اليقظان
04-10-2003, 12:50 AM
عواطفنا ليست لنا مطايا
خالد بن صالح السيف
إن تأسيس رؤيتنا على بـنـيـة عاطفية ظاهرة تناولنا بها جملة من قضايا الأمة المصيرية!! ويبدو أننا لم نفق بعد من سـكر العاطفة! ونتاج هذا البناء العاطفي المكرّس بائن في الهزائم المتلاحقة والخسران المضطرد لـمـدخــرات الأمة - الإنسان على رأس قائمتها - وما زالت قوافلنا يتقدمها حُداة العاطفة أنفسهم بأصـواتـهـم الشـجية وكأننا نسعى بجهد لاهث لأن نصدّق فينا هذا النعت بأننا: "ظاهرة صوتية فحسب"!! ويـبـدو- ثانـيـة -أن من يُناصبنا العداء هو- الآخر- يمارس باقتدار إذكاء أُوار عاطفتنا بصورة عكسية يظفر هو كنتيجة لها بإبلنا فيمتطي بعضاً ويدخر بعضاً !! ونحن لا نصدق خبراً فنروح من حـيـنهــا نوسعه سباً وتدور جولة ثانية تعود فيها إليه الإبل والسبُّ لنا ثمن بخس !!
إن مجاوزة الحد في عواطفنا مكمن ضعف أُتينا من خلاله ، كما أن الغلو في الـعـقــل مكمن خـلـل سقطنا من خلاله سابقاً - والتوزير الرافضي والاعتزالي شأنه ليس بسر في الـعـصـــر الـعـبـاسي - والشاطبي (1) يعتبر إلغاء هذا المفهوم قاعدة حيث يقول : "لا يجعل العقل حاكماً بإطلاق ، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع ، بل الواجب عليه أن يقدم ما حقه الـتقـديــم - وهو الشرع -، ويؤخر ما حقها التأخير - وهو العقل -، لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكماً على الكامل لأنه خلاف المعقول والمنقول بل ضد القضية، وهو الموافق للأدلة فلا معدل عنه ، لذلك قيل : اجعل الشرع في يمينك والعقل في يسارك تنبيها على تقديم الشرع على العقل "..
ونحن بإزاء هــــذه الظاهرة العاطفية المؤججة نتساءل : هل ثمة وسطية يُثَبَّتُ فيها طيش العاطفة - بِقِيَم الـعـقـل - مناط التكليف وموطن التكريم لتجيء من بعد النصوص - قرآن وسنة - مهيمنة عليهما في ابتغاء رؤية مؤصلة لا تغيرها المستجدات بقدر ما تستوعب هي المستجد فتوجهه وفق مُرادات النصوص المتكئة على فهوم السلف الصالح.
فـ"مدار الأمر كله على العقل فإنه إذا تم العقل لم يعمل صاحبه إلا على أقوى دليل. وثمرة العقل فهم الخطاب وتـلـمـــح المقصود من الأمر. ومن فهـم المقصود وعمل على الدليل كان كالباني على أساس وثيق "(2)، فـهـل نعي نحن لـنـتـجـاوز البناء على العاطفة الأرضية الهشة، مستأنسين بمواطن ابن الجوزي ، ومنضبطين بقواعد الشاطبي - رحمهما الله تعالى - فحيثيات الاستخلاف والتمكين ليست معادلات عاطفية تعالج إشكالاتها "الجماهيرية" بأرقام منْبَتّة فلا هي لظهورها أبقت ولا هي لأرضها قطعت !!
بل الاستخلاف والتمكين "وعد حق" ممن لا يخلفه - سـبـحـانه - بيد أنه لمن تتوافر فيه الأهلية بصفاتها المشروطة" ((وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِــكَ فَـــأُوْلَـئِـــــكَ هُـــــمُ الفَاسِقُونَ))[النور 55] ، فالتمكين من لدن الله متحقق لا محالة إبان الاستواء على الشرط وامتثال واقع النص لا مجرد حفظه وبح الصوت به..
إن أبجـديــــات النصر والغلبة ليست أمان نُشكّل بها مربعات ضعفنا وهواننا على الأمم ؛ وليست تأريخـــاً نستجره - حاضراً - لندغدغ به مشاعرنا ونُحذِّر به جيلاً يُبَحُّ هو الآخر صوته بإنشاد أفـعـــال الـمــاضي : "كنّا.. وكانوا... كانت لنا.. وآبائي وأجدادي واسألوا عنا!!" الخ.. منظومة الماضي المجيد الذي مضى برجالاته صناع تاريخنا الذين نحفل به إلى حد استشرافه ثانية واقـعــــاً نحياه - بإذن الله - إنما النصر والغلبة.. وعد.. كسابقه مشروط : ((إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ))[محمد 7] ، ولن يكون شيء من ذلك بلا قرح يمس الجيل.. ولن يكون بلا ابتلاء ومجاهدة ومصابرة ومن قبل التمحيص : ((ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ))[آل عمران 141-142]. هكذا يجيء النصر وتجيء الغلبة مع جيل النصر وحده ذي الصياغة الفردية على منهج المدرسة النبوية.. لا غير..
وأجدني أخيراً مضطراً إلى أن أجعلك تشاركنا مخاض تجربة شيخنا الأستاذ محمد قطب وهو - أثابه الله - لم يأل جهداً من أمد بعيد وهو يقرر أنه:"برغم كل عواطف الجماهير، وكل حماستهم التي يبدونها حين يذكر الإسلام فهي حماسة عاطفية لا تقيم بناءً حقيقياً.. ولا حركة حقيقية.. إنما تحتاج القاعدة إلى الإنشاء من جديد.. فرداً فرداً حتى يكتمل بناء متماسك كبناء الجماعة الأولى على يد الرسول -صلى الله عليه وسـلـم- ، إلا يـكـن فــي الدرجة فعلى نفس المنهج ، الذي ي هو مجال الأسوة في رسول الله -صلى عليه وسلم- وفي الجماعة التي رباها ليقوم عليها البناء"(3).
ويـؤكـــد مرة أخرى على أن المعركة بين الإسلام وأعدائه ليست معركة سريعة خاطفة بل معركة طويلة شاقة قد تستغرق عدة أجيال : "فينبغي للقاعدة التي تنشأ للقيام بهذا العبء الضخم أن تربى لتكون طويلة النفس ، شديدة الصبر، عميقة الإيمان بالله ، عميقة التوكل عليه، مـسـتـعـدة لما يتطلبه أمرها من المعاناة وقادرة على أن تبذل من نفسها: من جهدها ومالها ودمها وفـكـرهــا، ما يحتاج إليه إزالة الغربة التي ألمت بالإسلام اليوم ، واستنقاذ "الغثاء" من دوامة السيل واستنباته مرة أخرى راسياً في الأرض عميق الجذور.. "(4).
لست أدري.. بعد أن تشكلنا إلى حد، عاطفياً - ولم نفلح - أتصعب معاودة الصياغة مرة أخرى ضمن ضوابط ما ذكرنا سلفاً؟
الإجابة.. تملكها أنت.. وهــو.. وهــي وهــــم.. وأنتم ونحن.. في إطار عمليٍّ فاعل منشَؤُهُ استقامة الرؤية :
* قال الحسن البصري: "ما استودع الله أحداً عقلاً إلا استنقذه يوماً ما"(5).
* قال أبو حفص الكبير الشأن: مـن لـم يـزن أحـوالـــه وأفعاله بالكتاب والسنة ولم يَتَّهِم خواطره فلا تعدوه في ديوان الرجال "(6).
الهوامش :
1- الاعتصام للشاطبي 2/327.
2- صيد الخاطر 211،لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي الحنبلي.
3- الصحوة الإسلامية،165-166
4- الصحوة الإسلامية، ص166.
5- أدب الدين والدنيا، ص 2 ، للماوردي.
6- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ، 1/ 100 ، لابن قيم الجوزية
خالد بن صالح السيف
إن تأسيس رؤيتنا على بـنـيـة عاطفية ظاهرة تناولنا بها جملة من قضايا الأمة المصيرية!! ويبدو أننا لم نفق بعد من سـكر العاطفة! ونتاج هذا البناء العاطفي المكرّس بائن في الهزائم المتلاحقة والخسران المضطرد لـمـدخــرات الأمة - الإنسان على رأس قائمتها - وما زالت قوافلنا يتقدمها حُداة العاطفة أنفسهم بأصـواتـهـم الشـجية وكأننا نسعى بجهد لاهث لأن نصدّق فينا هذا النعت بأننا: "ظاهرة صوتية فحسب"!! ويـبـدو- ثانـيـة -أن من يُناصبنا العداء هو- الآخر- يمارس باقتدار إذكاء أُوار عاطفتنا بصورة عكسية يظفر هو كنتيجة لها بإبلنا فيمتطي بعضاً ويدخر بعضاً !! ونحن لا نصدق خبراً فنروح من حـيـنهــا نوسعه سباً وتدور جولة ثانية تعود فيها إليه الإبل والسبُّ لنا ثمن بخس !!
إن مجاوزة الحد في عواطفنا مكمن ضعف أُتينا من خلاله ، كما أن الغلو في الـعـقــل مكمن خـلـل سقطنا من خلاله سابقاً - والتوزير الرافضي والاعتزالي شأنه ليس بسر في الـعـصـــر الـعـبـاسي - والشاطبي (1) يعتبر إلغاء هذا المفهوم قاعدة حيث يقول : "لا يجعل العقل حاكماً بإطلاق ، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع ، بل الواجب عليه أن يقدم ما حقه الـتقـديــم - وهو الشرع -، ويؤخر ما حقها التأخير - وهو العقل -، لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكماً على الكامل لأنه خلاف المعقول والمنقول بل ضد القضية، وهو الموافق للأدلة فلا معدل عنه ، لذلك قيل : اجعل الشرع في يمينك والعقل في يسارك تنبيها على تقديم الشرع على العقل "..
ونحن بإزاء هــــذه الظاهرة العاطفية المؤججة نتساءل : هل ثمة وسطية يُثَبَّتُ فيها طيش العاطفة - بِقِيَم الـعـقـل - مناط التكليف وموطن التكريم لتجيء من بعد النصوص - قرآن وسنة - مهيمنة عليهما في ابتغاء رؤية مؤصلة لا تغيرها المستجدات بقدر ما تستوعب هي المستجد فتوجهه وفق مُرادات النصوص المتكئة على فهوم السلف الصالح.
فـ"مدار الأمر كله على العقل فإنه إذا تم العقل لم يعمل صاحبه إلا على أقوى دليل. وثمرة العقل فهم الخطاب وتـلـمـــح المقصود من الأمر. ومن فهـم المقصود وعمل على الدليل كان كالباني على أساس وثيق "(2)، فـهـل نعي نحن لـنـتـجـاوز البناء على العاطفة الأرضية الهشة، مستأنسين بمواطن ابن الجوزي ، ومنضبطين بقواعد الشاطبي - رحمهما الله تعالى - فحيثيات الاستخلاف والتمكين ليست معادلات عاطفية تعالج إشكالاتها "الجماهيرية" بأرقام منْبَتّة فلا هي لظهورها أبقت ولا هي لأرضها قطعت !!
بل الاستخلاف والتمكين "وعد حق" ممن لا يخلفه - سـبـحـانه - بيد أنه لمن تتوافر فيه الأهلية بصفاتها المشروطة" ((وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِــكَ فَـــأُوْلَـئِـــــكَ هُـــــمُ الفَاسِقُونَ))[النور 55] ، فالتمكين من لدن الله متحقق لا محالة إبان الاستواء على الشرط وامتثال واقع النص لا مجرد حفظه وبح الصوت به..
إن أبجـديــــات النصر والغلبة ليست أمان نُشكّل بها مربعات ضعفنا وهواننا على الأمم ؛ وليست تأريخـــاً نستجره - حاضراً - لندغدغ به مشاعرنا ونُحذِّر به جيلاً يُبَحُّ هو الآخر صوته بإنشاد أفـعـــال الـمــاضي : "كنّا.. وكانوا... كانت لنا.. وآبائي وأجدادي واسألوا عنا!!" الخ.. منظومة الماضي المجيد الذي مضى برجالاته صناع تاريخنا الذين نحفل به إلى حد استشرافه ثانية واقـعــــاً نحياه - بإذن الله - إنما النصر والغلبة.. وعد.. كسابقه مشروط : ((إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ))[محمد 7] ، ولن يكون شيء من ذلك بلا قرح يمس الجيل.. ولن يكون بلا ابتلاء ومجاهدة ومصابرة ومن قبل التمحيص : ((ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ))[آل عمران 141-142]. هكذا يجيء النصر وتجيء الغلبة مع جيل النصر وحده ذي الصياغة الفردية على منهج المدرسة النبوية.. لا غير..
وأجدني أخيراً مضطراً إلى أن أجعلك تشاركنا مخاض تجربة شيخنا الأستاذ محمد قطب وهو - أثابه الله - لم يأل جهداً من أمد بعيد وهو يقرر أنه:"برغم كل عواطف الجماهير، وكل حماستهم التي يبدونها حين يذكر الإسلام فهي حماسة عاطفية لا تقيم بناءً حقيقياً.. ولا حركة حقيقية.. إنما تحتاج القاعدة إلى الإنشاء من جديد.. فرداً فرداً حتى يكتمل بناء متماسك كبناء الجماعة الأولى على يد الرسول -صلى الله عليه وسـلـم- ، إلا يـكـن فــي الدرجة فعلى نفس المنهج ، الذي ي هو مجال الأسوة في رسول الله -صلى عليه وسلم- وفي الجماعة التي رباها ليقوم عليها البناء"(3).
ويـؤكـــد مرة أخرى على أن المعركة بين الإسلام وأعدائه ليست معركة سريعة خاطفة بل معركة طويلة شاقة قد تستغرق عدة أجيال : "فينبغي للقاعدة التي تنشأ للقيام بهذا العبء الضخم أن تربى لتكون طويلة النفس ، شديدة الصبر، عميقة الإيمان بالله ، عميقة التوكل عليه، مـسـتـعـدة لما يتطلبه أمرها من المعاناة وقادرة على أن تبذل من نفسها: من جهدها ومالها ودمها وفـكـرهــا، ما يحتاج إليه إزالة الغربة التي ألمت بالإسلام اليوم ، واستنقاذ "الغثاء" من دوامة السيل واستنباته مرة أخرى راسياً في الأرض عميق الجذور.. "(4).
لست أدري.. بعد أن تشكلنا إلى حد، عاطفياً - ولم نفلح - أتصعب معاودة الصياغة مرة أخرى ضمن ضوابط ما ذكرنا سلفاً؟
الإجابة.. تملكها أنت.. وهــو.. وهــي وهــــم.. وأنتم ونحن.. في إطار عمليٍّ فاعل منشَؤُهُ استقامة الرؤية :
* قال الحسن البصري: "ما استودع الله أحداً عقلاً إلا استنقذه يوماً ما"(5).
* قال أبو حفص الكبير الشأن: مـن لـم يـزن أحـوالـــه وأفعاله بالكتاب والسنة ولم يَتَّهِم خواطره فلا تعدوه في ديوان الرجال "(6).
الهوامش :
1- الاعتصام للشاطبي 2/327.
2- صيد الخاطر 211،لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي الحنبلي.
3- الصحوة الإسلامية،165-166
4- الصحوة الإسلامية، ص166.
5- أدب الدين والدنيا، ص 2 ، للماوردي.
6- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ، 1/ 100 ، لابن قيم الجوزية