات علي إني أعرض عليك خصلة قال وما رضي الله عنه استدعى الحسن بابن ملجم فقال له ابن ملجم هي قال إني كنت عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما فأن خليتني ذهبت إلى معاوية على أني لم أقتله أو قتلته وبقيت فلله على أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك فقال له الحسن كلا والله حتى تعاين النار ثم قدمه فقتله ثم أخذه الناس فأدرجوه في بوراي ثم أحرقوه بالنار وقد قيل إن عبد الله بن جعفر قطع يديه ورجليه وكحلت عيناه وهو مع ذلك يقرأ سورة أقرأ باسم ربك الذي خلق إلى آخرها ثم جاءوا ليقطعوا لسانه فجزع وقال إني أخشى أن تمر على ساعة لا أذكر الله فيها ثم قطعوا لسانه ثم قتلوه ثم حرقوه في قوصرة والله أعلم وصلى الله على محمد .

أبو مصعب المكي
12-22-2003, 01:18 PM
جزاك الله خيراً......... حبذا أن تستخلص الفوائد من هذا الطرح والتأصيل

وحياك الله أخي الحبيب ( أحمد المدني )

:)

ابو احمد المدني
12-22-2003, 09:54 PM
بسم الله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن اقتفى اثره واتبع سنته الى يوم الدين اما بعد :
فنظراً لما حدث في بلادنا بلاد التوحيد والسنة من تكفير ادا الى تفجير وتدمير فاحببت توضيح بعض النقاط ورد بعض الشبهات والاستفادة من الطرح السابق ونظرة الى النتيجة المجنية والمأساوية التي في القصة السابقة ابين الآتي :
نحن لا ننكرُ مشروعيةَ القتالِ في سبيلِ الله، وقد كان لهذه الأمَّةِ فيه أمجادٌ، وضَربَت فيه المثلَ الأعلى، إلاَّ أنَّ قتالَ المسلمِ للمسلمِ ليس بجهادٍ، ولا كرامة! وقد قال الله تعالى: {ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء 93].
بل وقتالُ الكفَّارِ عند اسْتضعافِ المسلمينَ ليس بجهادٍ، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٍ}، الآية [النساء 77].
يوضِّحه أنَّ جهادَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بأربع مراحل:
1 ـ مرحلة الكفِّ عن القتال، وهي أطولها، ودليلها الآية السابقة.
2 ـ مرحلة الإذن بالقتال من غير أمر به، ودليلها ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( لَمَّا أُخرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم من مكَّة، قال أبو بكر: أَخرَجوا نبيَّهم؟ إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! لَيَهْلِكُنَّ. فنزلت: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِم لَقَدِيرٌ} [الحج 39]، فعرفتُ [أي أبو بكر] أنَّه سيكون قتال، قال ابن عباس: فهي أوَّلُ آية نزلت في القتال ))( ).
3 ـ مرحلة قتال مَن قاتل المسلمين والكف عن غيرهم، ودليلها قول الله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ الله الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُم وَلاَ تَعْتَدُوا} [البقرة 190].
4 ـ مرحلة قتال كلِّ كافر حتى يُسلم، ودليلها قول الله تعالى: {تُقَاتِلُونَهُم أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح 16]، أو يُعطي الجزية وهو ذليل صاغر، على تفصيل معروف في محلِّه، والدليل قول الله عزَّ وجلَّ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة 29]( ).
فمن هنا أخذ العلماء أنَّه لا يجوز للمسلمين ـ أيام ضعفهم ـ قتال الكافرين، تأسِّياً برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنَّه لا يجوز للمسلمين حينذاك أن يُلقوا بأيديهم إلى التهلكة، بل دمُ الكافرِ ـ في هذه المرحلة ـ معصومٌ كعصمةِ دم المسلم؛ قال ابن تيمية رحمه الله: (( إنَّ المسلمين كانوا مَمنوعين قبل الهجرة من الابتداء بالقتال، وكان قتلُ الكفَّار حينئذٍ محرَّماً، وهو من قتل النَّفسِ بغيرِ حقٍّ، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُم كُفُّوا أَيْدِيَكُم}، إلى قوله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِم القِتَالُ} [النساء 77] ))( ).
ثمَّ علَّل ذلك بقوله: (( وهذا وجهٌ حسنٌ دقيقٌ؛ فإنَّ الأصلَ أنَّ دمَ الآدميِّ معصومٌ، لا يُقتل إلاَّ بالحقِّ ... وكان دمُ الكافرِ في أوَّلِ الإسلام معصوماً بالعصمة الأصليةِ، وبمنعِ الله المؤمنين من قَتْله، ودماءُ هؤلاء القومِ كدمِ القِبْطِيِّ الذي قتَلَه موسى( )، وكدمِ الكافرِ الذي لَم تبلغْه الدعوةُ في زماننا، أو أحسن حالاً من ذلك، وقد عدَّ موسى ذلك ذنباً في الدنيا والآخرةِ( )، مع أنَّ قتْلَه كان خطأً شبهَ عمدٍ، أو خطأ محضاً، ولم يكن عمداً محضاً ))( ).
قلتُ: وهذا الحكمُ ليس منسوخاً نسخاً مطلقاً، بحيث لا يجوز العمل به بعد كمال الشريعة( )، وإنَّما الأمر تابعٌ لضَعفِ المسلمين أو قوَّتِهم، وبهذا شرح ابن تيمية ذلك فقال: (( فمَن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مُستضعَفٌ، أو في وقتٍ هو فيه مستضعَفٌ، فليعمَلْ بآية الصبر والصَّفح عمَّن يؤذي اللهَ ورسولَه من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأمَّا أهلُ القوَّةِ فإنَّما يعملونَ بآيةِ قتالِ الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون ))( ).
فبان من كلام الشيخ أنَّ النسخَ المصطلح عليه عند المتأخِّرين غيرُ واردٍ هنا.
فتأمَّل هذا أيُّها المتعلِّم! وأيُّها الفقيه! وأيُّها المجاهد!
فإنَّه استنباطُ الراسخين في العلمِ مثلُ هذا الإمامِ الذي لَم تلِدِ النساءُ بعدَه مثلَه!
وبهذا تَفهَمُ سرَّ تشبيهِ العالِمَيْنِ الجليلَين: ابن باز والألباني هذه المرحلة بالمرحلة المكية التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة في أولِ دعوتِه.

هذا يعني أنَّنا لو سلَّمنا لأولئك الثوَّار بأنَّ هؤلاء الحكَّام كفَّارٌ، فلا يجوز لهم حملُ السلاحِ في وجوههِم؛ لأنَّ دماءَهم معصومةٌ، كما سبق.
ولذلك كان بحثُ التكفير ههنا غيرَ ذي موضوعٍ؛ لأنَّه لا أثرَ له في مسألةِ الخروج.
فلو زعموا أنَّ الحكَّامَ كفَّارٌ، فلا يجوز الخروجُ عليهم في مرحلةِ الاستضعاف هذه التي يعيشُها المسلمون اليومَ.
وإنْ قالوا: هم مسلمون، لكنَّهم ظلمة ...
قلنا: قد دلَّت النصوصُ الشرعيَّةُ على عدم جواز الخروجِ على الحاكم المسلم ولو كان ظالماً، ومن هذه الأدلَّة حديثُ عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( خِيارُ أئمَّتكم [أي حُكَّامكم] الذين تُحبُّونهم ويُحبُّونكم، ويُصلُّون عليكم [أي يَدْعُون لكم] وتُصلُّون عليهم، وشرارُ أئمَّتكم الذين تُبغضونهم ويُبغضونكم، وتَلعنونهم ويَلعنونكم، قيل: يا رسول الله! أفلا نُنابذُهم بالسيفِ؟ فقال: لا! ما أقاموا الصلاةَ، لا! ما أقاموا الصلاةَ، وإذا رَأيتُم من وُلاتِكم شيئاً تكرهونه فاكرَهوا عملَه، ولا تنزِعوا يداً من طاعةٍ ))( ).
ثمَّ إنَّ الذي يُقدِّر هذا الظرفَ ويُعطيه حكمَه إنَّما هو العالِم المتبحِّر، كما سيأتي في كلام العلاَّمة ابن عثيمين إن شاء الله، ولذلك لَمَّا ادَّعى ابنُ المطهر الشيعي الرافضي أنَّ جهادَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الجهاد المشروع دون غيره، رَدَّ عليه ابن تيمية، وبيَّن له الفرق بين جهاد أصحاب أبي بكر وجهاد أصحاب عليٍّ، وذكر له أنَّ هؤلاء كانوا يُقْدمون على القتال حين لا يُؤمَرون به شرعاً، كما في الجمل، وكانوا ينكلون عنه حين يُؤمرون به شرعاً، بخلاف جهاد أصحاب أبي بكر رضي الله عنه، وسبب ذلك أنَّ عليًّا رضي الله عنه ابتُلي بأصحابٍ لم يكونوا في العلم مثل أصحاب أبي بكر، ولذلك بيَّن ابنُ تيمية أنَّ خواصَّ أهل العلم هم القادرون على معرفة وقت مشروعيَّة الجهاد من عدمه، فقال: (( وفي الجملةِ فالبحثُ في هذه الدقائق من وظيفة خواصِّ أهل العلم ))( ).
ولقد صدق ـ رحمه الله ـ؛ فإنَّ الله يقول: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء 83]، فأين هم من هذا الفقه؟!
هذا مع ملاحظة شرطٍ آخرَ لَم يختلف فيه أهلُ العلم، ألا وهو القيادةُ الشرعيَّةُ.
ودليله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّما جُعل الإمام جُنَّة يُقاتَل مِن ورائه، ويُتَّقَى به، فإن أمر بتقوى الله وعَدَل فإنَّ له بذلك أجراً، وإن أَمَر بغيره فإنَّ عليه وِزْراً ))( ).
وفي الحديث فائدتان:
ـ الأولى: ما نحن بصدده، من أنَّه لا بدَّ للناس من أمير للقتال معه كما سيأتي في كلام ابن جرير.
ـ والثانية: أنَّه (( لم يُقيِّد ذلك بما إذا كان الإمام عادلاً ))، قاله ابن حجر( ).
وأما إذا كان المسلمون الذين يَطمحون إلى إقامة شرع الله متفرِّقِين، على أمراء متعدِّدين في رقعة واحدة، فقد جاء بيانه في حديثُ حذيفة رضي الله عنه حين سأل رسولَ الله عن مُجتمعٍ لا قائد فيه، فقال: فإن لم يَكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال صلى الله عليه وسلم : (( فاعتَزِلْ تلكَ الفرق كلَّها ... ))( ).
وقال ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ: (( في الحديث أنَّه متى لَم يكن للنَّاسِ إمامٌ فافترق الناسُ أحزاباً فلا يَتَّبِع أحداً في الفُرقةِ، ويعتزِل الجميعَ إنْ استطاعَ ذلك خشيةً من الوقوعِ في الشرِّ ))( ).
وقال الكرماني: (( فيه الإشارةُ إلى مساعدةِ الإمامِ بالقتال ونحوِه إذا كان إمامٌ، وإن كان ظالِماً عاصياً، والاعتزال إن لم يكن ))( ).
قلتُ: فإن زعمتم أنَّ إمامَكم هو أميركم المختفي في الجبال، قلنا:
فمَن بايعه من أهل العلم؟ مع أنَّكم لا تفتأون تذبحون أميراً، وتُبايِعون
أميراً! بل ما بين وقت وآخر تتحيَّزُ فئةٌ عن مثيلاتها، ويتبادلون تُهم الرِّدة والتكفير!!

ابو احمد المدني
12-22-2003, 10:02 PM
وأين الطائفة المنصورة حتى نبايعها؟! وهل تكون طائفة منصورة لا علماء لها؟! مع أنَّ السلفَ قد أجمعوا على أنَّها تتمثَّل في أهل العلم أصحاب الحديث، راجع (( شرف أصحاب الحديث )) للخطيب البغدادي.
وإن قلتُم: اليوم عندنا إمام وهو الذي على رأس الحكومة.
قلنا: إذاً فحَمْلُكم السلاحَ حرامٌ، وهو الحقُّ.
وإن زعمتُم أنَّه لا إمام، فقد علمتم أنَّكم مُطالبون باعتزالِ القتال؛ لأنَّكم جماعاتٌ، وما أكثر فرَقَكم على شدَّة بأسٍ بينكم!
فهل أنتم عاملون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
واعلموا أنَّ الخارجيَّ ليس هو مَن خرج على الإمام العادل فحسب، بل مَن خرج على الإمام الجائر سُمِّيَ خارجياً، قال الإمامُ الآجريُّ رحمه الله:
(( فلا ينبغي لِمَن رأى اجتهادَ خارجيٍّ، قد خرَج على إمامٍ، عدلاً كان الإمام أو جائراً، فخرج وجمع جماعةً، وسلَّ سيفَه، واستحلَّ قتالَ المسلمين، فلا ينبغي له أن يَغتَرَّ بقراءتِه للقرآن، ولا بطولِ قيامِه في الصلاة، ولا بدوامِ صومِه، ولا بِحُسن ألفاظِه في العلم، إذا كان مذهبُه مذهبَ الخوارج ))( ).
وقال ابن القاسم: سمعتُ مالكاً يقول: (( إنَّ أقواماً ابتغوا العبادةَ وأضاعوا العلمَ، فخرجوا على أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم بأسيافهم، ولو اتَّبعوا العلمَ لَحَجَزَهم عن ذلك ))( ).
وقال الآجريُّ أيضاً: (( قد ذكرتُ من التحذير من مذهب الخوارج ما فيه بلاغٌ لِمَن عصمه الله تعالى عن مذاهب الخوارج، ولَم يَرَ رأيَهم، فصبر على جَوْر الأئمَّة، وحيف الأمراء، ولَم يَخرُج عليهم بسيفه، وسأل الله تعالى كشفَ الظلمِ عنه وعن المسلمين، ودعا للوُلاة بالصَّلاحِ وحجَّ معهم، وجاهد معهم كلَّ عدُوٍّ للمسلمين، وصلَّى خلفَهم الجمعةَ والعَيدين، وإن أمروه بطاعةٍ فأمكنَه أطاعهم، وإن لَم يُمكنه اعتذر إليهم، وإن أمروه بِمعصيةٍ لم يُطعهم، وإذا دارت الفتنُ بينهم لزمَ بيتَه، وكفَّ لسانَه ويدَه، ولَم يَهْوَ ما هم فيه، ولَم يُعِن على فتنة، فمَن كان هذا وصفُه كان على الصراط المستقيم إن شاء الله ))( ).
وقال اللالكائيُّ مُقرِّراً عقيدة أهل السنة، وناقلاً هنا عن أحمد بن حنبل قولَه: (( ومَن خرج على إمام من أئمة المسلمين ـ وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان: بالرضا أو بالغلبة ـ فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مات الخارجُ عليه مات ميتةً جاهلية.
ولا يَحلُّ قتالُ السلطان ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناسِ، فمَن فعل ذلك فهو مبتدعٌ على غير السنَّة والطريق ))( ).
قلت: نسأل هؤلاء الحركيِّين الذين يزعمون أنَّ المسألةَ خلافيةٌ: هل يُعَدُّ بعد هذا العرض مَن ينتحلُ الخروجَ من أهل السنة؟
قيل لسَهل بن عبد الله التستري: (( متى يعلمُ الرجلُ أنَّه على السنة والجماعة؟
فقال ـ رحمه الله ـ: إذا علِم من نفسه عشر خصالٍ:
ـ لا يترك الجماعة.
ـ ولا يسبُّ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ـ ولا يخرج على هذه الأُمَّة بالسيف.
ـ ولا يُكذِّب بالقدر.
ـ ولا يَشكُّ في الإيمان.
ـ ولا يُماري في الدِّين.
ـ ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب.
ـ ولا يترك المسح على الخُفَّين.
ـ ولا يترك الجماعة خَلْف كلِّ والٍ جارَ أو عدلَ ))( ).
وإن زعم زاعمٌ أنَّ الخلافَ واردٌ فيه، قيل له: قد ذكر ابنُ تيمية أنَّ الأمرَ قد استقرَّ بعد ذلك على المنع من الخروج( )، ولذلك نقل غيرُ واحدٍ من أهل العلم الإجماعَ عليه، منهم:
ـ البخاري، فقد ذكر هذه العقيدة (أي: ترك الخروج على الولاة) وقال:
(( لقيتُ أكثرَ من ألف رجل من أهل العلم: أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر، لقيتُهم كرَّاتٍ، قرناً بعد قرن، ثمَّ قرناً بعد قرن (أي طبقة بعد طبقة)، أدركتُهم وهم متوافروان منذ أكثر من ستٍّ وأربعين سنة، أهل الشام ومصر والجزيرة مرَّتين، والبصرة أربع مرَّات في سنين ذوي عدد، بالحجاز ستة أعوام، ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفةَ وبغداد مع محدِّثي أهل خراسان منهم ... ))، وسمَّى عدداً من أهل العلم، ثمَّ قال: (( واكتفينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصراً، وأن لا يطول ذلك، فما رأيتُ واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء ))( ).
قلت: تأمَّل هذا، وأدركْ نفسَك على مذهبهم قبل أن يُحال بينك وبين الحقِّ، وهل يَسْعَدُ مؤمنٌ بمفارقتهم؟!
ـ أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، فقد قرَّرَا هذه العقيدة، وقالا:
(( أدركنا العلماءَ في جميع الأمصار: حجازاً وعراقاً وشاماً ويَمَناً ... ))( ).
ـ ابن بطَّة العُكبري، فقد قال ـ رحمه الله ـ: (( ثمَّ مِن بعد ذلك الكفُّ والقعودُ في الفتنةِ، ولا تخرج بالسيف على الأئمَّة وإن ظلموا ))( ).
قاله بعد قوله: (( ونَحن الآن ذاكرون شَرْحَ السُنَّةِ ووصفَها، وما
هي في نفسِها، وما الذي إذا تَمسَّك به العبدُ ودان اللهَ به سُمِّي بها
واستحقَّ الدخولَ في جُملة أهلِها، وما إن خالفه أو شيئاً منه دخل
في جُملةِ ما عِبناه وذكرناه، وحذَّر منه من أهل البدع والزَيغ( )، مِمَّا أجْمَعَ( ) على شرحنا له أهلُ الإسلام وسائرُ الأمَّةِ، مُذْ بعثَ اللهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا ))( ).
ـ المُزني صاحبُ الشافعي، قال رحمه الله: (( وتركُ الخروج عند تعَدِّيهم وجَوْرِهم، والتوبة إلى الله عزَّ وجلَّ كيما يَعطفَ بهم على رعيَّتِهم ))( ).
ثم ذكر إجماعَ الأئمَّة على هذا فقال: (( هذه مقالاتٌ وأفعالٌ اجتمعَ عليها الماضون الأوَّلون من أئمَّةِ الهُدى، وبتوفيق الله اعتصمَ بها التَّابعون قدوةً ورِضًى، وجانبوا التَّكَلُّفَ فيما كُفُوا، فسُدِّدوا بعون الله ووُفِّقوا، ولم يرغبوا عن الاتِّباع فيُقصِّروا، ولم يُجاوزوه تَزَيُّداً فيَعتَدوا، فنحن بالله واثقون، وعليه متوَكِّلون، وإليه في اتِّباع آثارهِم راغبون ))( ).
ـ النووي، فقد قال رحمه الله: (( وأمَّا الخروج عليهم وقتالُهم: فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقةً ظالمين؛ وقد تظاهرت الأحاديثُ بمعنى ما ذكرتُه، وأجمع أهلُ السنَّة أنَّه لا ينعزلُ السلطان بالفسق ))( ).
ـ الطيبِي (743هـ) قال: (( وأمَّا الخروجُ عليهم وتنازعهم (هكذا) فمُحرَّمٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسَقَةً ظالِمين، وأجمع أهلُ السُنَّة على أنَّ السلطانَ لا ينعَزِلُ بالفسقِ؛ لتهيج الفتن في عزلِه، وإراقة الدِّماء، وتفرُّق ذات البَيْن، فتكون المفسدةُ في عزلِه أكثر منها في بقائه ))( ).
ـ محمد بن أحمد بن مُجاهد البصري الطائي، وهو شيخ الباقلاني، نقله عنه ابنُ حزم( ).
ـ ابن المنذر، فقد قال ـ رحمه الله ـ: (( كلُّ مَن يُحفظ عنه من علماء الحديث كالمُجمِعين‏ على استثناءِ السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جَوْرِه وترك القيام عليه ))( )، يريدُ تركَ الإنكارِ عليه باليد.
وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ المقام لا تتَّسع له هذه المقدَّمة، وإنَّما ذكرتُ مِن عيون هذه المسألة ما فيه بلاغٌ لِمَن أراد أن يَعرِف الحقَّ ويلتزمَ به.
فالْزَم غرزَ هؤلاء؛ فَهُمُ القومُ لا يشقى بهم جليسُهم، ودَعْكَ من إرجاف عُشَّاق الثورات، مهما انتسبوا زوراً إلى (أهل السنة والجماعة!)، ومهما تظاهروا بالغيرة على تحكيم الشريعة، فهذا حُكم الشريعة لو كانوا وَقَّافين عند حدودِها!

وكون الشباب يرغبونَ في الخروجِ عن فتاوى أهل العلم الذين لا يُشاركونهم الرأيَ في مصادمةِ الحُكَّام سنَّة قديمة للخوارج؛ فقد روى سليمان بن علي الرَّبعي قال: (( لَمَّا كانت الفتنةُ فتنة ابن الأشعث، إذ قاتَل الحجَّاجَ بنَ يوسفَ، انطلق عقبةُ بن عبد الغافر وأبو الجَوزاء وعبد الله بنُ غالب في نَفَرٍ من نظرائهم، فدخلوا على الـحسن ـ أي البصري ـ فقالوا: يا أبا سعيد! ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدمَ الحرامَ، وأخَذَ المالَ الحرامَ، وتركَ الصلاة، وفعل، وفعل ...؟ قال: وذكروا مِن فعل الحجَّاجِ ...( )، قال: فقال الحسن: أَرَى أن لا تُقاتلوه؛ فإنَّها إن تكن عقوبةً من الله فما أنتم برادِّي عقوبةِ الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكمَ الله، وهو خيرُ الحاكمين( ).
قال: فخرجوا مِن عنده وهم يقولون: نُطيع هذا العِلْجَ( )؟!
قال: وهم قومٌ عربٌ! قال: وخرجوا مع ابن الأشعث، قال: فقُتلوا جميعاً! ))( ).

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فيمَن خرج على بعض خلفاء بني أميَّة كابن الأشعث، وابن المهلب: (( فهُزموا وهُزم أصحابُهم، فلا أقاموا دِيناً، ولا أبْقوا دُنيا، والله تعالى لا يأمر بأمرٍ لا يحصل به صلاحُ الدِّين ولا صلاحُ الدنيا، وإن كان فاعلُ ذلك من أولياء الله المتَّقين ومن أهل الجنَّة ... ))( ).

ابو احمد المدني
12-22-2003, 10:16 PM
( ) رواه أحمد (1/216)، والترمذي (3171)، والنسائي (6/2)، والحاكم (2/66)، وهو صحيح.
(2) انظر: زاد المعاد لابن القيم (3/70 ـ 71)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (28/349 ...).
(3) الصارم المسلول (2/208).
(4) يريد قول الله تعالى: {وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [القصص 15].
(5) أمَّا عدُّ موسى قتلَ القبطيِّ الكافر ذنباً في الدنيا، فذلك قولُ الله تعالى عنه: {قَالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص 13].
وأمَّا عدُّه ذنباً في الآخرة، ففي حديث الشفاعة، حيث ذكر النبيُّ  أنَّ الناس إذا طلبوا
الشفاعة من موسى  اعتذر قائلاً: (( إنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثلَه ولن يغضبَ بعده مثلَه، وإنِّي قد قتلتُ نفساً لم أُومر بقتلها، نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري ... )). رواه البخاري (4712).
(6) الصارم المسلول (2/210).
(7) انظر نظائرَه في مجموع فتاوى ابن تيمية (13/29 ـ 30)، وإعلام الموقعين لابن القيم (1/35)، والموافقات للشاطبي (3/107 ـ 117)، وتفسير القرطبي (2/288).
(8) الصارم المسلول (2/413 ـ 414).
(9) رواه مسلم (1855).
(10) منهاج السنة (4/504).
(11) رواه البخاري (2957)، ومسلم (1841).
(12) فتح الباري (6/56).
(13) رواه البخاري (7084)، ومسلم (1847).
(14) انظر: فتح الباري (13/37)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (10/36).
(15) شرح البخاري (24/162).
(16) الشريعة (1/345).
(17) عن مفتاح دار السعادة لابن القيم (1/119).
(18)الشريعة (1/371 ـ 372).
(19) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/181)، ومثله في (ص:188 ـ 189) عن علي بن المديني. ( ) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (324).
(20) انظر: منهاج السنة (4/529)، والمنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال لتلميذه الذهبي (ص:297).

(21) رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (320).
(22) المصدر السابق (321 ـ 323).
(23) الشرح والإبانة (ص:276 ـ 277).
(24) تأمَّل في هذا؛ لِتَعْلم مَن يستحقُّ لقب (أهل السنة والجماعة)، كما قال أحمد وابن المديني وغيرُهما، وهو يدلُّك على أنَّ (تصنيف الرِّجال) بحَسَبهم سنَّةٌ متَّبعةٌ.
(25) هذا هو التنصيص على الإجماع.
(26) الشرح والإبانة (ص:175).

(27) شرح السنة (ص:85).
(28) شرح السنة (ص:88).
(29) شرح صحيح مسلم (12/229).
(30) الكاشف عن حقائق السنن (7/181 ـ 182 ـ ط. باكستان).
(31) مراتب الإجماع (ص:178).
(32) نقلاً عن سبل السلام للأمير الصنعاني (3/262).
(33) قال هشام بن حسَّان: (( أَحْصَوا ما قتل الحجَّاجُ صَبْراً، فبلغ مائة ألف وعشرين ألف قتيل! )). رواه الترمذي (2220)، وصححه الألباني في صحيح السنن.
(34) معناه: إن كان اللهُ ابتلاكم بالحجَّاج وظُلمِه، فعِلاجُه الصبرُ؛ بدليل حديث عوف بن مالك السابق.
وإن كان اللهُ سلَّطه عليكم عقوبةً لكم على ذنوبكم، فلن تُغالبوا الله؛ لأنَّكم عصيتُم الله شرعاً، فسلَّطه عليكم قَدَراً، فبدلاً من أن تشغلوا أنفسكم بمواجهته، فواجهوا السببَ الأصليَّ، ألا وهو الذنوب بالتوبة، والضراعةِ إلى الله، يدلُّ على هذا الرواية الأخرى للقصَّة، حيثُ جاء فيها أنَّ الحسنَ قال: (( يا أيُّها الناس! إنَّه والله! ما سلَّط اللهُ الحجَّاجَ عليكم إلاَّ عقوبةً، فلا تُعارضوا اللهَ بالسيف، ولكن عليكم السكينةَ والتضرُّعَ ))، رواه ابن سعد في الطبقات (7/164)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (52) بسند صحيح.
(35) العِلْجُ: هو الرجلُ من كفار العجم وغيرهم، كما في النهاية لابن الأثير (3/286)،
أي أنَّ هؤلاء الخوارج حين خالفهم الحسن البصري في هواهم، ولَم يَجدوا حجَّةً
للردِّ عليه، أخذتهم حميَّةُ القوميَّة العربية، فعابوه في نسبه! وقد كان ـ رحمه الله ـ من أَبَوَين عَبدَين مَملوكَين.
(36) رواه ابن سعد في الطبقات (7/163 ـ 164)، والدولابي في الكنى (2/121) بسندٍ صحيح.
(37) منهاج السنة النبوية (4/528)، والمنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال لتلميذه الذهبي (ص:296).

والله تعالى اعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .