ابو احمد المدني
12-19-2003, 11:27 PM
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: (( ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل )).
فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟
فقال: (( دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس )).
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته. قال: فأنزلت فيه: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ}
أخرجه البخاري في كتاب: استتابة المرتدين / باب: من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس عنه رقم: 3414.
معاني الكلمات:
(لا يجاوز تراقيهم) لا يتعداها، والتراقي جمع ترقوة وهي عظم يصل ما بين ثغرة النحر والعاتق، والمراد: لا يفقهون معناه، ولا تخشع له قلوبهم، ولا يؤثر في نفوسهم، فلا يعملون بمقتضاه.
(يمرقون) يخرجون منه سريعا دون أن يستفيدوا منه.
(الرمية) هو الصيد المرمي، شبه مروقهم من الدين بمروق السهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه ويخرج منه دون أن يعلق به شيء منه، لشدة سرعة خروجه.
(نصله) حديدة السهم.
(رصافه) هو العصب الذي يلوى فوق مدخل النصل.
(قدحه) هو عود السهم قبل أن يوضع له الريش.
(قذذه) جمع قذة وهي واحدة الريش الذي يعلق على السهم.
(قد سبق الفرث والدم) أي لم يتعلق به شيء منهما لشدة سرعته، والفرث ما يجتمع في الكرش مما تأكله ذوات الكروش.
(آيتهم) علامتهم.
(البضعة) قطعة اللحم.
(تدردر) تضطرب وتذهب وتجيء.
(حين فرقة) أي زمن افتراق بينهم، وفي رواية (على خير فرقة) أي أفضل طائفة.
وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: بعث علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهبية، فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا، قال: (( إنما أتألفهم )). فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية محلوق، فقال: اتق الله يا محمد، فقال: (( من يطع الله إذا عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنونني )).
فسأل رجل قتله - أحسبه خالد بن الوليد - فمنعه، فلما ولى قال: (( إن من ضئضئ هذا، أو: في عقب هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد )).
أخرجه البخاري في باب: قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم رقم: 3166
معاني الكلمات:
(بذهبية) قطعة من ذهب.
(صناديد) رؤساء، جمع صنديد.
(غائر العنين) عيناه داخلتان في رأسه لاصقتان بقعر الحدقة، ضد الجاحظ.
(مشرف الوجنتين) عاليهما، والوجنتان العظمان المشرفان على الخدين، وقيل لحم جلد الخدين.
(كث اللحية) كثير شعرها.
(ضئضئ) هو الأصل والعقب، وقيل: هو كثرة النسل.
(لا يجاوز حناجرهم) لا يفقهون معناه ولا ينتفعون بتلاوته.
(يمرقون) يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ من الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق بالسهم من دمه شيء.
(الرمية) الصيد المرمي.
(قتل عاد) أي أستأصلهم بالكلية بأي وجه، ولا أبقي أحدا منهم]
قال البخاري في "صحيحه" : ( وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين ) فتح الباري (12/282)
قال ابن حجر في وصف بعض أنواع الخوارج: " والقَعَدية الذين يُزَيِّنون الخروجَ على الأئمة ولا يباشِرون ذلك "
((هدي الساري)) ص (483) وانظر (( الإصابة )) عند ترجمة عمران بن حطّان
وقال عبد الله بن محمد الضعيف: " قَعَدُ الخوارج هم أخبث الخوارج "
رواه أبو داود في (( مسائل أحمد )) ص (271) بسند صحيح
صفة مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة أربعين من الهجرة :
كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه خير أهل الأرض في ذلك الزمان أعبدهم وأزهدهم وأعلمهم وأخشاهم لله عز وجل ومع هذا كله خذلوه أهل العراق وتخلوا عنه حتى كره الحياة وتمنى الموت وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن فكان يكثر أن يقول: ما يحبس اشقاها؟. أي: ما ينتظر؟ ماله لا يقتل؟ ثم يقول: والله لتخضبن هذه ويشير إلى لحيته من هذه ويشير إلى هامته.
عن عثمان بن صهيب عن أبيه قال: قال علي رضي الله عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أشقى الأولين )) قلت: عاقر الناقة. قال: (( صدقت)) قال: ((فمن أشقى الآخرين)) قلت: لا علم لي يا رسول الله. قال: (( الذي يقتلك ))
رواه الطبراني وأبو يعلى وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح1088)
قال الحافظ ابن كثير في (( البداية والنهاية )) (6/7):
ذكر ابن جرير وغير واحد من علماء التاريخ والسير وأيام الناس أن ثلاثة من الخوارج وهم عبد الرحمن بن عمرو المعروف بابن ملجم الحميري ثم الكندي حليف بني حنيفة من كندة المصري وكان أسمر حسن الوجه أبلج شعره مع شحمة أذنيه وفي وجهه أثر السجود. والبرك بن عبد الله التميمي. وعمرو بن بكر التميمي ايضا.
اجتمعوا فتذاكروا قتل علي إخوانهم من أهل النهروان، فترحموا عليهم، وقالوا ماذا نصنع بالبقاء بعدهم؟! كانوا من خير الناس وأكثرهم صلاة وكانوا دعاة الناس إلى ربهم، ولا يخافون في الله لومة لائم. فلو شرينا أنفسنا، فأتينا أئمة الضلالة فقتلناهم فأرحنا منهم البلاد وأخذنا منهم ثأر إخواننا.
فقال ابن ملجم: أما أنا فأكفيكم على ابن أبي طالب.
وقال البرك: وأنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان.
وقال عمرو بن بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص.
فتعاهدوا وتواثقوا أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم فسمّوها واتعدوا لسبع عشرة من رمضان؛ أن يبيت كل واحد منهم صاحبه في بلده الذي هو فيه.
فأما ابن ملجم، فسار إلى الكوفة فدخلها وكتم أمره حتى عن أصحابه من الخوارج الذين هم بها، فبينما هو جالس في قوم من بني الرباب يتذاكرون قتلاهم يوم النهروان إذ أقبلت امرأة منهم يقال قطام بنت الشجنة قد قتل على يوم النهروان أباها وأخاها، وكانت فائقة الجمال، مشهورة به، وكانت قد انقطعت في المسجد الجامع تتعبد فيه، فلما رآها ابن ملجم سَلَبَتْ عقله ونسي حاجته التي جاء لها وخطبها إلى نفسها، فاشترطت عليه ثلاثة آلاف درهم، وخادما، وقينة، وأن يقتل لها علي بن أبي طالب، قال: فهو لك، ووالله ما جاء بي إلى هذه البلدة إلا قتل علي.
فتزوجها ودخل بها، ثم شرعت تحرضه على ذلك، وندبت له رجلا من قومها من تيم الرباب يقال له وردان ليكون معه ردءا، واستمال ابن ملجم رجلا آخر يقال له شبيب بن نجدة الأشجعي الحروري قال له ابن ملجم: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ فقال: وما ذاك؟! قال: قتل علي. فقال: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئا إدّاً، كيف تقدر عليه؟ قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه فان نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا وإن قتَلَنا فما عند الله خير من الدنيا. فقال: ويحك! لو غير علي كان أهون علىَّ؛ قد عرفت سابقته في الإسلام وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أجدني أنشرح صدرا لقتله فقال: أما تعلم أنه قتل أهل النهروان؟ فقال: بلى. قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا. فأجابه إلى ذلك بعد لأيٍ.
ودخل شهر رمضان، فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت، وقال: هذه الليلة التي واعدت أصحابي فيها أن يثأروا بمعاوية وعمرو بن العاص فجاء هؤلاء الثلاثة وهم ابن ملجم ووردان وشبيب وهم مشتملون على سيوفهم، فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج جعل يُنهض الناس من النوم إلى الصلاة؛ ويقول: الصلاة، الصلاة، فثار إليه شبيب بالسيف فضربه فوقع في الطاق، فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه فسال دمه على لحيته رضي الله عنه.
ولما ضربه ابن ملجم قال (لاحكم إلا لله) ليس لك يا علي ولا لأصحابك، وجعل يتلو قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد) ونادى علي: عليكم به، وهرب وردان فأدركه رجل من حضرموت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه، وفات الناس، ومُسك ابن ملجم وقدم على جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس صلاة الفجر، وحمل علي إلى منزله وحمل إليه عبد الرحمن بن ملجم، فأوقف بين يديه وهو مكتوف قبحه الله، فقال: له أي عدو الله؛ ألم أحسن إليك؟. قال: بلى. قال: فما حملك على هذا؟. قال: شحذته أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه فقال له علي: لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا من شر خلق الله. ثم قال: إن مت فاقتلوه وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به.
وقال ابن ملجم: والله لقد ضربته ضربة لو أصابت أهل المصر لماتوا أجمعين والله لقد سممت هذا السيف شهرا ولقد اشتريته بألف وسممته بألف.
وقد امتدح ابن ملجم بعض الخوارج المتأخرين في زمن التابعين وهو عمران بن حطان([1]) وكان أحد العباد ممن يروى عن عائشة في ((صحيح البخاري)) فقال فيه :
يا ضربة من تقى ما أراد بها *** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إنـي لأذكـره يوما فأحسبه *** أوفـى البريـة عند الله ميزانـا
فعارضه الامام أبو الطيب الطبري فقال:
اني لابرأ مما أنت تذكره *** عن بن ملجم الملعون بهتانا
اني لأذكره يوما فألعنه *** دينا وألعن عمران بن حطان
وأما صاحب معاوية وهو البرك فأنه حمل عليه وهو خارج إلى صلاة الفجر في هذا اليوم فضربه بالسيف وقيل بخنجر مسموم فجاءت الضربة في وركه فجرحت إليته ومسك الخارجي فقتل وقد قال لمعاوية اتركني فأني أبشرك ببشارة فقال وما هي فقال إن أخي قد قتل في هذا اليوم علي بن أبي طالب قال فلعله لم يقدرعليه قال بلى إنه لا حرس معه فأمر به فقتل وجاء الطبيب فقال لمعاوية إن جرحك مسموم فاما أن أكويك وأما أن أسقيك شربة فيذهب السم ولكن ينقطع نسلك فقال معاوية أما النار فلا طاقة لي بها وأما النسل ففي يزيد وعبد الله ما تقر به عيني فسقاه شربة فبرأ من ألمه وجراحه واستقل وسلم رضي الله عنه ومن حينئذ عملت المقصورة في المسجد الجامع وجعل الحرس حولها في حال السجود فكان أول من اتخذها معاوية لهذه الحادثة
وأما صاحب عمرو بن العاص وهو عمرو بن بكر فأنه كمن له ليخرج إلى الصلاة فاتفق أن عرض لعمرو بن العاص مغص شديد في ذلك اليوم فلم يخرج إلا نائبه إلى الصلاة وهو خارجة بن أبي حبيبة من بني عامر بن لؤي وكان على شرطة عمرو بن العاص فحمل عليه الخارجي فقتله وهو يعتقده عمرو بن العاص فلما أخذ الخارجي قال أردت عمرا وأراد الله خارجة فأرسلها مثلا وقتل قبحه الله وقد قيل إن الذي قالها عمرو بن العاص وذلك حين جىء بالخارجي فقال ما هذا قالوا قتل نائبك خارجة ثم أمر به فضربت عنقه فلما مات علي إني أعرض عليك خصلة قال وما رضي الله عنه استدعى الحسن بابن ملجم فقال له ابن ملجم هي قال إني كنت عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما فأن خليتني ذهبت إلى معاوية على أني لم أقتله أو قتلته وبقيت فلله على أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك فقال له الحسن كلا والله حتى تعاين النار ثم قدمه فقتله ثم أخذه الناس فأدرجوه في بوراي ثم أحرقوه بالنار وقد قيل إن عبد الله بن جعفر قطع يديه ورجليه وكحلت عيناه وهو مع ذلك يقرأ سورة أقرأ باسم ربك الذي خلق إلى آخرها ثم جاءوا ليقطعوا لسانه فجزع وقال إني أخشى أن تمر على ساعة لا أذكر الله فيها ثم قطعوا لسانه ثم قتلوه ثم حرقوه في قوصرة والله أعلم وصلى الله على محمد .
فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟
فقال: (( دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس )).
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته. قال: فأنزلت فيه: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ}
أخرجه البخاري في كتاب: استتابة المرتدين / باب: من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس عنه رقم: 3414.
معاني الكلمات:
(لا يجاوز تراقيهم) لا يتعداها، والتراقي جمع ترقوة وهي عظم يصل ما بين ثغرة النحر والعاتق، والمراد: لا يفقهون معناه، ولا تخشع له قلوبهم، ولا يؤثر في نفوسهم، فلا يعملون بمقتضاه.
(يمرقون) يخرجون منه سريعا دون أن يستفيدوا منه.
(الرمية) هو الصيد المرمي، شبه مروقهم من الدين بمروق السهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه ويخرج منه دون أن يعلق به شيء منه، لشدة سرعة خروجه.
(نصله) حديدة السهم.
(رصافه) هو العصب الذي يلوى فوق مدخل النصل.
(قدحه) هو عود السهم قبل أن يوضع له الريش.
(قذذه) جمع قذة وهي واحدة الريش الذي يعلق على السهم.
(قد سبق الفرث والدم) أي لم يتعلق به شيء منهما لشدة سرعته، والفرث ما يجتمع في الكرش مما تأكله ذوات الكروش.
(آيتهم) علامتهم.
(البضعة) قطعة اللحم.
(تدردر) تضطرب وتذهب وتجيء.
(حين فرقة) أي زمن افتراق بينهم، وفي رواية (على خير فرقة) أي أفضل طائفة.
وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: بعث علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهبية، فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا، قال: (( إنما أتألفهم )). فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية محلوق، فقال: اتق الله يا محمد، فقال: (( من يطع الله إذا عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنونني )).
فسأل رجل قتله - أحسبه خالد بن الوليد - فمنعه، فلما ولى قال: (( إن من ضئضئ هذا، أو: في عقب هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد )).
أخرجه البخاري في باب: قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم رقم: 3166
معاني الكلمات:
(بذهبية) قطعة من ذهب.
(صناديد) رؤساء، جمع صنديد.
(غائر العنين) عيناه داخلتان في رأسه لاصقتان بقعر الحدقة، ضد الجاحظ.
(مشرف الوجنتين) عاليهما، والوجنتان العظمان المشرفان على الخدين، وقيل لحم جلد الخدين.
(كث اللحية) كثير شعرها.
(ضئضئ) هو الأصل والعقب، وقيل: هو كثرة النسل.
(لا يجاوز حناجرهم) لا يفقهون معناه ولا ينتفعون بتلاوته.
(يمرقون) يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ من الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق بالسهم من دمه شيء.
(الرمية) الصيد المرمي.
(قتل عاد) أي أستأصلهم بالكلية بأي وجه، ولا أبقي أحدا منهم]
قال البخاري في "صحيحه" : ( وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين ) فتح الباري (12/282)
قال ابن حجر في وصف بعض أنواع الخوارج: " والقَعَدية الذين يُزَيِّنون الخروجَ على الأئمة ولا يباشِرون ذلك "
((هدي الساري)) ص (483) وانظر (( الإصابة )) عند ترجمة عمران بن حطّان
وقال عبد الله بن محمد الضعيف: " قَعَدُ الخوارج هم أخبث الخوارج "
رواه أبو داود في (( مسائل أحمد )) ص (271) بسند صحيح
صفة مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة أربعين من الهجرة :
كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه خير أهل الأرض في ذلك الزمان أعبدهم وأزهدهم وأعلمهم وأخشاهم لله عز وجل ومع هذا كله خذلوه أهل العراق وتخلوا عنه حتى كره الحياة وتمنى الموت وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن فكان يكثر أن يقول: ما يحبس اشقاها؟. أي: ما ينتظر؟ ماله لا يقتل؟ ثم يقول: والله لتخضبن هذه ويشير إلى لحيته من هذه ويشير إلى هامته.
عن عثمان بن صهيب عن أبيه قال: قال علي رضي الله عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أشقى الأولين )) قلت: عاقر الناقة. قال: (( صدقت)) قال: ((فمن أشقى الآخرين)) قلت: لا علم لي يا رسول الله. قال: (( الذي يقتلك ))
رواه الطبراني وأبو يعلى وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح1088)
قال الحافظ ابن كثير في (( البداية والنهاية )) (6/7):
ذكر ابن جرير وغير واحد من علماء التاريخ والسير وأيام الناس أن ثلاثة من الخوارج وهم عبد الرحمن بن عمرو المعروف بابن ملجم الحميري ثم الكندي حليف بني حنيفة من كندة المصري وكان أسمر حسن الوجه أبلج شعره مع شحمة أذنيه وفي وجهه أثر السجود. والبرك بن عبد الله التميمي. وعمرو بن بكر التميمي ايضا.
اجتمعوا فتذاكروا قتل علي إخوانهم من أهل النهروان، فترحموا عليهم، وقالوا ماذا نصنع بالبقاء بعدهم؟! كانوا من خير الناس وأكثرهم صلاة وكانوا دعاة الناس إلى ربهم، ولا يخافون في الله لومة لائم. فلو شرينا أنفسنا، فأتينا أئمة الضلالة فقتلناهم فأرحنا منهم البلاد وأخذنا منهم ثأر إخواننا.
فقال ابن ملجم: أما أنا فأكفيكم على ابن أبي طالب.
وقال البرك: وأنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان.
وقال عمرو بن بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص.
فتعاهدوا وتواثقوا أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم فسمّوها واتعدوا لسبع عشرة من رمضان؛ أن يبيت كل واحد منهم صاحبه في بلده الذي هو فيه.
فأما ابن ملجم، فسار إلى الكوفة فدخلها وكتم أمره حتى عن أصحابه من الخوارج الذين هم بها، فبينما هو جالس في قوم من بني الرباب يتذاكرون قتلاهم يوم النهروان إذ أقبلت امرأة منهم يقال قطام بنت الشجنة قد قتل على يوم النهروان أباها وأخاها، وكانت فائقة الجمال، مشهورة به، وكانت قد انقطعت في المسجد الجامع تتعبد فيه، فلما رآها ابن ملجم سَلَبَتْ عقله ونسي حاجته التي جاء لها وخطبها إلى نفسها، فاشترطت عليه ثلاثة آلاف درهم، وخادما، وقينة، وأن يقتل لها علي بن أبي طالب، قال: فهو لك، ووالله ما جاء بي إلى هذه البلدة إلا قتل علي.
فتزوجها ودخل بها، ثم شرعت تحرضه على ذلك، وندبت له رجلا من قومها من تيم الرباب يقال له وردان ليكون معه ردءا، واستمال ابن ملجم رجلا آخر يقال له شبيب بن نجدة الأشجعي الحروري قال له ابن ملجم: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ فقال: وما ذاك؟! قال: قتل علي. فقال: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئا إدّاً، كيف تقدر عليه؟ قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه فان نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا وإن قتَلَنا فما عند الله خير من الدنيا. فقال: ويحك! لو غير علي كان أهون علىَّ؛ قد عرفت سابقته في الإسلام وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أجدني أنشرح صدرا لقتله فقال: أما تعلم أنه قتل أهل النهروان؟ فقال: بلى. قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا. فأجابه إلى ذلك بعد لأيٍ.
ودخل شهر رمضان، فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت، وقال: هذه الليلة التي واعدت أصحابي فيها أن يثأروا بمعاوية وعمرو بن العاص فجاء هؤلاء الثلاثة وهم ابن ملجم ووردان وشبيب وهم مشتملون على سيوفهم، فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج جعل يُنهض الناس من النوم إلى الصلاة؛ ويقول: الصلاة، الصلاة، فثار إليه شبيب بالسيف فضربه فوقع في الطاق، فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه فسال دمه على لحيته رضي الله عنه.
ولما ضربه ابن ملجم قال (لاحكم إلا لله) ليس لك يا علي ولا لأصحابك، وجعل يتلو قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد) ونادى علي: عليكم به، وهرب وردان فأدركه رجل من حضرموت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه، وفات الناس، ومُسك ابن ملجم وقدم على جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس صلاة الفجر، وحمل علي إلى منزله وحمل إليه عبد الرحمن بن ملجم، فأوقف بين يديه وهو مكتوف قبحه الله، فقال: له أي عدو الله؛ ألم أحسن إليك؟. قال: بلى. قال: فما حملك على هذا؟. قال: شحذته أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه فقال له علي: لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا من شر خلق الله. ثم قال: إن مت فاقتلوه وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به.
وقال ابن ملجم: والله لقد ضربته ضربة لو أصابت أهل المصر لماتوا أجمعين والله لقد سممت هذا السيف شهرا ولقد اشتريته بألف وسممته بألف.
وقد امتدح ابن ملجم بعض الخوارج المتأخرين في زمن التابعين وهو عمران بن حطان([1]) وكان أحد العباد ممن يروى عن عائشة في ((صحيح البخاري)) فقال فيه :
يا ضربة من تقى ما أراد بها *** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إنـي لأذكـره يوما فأحسبه *** أوفـى البريـة عند الله ميزانـا
فعارضه الامام أبو الطيب الطبري فقال:
اني لابرأ مما أنت تذكره *** عن بن ملجم الملعون بهتانا
اني لأذكره يوما فألعنه *** دينا وألعن عمران بن حطان
وأما صاحب معاوية وهو البرك فأنه حمل عليه وهو خارج إلى صلاة الفجر في هذا اليوم فضربه بالسيف وقيل بخنجر مسموم فجاءت الضربة في وركه فجرحت إليته ومسك الخارجي فقتل وقد قال لمعاوية اتركني فأني أبشرك ببشارة فقال وما هي فقال إن أخي قد قتل في هذا اليوم علي بن أبي طالب قال فلعله لم يقدرعليه قال بلى إنه لا حرس معه فأمر به فقتل وجاء الطبيب فقال لمعاوية إن جرحك مسموم فاما أن أكويك وأما أن أسقيك شربة فيذهب السم ولكن ينقطع نسلك فقال معاوية أما النار فلا طاقة لي بها وأما النسل ففي يزيد وعبد الله ما تقر به عيني فسقاه شربة فبرأ من ألمه وجراحه واستقل وسلم رضي الله عنه ومن حينئذ عملت المقصورة في المسجد الجامع وجعل الحرس حولها في حال السجود فكان أول من اتخذها معاوية لهذه الحادثة
وأما صاحب عمرو بن العاص وهو عمرو بن بكر فأنه كمن له ليخرج إلى الصلاة فاتفق أن عرض لعمرو بن العاص مغص شديد في ذلك اليوم فلم يخرج إلا نائبه إلى الصلاة وهو خارجة بن أبي حبيبة من بني عامر بن لؤي وكان على شرطة عمرو بن العاص فحمل عليه الخارجي فقتله وهو يعتقده عمرو بن العاص فلما أخذ الخارجي قال أردت عمرا وأراد الله خارجة فأرسلها مثلا وقتل قبحه الله وقد قيل إن الذي قالها عمرو بن العاص وذلك حين جىء بالخارجي فقال ما هذا قالوا قتل نائبك خارجة ثم أمر به فضربت عنقه فلما مات علي إني أعرض عليك خصلة قال وما رضي الله عنه استدعى الحسن بابن ملجم فقال له ابن ملجم هي قال إني كنت عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما فأن خليتني ذهبت إلى معاوية على أني لم أقتله أو قتلته وبقيت فلله على أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك فقال له الحسن كلا والله حتى تعاين النار ثم قدمه فقتله ثم أخذه الناس فأدرجوه في بوراي ثم أحرقوه بالنار وقد قيل إن عبد الله بن جعفر قطع يديه ورجليه وكحلت عيناه وهو مع ذلك يقرأ سورة أقرأ باسم ربك الذي خلق إلى آخرها ثم جاءوا ليقطعوا لسانه فجزع وقال إني أخشى أن تمر على ساعة لا أذكر الله فيها ثم قطعوا لسانه ثم قتلوه ثم حرقوه في قوصرة والله أعلم وصلى الله على محمد .